مطبخ

المطبخ اللبناني تنوّع يرضي كل الثقافات

ت + ت - الحجم الطبيعي

يقر الأخصائيون الاجتماعيون بأن الخاصية المطبخية باتت غير متوفرة في بلدان عربية عديدة ومن بينها لبنان إلا أن الكلام عن مطبخ لبناني لايزال كلاماً مشروعاً على الرغم من بعض التحولات التي طالته.

ويمتاز لبنان بخصائص ثقافية شأنه بذلك شأن كافة المجتمعات ويتعايش من النمو المميز لقطاع الخدمات الذي حول لبنان إلى فندق ومطعم ومستشفى للشرق الأوسط. وإذا كان التداخل الثقافي هو سمة هذا العصر فإن ما يحكى عن تفاعل وتداخل العناصر المكونة للثقافة، طال كافة المجتمعات والثقافات في العالم وإن كان بوتيرة متباينة. كما طال كافة العناصر المكونة للثقافة ومن بينها الطبخ.

ويسعى أخصائيو الطبخ اللبنانيون والمهتمون بالسياحة لتثبيت الخاصية الثقافية اللبنانية المتعلقة بالطبخ للمحافظة على هوية لبنان الثقافية من خلال تسجيل بعض أصناف المأكولات التي رافقت السُفرة اللبنانية منذ زمن بعيد، في موسوعة جينييس للأرقام القياسية على أنها مأكولات لبنانية بعدما حاولت إسرائيل الادعاء أنها إسرائيلية، واندلعت على اثر ذلك حرب إعلامية بينها وبين لبنان لاتزال مستمرة حتى اليوم.

ويعتبر المختصون الانثروبولوجيون أن الهوية المطبخية تستقر وتثبت فترة من الزمن تبعا لحجم التداخل الثقافي، ورغم أن هذا التداخل كان في الماضي بطيئاً بسبب ضآلة انفتاح الشعوب والثقافات على بعضها البعض، هناك تحولات واضحة نتيجة الانفتاح الكبير الذي شهده العالم بعد الثورة التكنولوجية.

وقال الشيف رمزي الشويري مدير مدرسة الكفاءات الفندقية وأول شيف عربي يقدم برنامجا تلفزيونيا خاصا: يمتلك اللبناني فكراً مطبخياً مميزاً وعلى الرغم من أن بعض الوصفات التي تشكل جزءاً من روزنامة الطبخ اللبنانية ترجع إلى أصول بيزنطية وعثمانية إلا أن 80 بالمئة من مطبخنا هو لبناني صرف.

وأضاف الشويري «من الآثار الإيجابية للانفتاح الثقافي انتشار عدد من المقاهي اللبنانية التي تقدم النرجيلة مع بعض الأكلات اللبنانية الخفيفة والتي يمكن وصفها بالمطاعم الشبابية، وهذا ما اسميه بالمطبخ اللبناني (جونيور) في عواصم عالمية متنوعة، وفي لبنان أيضاً وقد استطاعت أن تحتل مكانة اقتصادية مرموقة، وهذا دليل نجاح».

وقد أدى الانفتاح الثقافي الذي يميز عصرنا الحالي إلى إحداث بعض التحولات في المطبخ اللبناني إلا أنها لم تشمل المناطق اللبنانية كافة لا بالوتيرة نفسها ولا بالحجم نفسه. وكانت الأرياف أكثر ممانعة ومحافظة على التقاليد.

وتشير الدراسات إلى أن سكان الأرياف يقاومون التغيير في عادات الطبخ أكثر من سكان المدن حيث يتطلب الأمر سنوات عديدة للاطلاع على أصناف جديدة من المأكولات قد لا تلقى لديهم استحساناً البتة.

وأضاف الشويري ما لمسته من خلال دراستي التي طالت كافة المناطق اللبنانية، (الشيف رمزي من تراث لبنان) أن معظم سكان القرى ما زالوا يعتمدون في غذائهم على الأكلات التقليدية اللبنانية، وإن لم يكن هذا هو حال أهل المدن.

ويعتبر البعض أن المدرسة ووسائل الإعلام خاصة في عصرنا الحالي تلعب دوراً أساسياً في المحافظة على التراث المطبخي كما أنها تلعب دوراً فاعلاً في نقل طرق الطبخ من مجتمع إلى آخر.

وتابع شويري: تساهم وسائل الإعلام في الحفاظ على هوية المطبخ اللبناني من خلال البرامج التلفزيونية الخاصة بالطبخ التي تبثها، وقد كان لها دور بارز في تثبيت الهوية المطبخية اللبنانية عند تسجيل لبنان الأرقام القياسية لأكبر صحن حمص وتبولة في موسوعة جينيس.

وللمدرسة أيضاً دور بارز في هذا المجال فهي التي تعرف الطلاب بخصائص المطبخ اللبناني وغيره من المطابخ بالإضافة إلي تقنيات الطبخ.

وإذا كان يصعب تحديد الفترة التاريخية التي بدأت فيها بعض الأطعمة الأجنبية تتسلل إلى المطبخ اللبناني، إلا أن الحركات الاستعمارية كان لها الأثر الكبير في تغيير أنماط عيش الشعوب المستعمرة، فضلاً عما نشهده اليوم في ظل نظام العولمة وما استتبعها من أفكار وسلوكيات وأذواق.

وقالت مدرسة الصفوف الابتدائية ندى مجدلاني أقوم حالياً بتحضير المأكولات التقليدية التي تعلمتها من والدتي ولكنني أضفت إليها جديداً يتعلق بالمواد المستخدمة فقللت من استخدام الدهون المشبعة مستفيدة من المعلومات التي تؤكد ضرر المواد الدهنية على الصحة العامة.

وأضافت مجدلاني ولكنني أحضر أيضاً الأصناف الحديثة إلى جانب التقليدية التي تعرفت إليها من خلال علاقاتي المستجدة بعد الزواج وأثناء خروجي إلى المطاعم برفقة زوجي والأصدقاء.

وتساهم الكتب الخاصة بالطبخ في نقل المأكولات وخصائص المطبخ من مجتمع إلى آخر، ومن يلقي نظرة على هذه الكتب التي صدر أولها في الخمسينيات، وتلك التي صدرت تباعاً، يمكنه بسهولة رصد أنواع المأكولات الأجنبية التي وفدت إلينا.

وتابعت مجدلاني أستخدم أحياناً كتب الطبخ عندما أريد تحضير أكلة أجنبية. أما والدتي فهي لا تحضر سوى الأكلات التي تعرفها والتي تعلمتها من الجيل الذي سبقها، وإذا كان الأكل الذي تحضره ربة المنزل فيما مضى يحمل طابع الأكل التقليدي .

بينما الأكل المحضر في المطعم يحمل طابع الجديد والمختلف، فإن الأدوار حالياً بدأت تنقلب شيئاً فشيئاً وذلك لأسباب عديدة أولها خروج المرأة إلى ميدان العمل وبالتالي تسرب الوقت المخصص للطبخ إلى مجالات أخرى من العمل.

وقال أميل حبيقة صاحب مطعم أبو جوزيف ان الوصفات اللبنانية نجدها اليوم في المطاعم المختصة أكثر مما نجدها في البيوت، وخاصة في المدن.

وأضاف حبيقة «معظم السيدات اللبنانيات يمارسن أعمالاً خارج المنزل فتراهن لذلك لا يملكن الوقت الكافي لتحضير الأكلات اللبنانية فيستبدلنها بالأكلات الأجنبية التي تتطلب وقتاً أقل، من هنا بدأت الأكلات التقليدية تتسرب من البيت باتجاه المطاعم المتخصصة على عكس ما كان الأمر عليه في الأجيال السابقة».

والملاحظ أن الجيل الجديد من اللبنانيين يرغب بشدة بتناول الوجبات السريعة التي تتناسب ربما مع النمط السريع للحياة العصرية حيث لا يجد المرء متسعاً من الوقت كي يستمتع بحاسة الذوق.

ويعتبر البعض أن المطبخ اللبناني خليط من مطابخ عديدة وفدت إلى لبنان واستقرت بوتيرة متحركة وعبر حقب زمنية مختلفة وامتزجت بما كان عليه المطبخ اللبناني التقليدي بحيث صارت تعتبر جزءاً لا يتجزأ من هذا المطبخ.

وقال الدكتور شوقي الدويهي أستاذ مادة الانتروبولوجيا في الجامعة اللبنانية ل(د. ب. أ) «لا يمكننا أن نتحدث عن مطبخ لبناني صرف لأن الدخول التدريجي لبعض الأكلات والزوال التدريجي لبعضها الآخر عبر التاريخ أفقد المطبخ اللبناني خاصيته الثابتة، والمطبخ اللبناني الذي عرفه أجدادنا منذ مئة عام هو ليس المطبخ نفسه الذي نعرفه اليوم وبالتالي فالكلام عن مطبخ لبناني على أنه أبدي سرمدي ليس صحيحاً».

وبالرغم من انفتاح لبنان على الثقافات العالمية لأسباب عديدة ليس اقلها الثورة المعلوماتية الحديثة إلا أن المأكولات التقليدية مازالت تشكل جزءاً لا يتجزأ من روزنامة الأكل في لبنان وخاصةً في القرى.

وأضاف الدويهي «يمكننا قياس استمرار المطبخ التقليدي من خلال احتلال عدد مهم من الأكلات التقليدية موقعاً في روزنامة الأكل الأسبوعية، وتجدر الأشارة إلى أن استمرار الأكلات التقليدية لا يكون بنفس الوتيرة في الريف والمدينة التي باتت علاقة مطبخها مع الأكلات التقليدية باهتة جداً ولا تقتصر أحياناً إلا على المناسبات».

ويلاحظ المتابع وجود نوعين من المأكولات في المطبخ اللبناني واحد تقليدي خاص بالأجداد والآخر حديث خاص بالأولاد. وفي كل مرة كان يتسرب صنف جديد من الأطعمة إلى المطبخ اللبناني كان يهمش صنفاً تقليدياً.

وتابع الدويهي من هنا يمكننا الحديث عن مطبخين في لبنان يعيشان جنباً الى جنب، تقليدي ووافد، وفي هذا السياق كان من الطبيعي تبعاً لهذا التداخل بين بُنية مطبخية تعود في جذورها إلى أزمنة غابرة، وبُنية مطبخية وافدة، أن تتعرَّض بعض أنواع المأكولات إلى التهميش تدريجاً، وبعضها الآخر إلى الزوال.

بيروت - الحواس الخمس و(د ب أ)

طباعة Email