جلباب سعاد حسني في «حسن ونعيمة» بـ 75 قرشا

100 عام من ذكريات وأزياء النجوم في كنز «آل مرعي»

صورة

كل منا يحلم بالكنز، ذلك المجهول الذى يبدد الظلام ويحقق الأحلام ويأتي بما لا تطوله الأيدي.. ولأننا اعتدنا أن يكون الكنز دائماً مرتبطاً بمن سبقونا، فكان من المثير أن نتعرف على رجل ظل وعائلته يحوزون كنزاً فريداً ويتناوبون حراسته والعناية به، وتوثيق ذكرياته التى ارتبطت بآلاف من نجوم ونجمات السينما المصرية على مدى أكثر من مائة عام.. كنز ليس ككل الكنوز، آلاف الفساتين والبدل الحصرية التى ارتداها مختلف النجوم على اختلاف مراحلهم وهيئاتهم وأدوارهم فى السينما المصرية.. كان لكل منها حكاية وسعر وموقف، تختزن تفاصيلها عقلية الحارس «كمال محمد مرعي» وتنقلها إلى قراء «الحواس الخمس» عبر السطور التالية.. فإلى التفاصيل.

مكان أثرى، تختزن أركانه الفسيحة مجموعة هائلة من الملابس التي ارتداها كبار الفنانين في أعمالهم الشهيرة، كانت شاهدة على تاريخ السينما المصرية وحافظة لها من الاندثار؛ ولأنه ورث هذا العمل عن والده وأجداده، يروي لنا كمال محمد حسني مرعي أن جده حسن مرعي كان صحافياً في عدد من المجلات والصحف إبان الاحتلال الإنجليزي لمصر، كما كان على علاقة وثيقة بجميع الفنانين الكبار، مما دفعه إلى التفكير في إنشاء محل لتأجير وتصميم أزياء السهرة للفنانين والفنانات، أيضاً ملابس الحفلات التنكرية، والملابس التي يحتاجها الممثلون في مختلف أدوارهم السينمائية والمسرحية ومن ثم التلفزيونية فيما بعد.. وفي شارع الفن، شارع عماد الدين، بدأ حسني نشاطه في تأجير الملابس وكان أول المقبلين عليها نجوم الرعيل الأول مثل يوسف وهبي، علي الكسار، أنور وجدي.. وكان في الشارع نفسه العديد من الملاهي والكازينوهات مثل كازينو بديعة مصابني وكازينو فتحية محمود، فاستعانت به هذه الكازينوهات في تأجير بدل الرقص.. وواصل حسني تصميمه للملابس باعتباره الوحيد في هذا المجال، واستمر هذا المحل يتوارث إلى أن وصل إلى كمال مرعي محدثنا حالياً.

حسن ونعيمة... يقول كمال: فتحت عينيَ على هذا المحل، وبدأت العمل فيه منذ أن كان عمري 11 عاماً، آنذاك كان والدي قد توفى، وترك المحل لي ولإخوتي، لكن أشقائي تركوا لي المحل فساعدتني والدتي في الصمود أمام صعوبات البداية.. كنت أصمم الملابس حسب الطلب فقط، لكن حبي للمهنة جعلني أقوم بتصميم ملابس من تلقاء نفسي وكثيراً ما كانت تحوز إعجاب الفنانين.. كل قطعة من هذه الثياب تحمل ذكريات لأبرز الفنانين بداية من فيلم «ليلى بنت الشاطئ» وحتى الآن، كل قطعة ملابس وكل مقعد أو ركن في المحل له ذكرى مع فنان أو فنانة، منهم محمد القصبجي، رياض السنباطي، عبدالغني قمر، وعبدالفتاح القصري الذي كان الحصول على المقياس المناسب له مهمة شاقة لذا كنا نجهز له قياسات خاصة به.

ويؤكد: كل هؤلاء النجوم القدامى وغيرهم كانوا يجلسون مع والدي أمام المحل بالساعات يتبادلون الأحاديث الودية، ولحب وعشق والدي لهذا المكان قررت أن يظل اسمه عليه مدى الحياة. أما أول فيلم تولى كمال مسؤوليته فكان «حسن ونعيمة» عام 1958 إنتاج وإخراج بركات، ويؤكد أن سعاد حسني آنذاك كانت تخوض التجربة السينمائية الأولى لها، قال لي بركات سأرسل لك بطلي الفيلم لاختيار الملابس التي تناسبهما وعمل بروفة لهما، وبالفعل جاءني محرم فؤاد وسعاد حسني، كان محرم يتردد كثيراً على المحل أيام والدي، أما سعاد فكانت المرة الأولى. وفي هذا الفيلم طلب محرم أن أصمم له جلباباً بمواصفات معينة. كان يريد جلباباً بياقة عالية وضيقة عند الرقبة، وبالفعل نفذت له ما طلب.. أما سعاد فذهبت معي إلى منطقة الموسكي لاختيار الأقمشة التي تحتاجها، كانت خجولة جداً وهادئة إلى أبعد الحدود، وعندما وقعت عيناها على جلباب أسود به شجيرات بيضاء أعجبها جداً وقالت: هذا القماش مناسب جداً، وبالفعل قمنا بشراء الأقمشة، كان متر القماش بخمسة عشر قرشاً، وبلغت تكلفة الجلباب خمسة وسبعين قرشاً.

البداية بثلاثة فقط

ومن الأفلام التي ظهر أبطالها بملابس «آل مرعي» فيلم «ليلى بنت الشاطئ» بطولة محمد فوزي وليلى مراد، حيث استأجر محمد فوزي ملابس الفيلم من المحل، أيضاً فيلم «تمر حنة» لنعيمة عاكف ورشدي أباظة، وفيلم «الغجرية» لهدى سلطان، وكذلك مسلسل «الرجل والحصان» لمحمود مرسي وهدى سلطان، أيضاً «هند والدكتور نعمان» لكمال الشناوي وأحمد راتب وزوزو نبيل وسلوى خطاب، وبعض مسرحيات محمد صبحي ومسلسله «فارس بلا جواد».

ويوضح كمال انه في بداية السينما المصرية كان يتم تصميم الملابس بثلاثة ألوان فقط، هي الأبيض والأسود والرمادي.. لكن مع إنتاج الأفلام الملونة بدأ استخدام جميع الألوان في جميع أنواع الملابس العسكرية والمدنية والتاريخية والحديثة، بالإضافة للأزياء الفرعونية والإسلامية، وملابس خاصة بالمهن مثل ملابس الصيادين والحرفيين، وكذلك ملابس الاستعراض والأزياء الخليجية والعربية وغيرها، وكانت لكل نوعية من هذه الثياب خلية عمل تدرس تفاصيلها وتاريخها لتجنب أي أخطاء في تصميمها.

ويشير كمال إلى فستان قصير بالترتر قائلاً: هذا الفستان للفنانة الراحلة زينات صدقي ظهرت به مع عبدالسلام النابلسي وعبدالحليم حافظ في أغنيته (قولوا له) في فيلم «شارع الحب»، رحمها الله، كانت دائماً تفضل الملابس اللامعة والمدندشة.

وهذه بدلة الباشا (رشدي أباظة) في فيلم «يا رب توبة»، والتي تكلفت 350 جنيهاً، بينما تكلفت بقية أزياء الفيلم نحو مائة جنيه فقط.. وهذا فستان ليلى مراد في فيلم «عنبر».. كما توجد مجموعة خاصة بالفنانة صباح في أفلامها الاستعراضية، أيضاً بدلتا المهرج اللتين ارتداهما أنور وجدي وإسماعيل يس في فيلم «دهب» وتحمل توقيعيهما أيضاً.

عباءة الملك ريتشارد

وهناك بعض الملابس ظهرت عليها تجاعيد الزمن لكنها ترشدك إلى قوة ومكانة من ارتداها، وتضم عباءات «زكي طليمات»، رائد المسرح العربي في دور الأمير الصليبي كونراد، وفي فيلم «الناصر صلاح الدين»، وعباءة حمدي غيث (ريتشارد) ملك انجلترا، والتي مازالت محتفظة بنقوش قلب الأسد على صدرها.

وهناك ملابس مرتبطة أيضاً بأعمال تاريخية منها ملابس الجواري والجنود وبعض ملابس الفنانة لبنى عبدالعزيز في فيلم (وا إسلاماه)، بالإضافة إلى ملابس الفنان شكري سرحان التي كان يرتديها وقت النوم في أفلامه، كذلك المطرب شفيق جلال كان يستأجر البدلة السموكن ليظهر بها في الحفلات الغنائية وكان إيجارها في هذا الوقت 7 قروش فقط.

ويستطرد كمال ذكرياته قائلاً: هناك فنانون رفضوا ارتداء ملابس سبق أن ارتداها فنانون قبلهم، مثل نادية الجندي في فيلم «الخادمة» ومديحة كامل في فيلم «درب الهوى»، أما عادل إمام في فيلم «خمسة باب» فكانت بدلة الضابط التي ظهر بها غير جديدة، لم تكن لديه أي طلبات فيها وارتداها ببساطة دون أن يرفض أو يمتنع لأنها مستعملة..

أيضاً الفنانة ماجدة لم تكن تعترض على أي شيء وكانت تعلق على أي فستان بأنه جميل ولم تكن لديها أي طلبات أو أي شروط وتعاملت معها في كثير من أفلامها مثل «الحقيقة العارية»، «العمر لحظة».

أما بدلة الطفلة فيروز في فيلم «دهب» فكانت مليئة بالرقع وارتدتها فنانات أخريات بعدها مثل سميرة أحمد في فيلم «الشيطانة الصغيرة»، لم تعترض لأنه كان زمناً محترماً، الفنان وقتها كان شغله الشاغل تأدية دوره على أكمل وجه والأمور البسيطة لا تهمه.

حسب الله الموسوس

أما أشهر الملابس التي تم استئجارها من عندي وحققت نجاحاً كبيراً إلى جانب تلك الأفلام ونجومية أبطالها فمنها بدلة حسب الله السادس عشر التي ارتداها الفنان عبدالسلام النابلسي في فيلم «شارع الحب»، وقد عرف عنه أنه موسوس، ولا يحب ارتداء بدلة ارتداها أحد قبله.. أيضاً برنيطة زينات صدقي الشهرية «كتاكيتو بني». ومعظم ملابس إسماعيل يس في أفلامه الشهيرة.

أما عن أكثر قطعة استغرقت وقتاً في إعدادها فكانت بدلة البلياتشو في فيلم «دهب» لأنور وجدي، وعن أسرع زي انتهى منه كان بدلة الضابط التي ارتداها عادل إمام في «خمسة باب».

خدعنا أحمد مظهر

وعن الأوقات أو مواسم تأجير الملابس يؤكد أنها تتضاعف قبل رمضان بشهرين تقريباً، أما في الماضي كان المحل يعمل طوال السنة ولا يرتبط بموسم معين، وتعتبر فترة الستينات والسبعينات فترة الرواج التي شهدتها المهنة.

وعن التعليقات التي لا ينساها كمال مرعي وأثرت فيه كلمة للفنان أحمد مظهر، عندما أراد بدلة ليرتديها في فيلم «كلمة شرف» وكانت البدلة تحتاج إلى تنظيف ومكواة فوجدته غاضباً وقالي لي «البدلة وحشة قوي وأنا مش هأمثل بها».. كانت طريقته صعبة، مما أثار غضبي وقررت ألا أعمل في هذا الفيلم، لولا تدخل الفنان فريد شوقي الذي استطاع بخبرته وحكمته أن يمتص غضبي ويهدئني.

حيث قام بالاتصال بي وقال إن فريق العمل مضغوط، واتفق معي على أن أعيد تنظيف البدلة وأقوم بكيها وأن أخبر أحمد مظهر بأننا أحضرنا له بدلة أخرى، وهو ما حدث ولم يشعر بشيء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات