إيقاع

قوافل الفن الشعبي تنثر عبقها في شوارع القاهرة دون تمويل

صورة

غناء متوارث شكلاً ومضمونا، من قلب الجمهور، مسرح في الشارع، حلقة في ميدان بحي شعبي أو مولد شهير، أغنيات فلكلورية أبدعها مجهولٌ تردَّدت على ألسنة العامة حتى صارت جزءا من حياة الناس، ولا تختلف على تذوقها طبقات المجتمع بل تتجاوز الحدود؛ لأنها تتحرك بأصالتها ومحليتها نحو عالمية بلا حدود، وقد بنت الأغنيات الشعبية نفسها على تراث بعيد وكوَّنت مضامينها من كل الأمكنة.

وكانت الاحتفالية المثيرة التي شهدها حي «كوم الدِّكَّة» بالإسكندرية بجوار منزل سيد درويش تحت عنوان «زوروني كل سنة مرة» احتفاءً بذكرى ميلاد فنان الشعب بحضور فرق الشباب مثل «مسار إجباري»، «إنسان»، «عرب باند»، مثالاً على شيوع ثقافة الغناء المتجول، فقد كان هذا الاحتفاء الشعبي ارتجاليا لا تنظمه غير فِرق الشارع. وبالعودة إلى تاريخ الأغنية الفلكلورية التي تربت مثل المسرح العربي على أكتاف الموالد المصرية نجد أسماءً لامعة ربما لا يُعرف أهمها من قِبل الجمهور، فهل نتذكر «خضرة محمد خضر» أشهر مطربة غنت الفلكلور المصري؟، والتي اكتشفها جامع التراث الفنان زكريا الحجاوي وتزوجها، وبالطبع يتذكر الناس اسم «الريس متقال» صاحب الربابة الشهيرة..

فقد كوَّن فرقته من أشقائه ودار في الموالد الصعيدية حتى لمع نجمه واشتهر خارج مصر واهتمت به الصحافة الأوروبية؛ لأنه يمثل حالة خاصة لا تتأثر إلا ببيئتها، ولعل مثال أم كلثوم، أعظم مطربة في القرن العشرين، جدير بالدراسة، فقد بدأت في عمر مبكر بحضور الموالد الدينية مع أبيها المُنشِد بصحبة بطانة من أسرتها، إلى أن تحوَّلت إلى مؤسسة غنائية كبرى سيطرت على الغناء العربي منذ بدايات القرن العشرين وحتى وفاتها.

خضرة ومتقال

هؤلاء المشاهير من نجوم الموالد الشعبية والغناء في الشوارع ليسوا إلا أمثلة لعدد لا حصر له من الفنانين، يعيشون على الجمهور المتذوق لفنونهم ولا تمويل لهم في الماضي البعيد ولا القريب إلا عن طريق المصادفة بتحويلهم إلى فرق نظامية تحت رعاية فنان مثل زكريا الحجاوي، أو تحت رعاية مؤسسة ثقافية حكومية مثل الثقافة الجماهيرية التي تبنَّت موهبة «الريس متقال»، أو قدرة أحدها على قيادة الدفَّة بنفسه وتكوين مؤسسة شخصية بمجهود فردي، لكنها في النهاية قائمة على الصدفة.

وعلى الدرب نفسه، لا يزال الشعراء والمطربون الشباب يحرصون على مسرح الشارع الذي يستقطب الآلاف من المعجبين بالفنون الشعبية المصرية، ونجد أن هذه الفرق، خاصة فرق مسرح الشارع، تقوم بدور بارز من خلال المزج بين الشعر والموسيقى والغناء، وتوظيف كل هذه الإبداعات في أعمال درامية مسرحية وإن كان الشعر يسيطر عليها باعتباره المحرك الأساسي لمشاعر الحضور.

تجربة حدَّاد

وتواصلاً مع فكرة الشاعر الشعبي الذي كان يجلس في المقاهي ويسرد حكايات «أبي زيد الهلالي» وملحمة «شفيقة ومتولي» وسط تجمعات من الجمهور، كان الشاعر «فؤاد حداد» حريصا على تكرار النموذج، فحقق شكل المدرسة الفنية المتنقلة مثلما كان يحدث مع فرق مسرحية قديمة دعمت ظهور المسرح المصري بتجوالها في قرى ونجوع مصر على مسرح متنقل في الموالد، واستمر على نهج حدَّاد في ثمانينات القرن الماضي كل من بهاء جاهين، محمد بهجت، عهدي صادق، محمود حميدة، ممدوح عبدالعليم، وجيه عزيز، تميم البرغوثي، وأمين حداد، فقدموا حفلات تجمع بين الشعر والغناء والموسيقى.

ولم يتوقفوا عند الغناء والدراما والمسرح والشعر، بل أقاموا حفلات بمشاركة الأطفال؛ حيث اشتركوا مع كورال للأطفال وقدموا حفلاً بعنوان «بلادي الجميلة» بتقديم أعمال اثنين من كبار الشعراء المصريين هما صلاح جاهين وفؤاد حداد، كما اهتموا بالأمسيات التي تناولت القضايا الوطنية؛ حيث قدموا نهاية العام 2006 عملاً بعنوان «لازم تعيش المقاومة» من أشعار فؤاد حداد، واستثمروا أشعار صلاح جاهين بشكل فريد من خلال أمسية «الشوارع حواديت».

«إسكندريلا» و«طمي»

وبدأت مراكز ثقافية خاصة تنتبه إلى الفرق الشابة التي تقدم التراث، أمثال فرقة «إسكندريلا» و«طمي»، وأصبحت ساقية عبدالمنعم الصاوي مؤسسة شعبية لفرق الشارع، فاحتضنت العديد من الفرق الفنية الشعبية، كذلك أسهم مسرح «جيزويت» بالإسكندرية بقدر كبير في دعم مشوار الشاعر أحمد حداد والموسيقار حازم شاهين اللذين شكَّلا نوعا جديدا من الأداء إلى أن تحوَّلت تجربتهما إلى مثال يُحتذى به.

وقد أكسب الشارع المصري كثيرا من الفنانين والفنانات في مجال الغناء الشعبي جماهيرية كبيرة، خصوصا الذين قدموا الموَّال في تنافس رائع وكذلك الفلكلور الشعبي وغيرهما من مغنى التراث مثل الفنانة «بدارة» من الإسكندرية، والتي ظهر بعدها «وحيدة حلمي»، «بهية»، و«سعاد»، وكانت قد سبقتهن الفنانة «بدرية السيد» التي توفيت في مايو من العام 1989، والتي اشتهرت بغناء اللون الريفي وكان من أهم أغنياتها موَّال «طلعت فوق السطوح أنده على طيري.. لاقيت طيري بيشرب من قنا غيري».

وكانت المنافسة شرسة بين مطربي الموالد فتخصصت خضرة في قصة «أيوب وناعسة» التي كتبها زوجها زكريا الحجاوي، وأصبحت منذ الخمسينات من أهم فنانات الفلكلور الشعبي المصري، وكانت نقطة التحول في حياتها شريط «أيوب المصري».

سيرة الضوي

وقد يكون النموذج الوحيد الخالد والذي يُذكِّر بالشاعر الشعبي صاحب السير هو نموذج الفنان «سيد الضوي»، آخر رواة السيرة الهلالية، الذي يصاحبه الشاعر عبدالرحمن الأبنودي في «بيت السحيمي» بقلب القاهرة التاريخية كل عام في رمضان؛ لتلاوة قليل من السيرة على أنغام صعيدية من الربابة ويأتيه الجمهور من كل مكان ليتابعوه.

كذلك خرج من رحم الموالد والأفراح الشعبية ظاهرة فنية قلبت الغناء المصري في بداية الأربعينات، وكانت هذه الظاهرة هي الفنان «محمود شكوكو» الذي احترف فن المونولوج والأراجوز من كثرة تنقله في مسارح الشارع المتجوّلة، وقد أصبح شكوكو أيقونة شعبية لدى المصريين فصنعوا له تمثالاً كان يُباع في الأسواق.

وقد أكد النقاد أن هناك تشابها كبيرا في الموضوعات المطروحة في الأغنيات الشعبية خصوصا أن أغلبها يلجأ إلى التراث، كما أنهم يعبِّرون عن موضوعات متشابهة مثل حب الله ورسوله، تروِّج للرحلات المقدسة كالحج والعمرة، وتركز على الحِكم والمواعظ من خلال قصص اجتماعية، وأكد كثير من الباحثين أن المنشدات ساهمن في الحفاظ على التراث الشعبي؛ حيث قمن بتسجيله في أسطوانات وهي نقطة إيجابية، لكنهم اعترضوا على تفكير القائمين على التليفزيون المصري والقنوات الفضائية لعدم إدراكهم أهمية توثيق الفنون النادرة.

وفى هذا السياق يحذر الباحث «أحمد سالم» من عملية إقصاء متعمَّدة للفلكلور من جانب الأجهزة الإعلامية الرسمية، وهذا قد يؤدي إلى هروب الأصوات الجديدة إلى فنون أخرى أو الاعتزال.. مشيرا إلى خطورة التطور التقني والعولمة على الاهتمام بالفن الشعبي الأصيل.

أزمة تمويل

وفي محاولة لرصد المشاكل التي تعترض الفن الشعبي في مصر، يقول الفنان «محمود رضا» إنه كغيره من الفنون التي كانت - ولا تزال- محفورة في ذاكرة الشعوب والمجتمعات ذات الحضارة بما يحمله من دلالات على مظاهر الحياة السائدة في الحقب التاريخية المتعاقبة من خلال النبرات الصوتية العذبة والإيقاعات التي تتخللها الرقصات.

أما المشاكل التي باتت تهدد الفرق بالفشل، فقد وضعها رضا في عدة نقاط أولها انضمامها إلى وزارة الثقافة، ما أدى إلى تراجعها بشكل كبير، بالإضافة إلى أزمة التمويل والدعاية التي تعاني منها الفرق جميعا، ويزداد الاهتمام بفن الأوبرا والباليه على حساب الفن الشعبي ورموزه..

مشيرا إلى أن النماذج الناجحة سواء في الموسيقى أم الغناء كان منبعها في الأساس فنونا شعبية، فالمواهب الكبرى في الفن المصري خرجت من رحم الشارع؛ لذا لا سبيل إلا بتبنِّي هذه الفرق المتجوِّلة من قِبل مؤسسات الدولة أو من قبل مؤسسات خاصة وألا يتركوا هكذا ليضيع مجهودهم وموهبتهم هباءً..

القاهرة - دار الإعلام العربية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات