فيه تدار أضخم ثروات الشعوب

الحي المالي في بكين رفاهية الانفتاح على أميركا

صورة

تصدّرت أنباء الصدام الواقع بين جمهورية الصين الشعبية وشركة غوغل، احدى الشركات الأميركية الأشهر خلال العقد الماضي، عناوين الصحف خلال الأيام القليلة الماضية.

وفي واقع الأمر، فإن صحافة الغرب، خصوصا الموجهة منها، لم تفوّت يوما فرصة النيل من أي ماء عكرة في الصين، عبر دس صناراتها من أجل التصيّد، أو الغمز واللمز.وفي الوقت الذي يراد من بعض الحملات التي تشترك فيها كبرى الصحف والمجلات الأميركية، والأوروبية، ضد الصين (وكالات الأنباء أيضا تدعم هذه التوجهات مرات كثيرة).. أن يترك لدى القارئ العالمي انطباعا عن مدى انغلاق الصين، وعدم رغبتها في أن تفتح الأبواب لمبدعي وقادة الأعمال من الأسرة الدولية، فإن منحى آخر، في أوساط الأحياء الحديثة في مدن بكين وشنغهاي وغيرهما، يعطي انطباعا مغايرا تماما.لقد عنونت مجلة (نيوزويك) المقربة من الحزب الديمقراطي الحاكم في الولايات المتحدة أغلفتها الثلاثة الأخيرة، بعبارات رنانة عن المواجهة بين القيم الغربية (غالبا ما تربط بالديمقراطية والحرية والابداع) والتصرفات الصينية (غالبا ما يتم ربطها بالانعزالية والتشدد وتقييد الحريات بقبضة من حديد).

الى الحد الذي دفع بالمجلة للقول: اذا ارادت الصين أن تكون قوة عالمية فعليها أن تظهر أنها حريصة على الانفتاح.

جاء ذلك المطر من المقالات بعد أيام قليلة عن خبر تم تناقله بشكل واسع حول ايقاف الصين عرض فيلم (أفاتار) في صالات السينما لديها، بحجة أنه يذكر السكان المحليين بمأساة تهجيرهم من أحيائهم وأزقة المدينة القديمة (هوتونغ)، لصالح ناطحات السحاب التي تجتاح العاصمة بكين، كون الفيلم يقدم مقاربة شبيهة عن صراع شعب أصيل ضد آلة التهجير والاحتلال.

الآن، علينا أن نتفحص في العنوان الآخر، الذي قد يكون مفتاح سرّ الهجوم الاعلامي المتزايد على الصين في الفترة الماضية، كامنا فيه «للمرة الأولى في تاريخ الاقتصاد العالمي، تتجاوز الصادرات الصينية في العالم، الصادرات الألمانية، وتتربع الصين كأكبر بلد مصنع ومصدر في العالم».

عنوان، كان كفيلا، بالطبع، لإطلاق أطنان من المقالات التي تبحث في عيوب النظام الصيني، سياسيا واجتماعيا وبيئيا.

تكمن المفارقة، والتي تعنينا في هذا السياق، في أن مبدعي الغرب، الذي تستخدم الشركات الأميركية همومهم لكي تدلل على ديكتاتورية النظام الصيني الحاكم، هم تحديدا من يشيدون بفضاء الحرية المعطى لهم للإبداع، في مدن وأحياء الصين، ان منحى الهندسة المعمارية الحديثة.

التي يقوم بتنفيذها أكبر المبدعين الأميركيين والأوروبيين، في شنغهاي والحي المالي في العاصمة بكين، وغيرها، يؤكد الالتزام الواسع الذي تبنته الصين (ربما بشكل لافت بعد استضافتها الالعاب الاولمبية) تجاه الانفتاح، والشراكة مع الأسرة الدولية.

في الحي المالي في بكين، الذي تتعالى فيها لوغوات أهم الشركات المالية العالمية مثل غولدمان ساكس وجي بي مورغان وبنك أوف أميركا، ينتشر متريضون صينيون في الحدائق التي تحتل مساحات واسعة من الحيّ، الذي أعلن في 2008 أنه سيكون أحد مظاهر الصين المعولمة.

يمشي كثر منهم، من الصباح الباكر، بحركة مقلوبة، تثير الدهشة لدى المراقبين. يمشون بالعكس، ويدورون حول المساحات الخضراء، فيبدون كجزء من لقطة سينمائية، تم عرضها بطريقة الترجيع.

المكان مزروع بأشجار الصنوبر التي تملأ العاصمة، وأيضا بعشرات من ناطحات السحاب التي تحتضن بنوكا وهيئات حكومية، تمر على أجهزة الحاسوب الخاصة بها، تحركات أموال الملايين من الصينيين.

هنا، في هذا الحي المهيب، الذي يتميّز بالهدوء، والأناقة المستمدة من وجود محال العلامات الغربية الفاخرة، تهدر عجلة أموال ضخمة، تقدر ب10 مليارات ين صيني، أي ما يعادل 60% من حسابات أهالي الصين المالية.

تبلغ أصول الأموال التي تدرا في هذا الحي، الذي يسير الناس فيه بالمقلوب أكثر من 13 تريليون ين صيني. بوسعنا، ربما من دون الكثير من التشكيك، أن نؤمن ازاء هذه المعطيات.

بتلك التعويذات السرية، التي ترتبط بفلسفة الفانكغشوي، وتتجسد بتماثيل أسود وحيوانات أخرى أسطورية، مثبتة عند عتبات ومداخل أبنية هيئة التشريعات البنكية وهيئة التشريعات الأمنية وبنك الصين وغيرها من الهياكل العمرانية التي تكاد تكون، بحجم أعمالها، الأكثر ثقلا في العالم.

من صمم الحدائق وغرس الأشجار، واشترك مع الحكومة الصينية في توليف حياة رأسماليي وموظفي الرأسمالية الصينية الاشتراكية؟ من خطط المساحات، ليمارس صينيو الصباح النشطين رياضاتهم بالعكس، قبل أن يتناولوا وجبات الافطار في مطاعم الأكل الأميركي السريع الذي تملأ واجهاتها الحي المالي في بكين؟

هل نفاجأ حين نعرف أن الشركة الهندسية التي صممت الحيّ، بأبراجه ومساحات المشاة فيه، هي واحدة من أكبر الشركات الهندسية الأميركية في العالم. إنها سكايدمور، أوينز أند ميريل (بالاشتراك مع أس دبليو ايه الأميركية أيضا التي اعتنت بالتصميم المدني)، الشركة ذاتها المسؤولة هندسيا عن انجاز (برج خليفة) في دبي، الأعلى في العالم.

الشركة الأميركية، حصلت على 540 مليون دولار، لقاء مشروع آخر في بودونغ (قرب شنغهاي) يضم 88 طابقا!

يقول ريشارد فونجركان، وهو مهندس ألماني عالمي، يعمل في مشاريع ضخمة في شنغهاي: أوروبا انتهت بالنسبة لنا كمصممين. نحن في الصين، قادرون على الابداع أكثر، وفضاء الحرية المعطى لنا غير محدود.

كما أن نظرة متفحصة في كتاب (جي ان) الذي باع منه صاحبه فيليب جوديدو آلاف النسخ على موقع امازون دوت كوم، ويضم سيرة وانجازات 23 مصمما عالميا، تركوا صروح معمارية معاصرة في الصين اليوم، كفيلة بالتأكيد على أفكار فونجركان.

في السيرة الحديثة لمعمار الصين الحديث، هناك زهى حديد، البريطانية العراقية، التي تصمم دار الأوبرا في غوانزو، المدينة ـ المصنع، في الصين.

في فندق ريتز كارلتون، الأميركي، الذي يقع في قلب الحيّ المالي، يحرك العمال شجرة ميلاد ضخمة من وسط الردهة الخارجية.

يفكون، قبلها، الزينة عنها، فتعود أصداء ذلك الاحتفال المهيب الذي ضمّ صنيين وغربيين في أجواء أعياد الميلاد، قبل اربعة شهور: لا تجد كثيرا من هذه الاحتفالات خارج الحي المالي، هنا ثقافة أخرى.

غربية بامتياز، يقول شينو، الذي حضر ذاك الاحتفال. ويحتفي الفندق، الذي لا تزال علامته التجارية، بعد عقود على اطلاقها من قبل شركة ماريوت العالمية، بثقافة الرفاهية والانفتاح التي تناقض، في عمقها، الصورة القاتمة عن انعزال الصين. واتبع التصميم الداخلي للغرف والمطاعم أحدث النظريات الفنية التي استلهمت من الفلسفة الكونفوشيسية، ومزجها بالطابع الاوروبي الحديث.

ويتوسط الفندق جزيرة من المحلات التجارية التي تبيع العلامات الفخمة مثل غوتشي وارماني وغيرها، صممت بوتيكاتها بأحدث المعايير.

بكين ـ «الحواس الخمس»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات