بعض الشائعات دخان من غير نار.. لكنها تحرق

بعض الشائعات دخان من غير نار.. لكنها تحرق

صورة

زواج، طلاق، اغتيال؛ كلها شائعات ترددت في الآونة الأخيرة بشكل لافت، وطالت كل المجالات وفئات المجتمع؛ من فنانين وعارضات أزياء وأشخاص عاديين، لتستحوذ على حياتنا وتفكيرنا، وتنطلق بقوة تفوق أحياناً الحقائق.

(الحواس الخمس) تسلل إلى كواليس هذه الشائعات، مستعرضاً في السطور التالية بعض حالات التهديد بالاغتيال أو الإيذاء التي قد يتعرض لها البعض، لنكتشف أن الأمر أصبح نوعاً من الدعاية التي يستخدمها البعض، أو تضخيماً لأحداث صغيرة بغرض الدعاية والإثارة. تدفقت الاتصالات والتهاني على الفنان الإماراتي عبد المنعم العامري بمناسبة زواجه من إعلامية مشهورة بعد علاقة حب شديدة نشأت بينهما، إلا أن هذا الخبر لم يكن سوى مجرد شائعة أغضبته كثيراً، لأنها مسّت حياته الشخصية بصورة لا يقبلها، وقد قام بنفي الخبر، وطالب مروجي الشائعات بالكفّ عن ترديد أشياء غير حقيقية عن حياته الشخصية.

بطل شائعات الزواج... في حين تداولت بعض الصحف والبرامج التلفزيونية خبر اقتراب زواج المطربة أنغام من الفنان أحمد عز بعد ظهورهما معاً في أماكن عامة أكثر من مرة، ما دفع مروجي الشائعات لتأكيد أن هناك خبراً سعيداً سنستمع له قريباً، والطريف في الأمر حقاً أن أحمد عز كان بطلاً لشائعة أخرى تناثرت في التوقيت نفسه، ولكن هذه المرة مع الفنانة الشابة الجميلة سيرين عبد النور، التي شاركته بطولة مسلسله الأخير «الأدهم». لكن الأمر لم يقف فقط عند هذا الحد، فقد لجأ بعض الفنانين لفبركة شائعات من أجل الدعاية لأنفسهم؛ فمنذ فترة أعلن المغني رامي عياش تلقيه تهديدات بالاغتيال عند قيامه بإحياء أحد الحفلات، وشارك رامي في الحفل ولم يحدث شيء، ولم يتعرض للأذى، وتردد أن الموضوع كله كان مجرد شائعة من رامي للدعاية وإثارة الضجة فقط. فجأة ومن دون مقدمات منطقية خرجت علينا الفنانة مي حريري بإعلانها أنها معرضة للخطر، وتواجه تهديدات غامضة بإيذائها، أما سبب التهديدات والجهة التي أطلقتها، فلم تعلن مي عنها، ولم تشر إليها من قريب أو بعيد، وتركت الأمور معلقة وكأنه لغز تريد منا الوصول إلى حله، إلا أن الكثيرين أكدوا أنه لا توجد تهديدات، وأن الأمر كله محاولة لجذب الأضواء.

حلم الشهرة... لا تقتصر الشائعات فقط على حياة الفنانين، بل تشمل أيضاً عارضات الأزياء، اللائي حينما نذكرهن تتبادر فوراً إلى أذهاننا صور ساحرة، عن حياة كلها مرح وشهرة وهدايا تنهال عليهن من كل حدب وصوب، وسفر إلى أجمل مناطق العالم، والأجور العالية التي يتقاضينها لقاء يوم عمل واحد. فمَن مِنا لا يذكر مقولة العارضة السوبر ليندا إيفانجليستا إنها لا تغادر غرفة نومها للعمل، إذا كان العرض أقل من 10 آلاف دولار؟ هذه هي الصورة الخيالية التي رسمتها أغلبية الفتيات لمهنة عرض الأزياء، أما الحقيقة فهي غير ذلك حسب اعترافاتهن، فليس هناك مجال كبير للعب، وحتى السفر والتنقل يفقدان بريقهما مع الوقت، ويصبحان واجباً وظيفياً مرهقاً. وتعاني المبتدئات أكثر، لأنهن يجدن صعوبة كبيرة في إيجاد عمل منتظم، وهذا يعني أنهن يعانين مادياً في أغلب الأحيان، ويعشن فترات طويلة على ريجيم غذائي ومادي ونفسي في الوقت ذاته، على أمل الحصول على فرصة تحقق لهن حلم الشهرة، الذي قد لا يتحقق أبداً.

مهنة الإغراءات

هناك الكثير من المنغصات التي تجلبها مهنة عرض الأزياء؛ فهناك الكثير من الشائعات والأقاويل التي تحاك حول العاملات فيها، إلى جانب النظرة التي تفتقر أحياناً إلى الاحترام الجدير بأية مهنة، أو تأخر دفع الأجور، أو حتى التهرب منها. وتختلف هذه المعاناة من بلد الى آخر، ومن عارضة إلى أخرى.

ومن جانب آخر فإن النظرة المسيئة تغيرت بشكل ملحوظ، بفضل وسائل الإعلام وكثرة العروض، وأن العارضة مسؤولة عن سمعتها في مهنتها، كما في أية مهنة أخرى، ولكن يبقى للمجتمع المحافظ نظرته وتحفظه في أغلب الأحيان، حيث يرى البعض أنها مهنة غير مستحبة، كونها محفوفة بالإغراءات، وتعرّض العارضة للكثير من الشائعات والأقاويل، وهذا ما يجعل وجود نقابة تحمي العارضات من التطاول عليهن أمراً ضرورياً.

انهيار العلاقات الأسرية

وإذا نظرنا إلى الشارع العربي؛ فسنجد أيضاً تأثير الشائعات في حياتنا اليومية، يقول حميد الطنيجي، موظف: إن من يطلقون الشائعات في المجتمع هم مصابون بالخواء الفكري والفراغ النفسي، وبعيدون عن التربية الصحيحة، مؤكداً أن العلاج الناجع في درء هذه الظاهرة السلبية يكمن في التربية السليمة، والتنشئة الصحيحة، ورفع المستوى الثقافي، والوعي بالأخطار الاجتماعية.

أما علي سيف، فيقول: التحقت في بداية حياتي المهنية بوظيفة في إحدى الشركات الراقية، وفي أول الأيام حدثت مشكلة بيني وبين أحد الزملاء، وبسرعة البرق انتشرت شائعة حولي تتهمني بأنني أعاني مرضاً نفسياً، وأفتعل المشكلات دائماً، إلا أنني لجأت إلى إدارة المؤسسة، مُوضحاً المشكلة وحيثياتها، نافياً في الوقت نفسه التهمة التي تعرضت لها.

مضيفاً: بشكل عام تتسبب الشائعات في تصدع العلاقات الأسرية، وبين الأصدقاء، والمؤسسات، وحتى بين دول على المستوى الأكبر، وصراحة فإن الشائعة نتاج خلل وجداني وفكري، وحقد يتميز به هواة الشائعات، حيث كثرت الشائعات في الآونة الأخيرة بشكل لافت للنظر، وهي لا تستثني جانباً من الحياة، أو أمراً من الأمور.

وحمد عبدالله العلي كلما تفوق في دراسته الجامعية بدرجة امتياز تم اتهامه بأنه له أسبابه السرية التي تؤهله دوما نحو الامتياز! وما هي كما يوضح إلا شائعة أطلقها أعداء نجاحه، وأضاف: عرفت بعد فترة من كانوا ينشرون هذه الشائعات، وقمت بمواجهتهم، فلم يقدموا اعتذاراً، إلا أنهم توقفوا عن نشر أي شيء عني. ويشير العلي إلى أن كل من ينشر الشائعات، إنما هو مريض نفسي، يجد في تفريغ شحنات التوتر من خلال الشائعات أو نقل الأخبار وسيلة للخروج من هذه الحالة المرضية، دون الأخذ في الحسبان العواقب المترتبة على ذلك.

إحباط وخيبة أمل

للشائعة تأثيرات نفسية سلبية بغض النظر عن طبيعتها، حيث يرى الدكتور خليل الكرخي، اختصاصي الأمراض النفسية أن الشائعة، سواء أكانت ايجابية أم سلبية، لا تكون ذات نتائج إيجابية، لأنها كذبة ستنتهي بعد وقت؛ فالايجابية يمكن أن تصيب المقصود منها بالإحباط، وخيبة الأمل والانكسار، حين يتم اكتشاف زيفها.

أما الشائعة السلبية فيكون ضررها مباشراً، إذ إنها يمكن أن تؤثر في تماسك الشخص النفسي، وتدخله في حالة من الكآبة والحزن والقلق، في محاولة لإثبات عدم صحتها، وفي الغالب تبدأ الشائعة بكلمة (يقولون)، الأمر الذي يعني نسبها إلى مجهول يصعب الرجوع إليه لإثبات صحتها أو كذبها، لذا فمطلقها يكون صاحب أهداف يرغب في تحقيقها من ورائها.

وقد استخدمت الشائعات في الحروب؛ فكانت شائعات الخوف تطلق بين الجيوش فتثير البلبلة، والخوف والقلق، ويمكن أن تؤدي إلى الهزيمة، وهي نوع من أنواع الحرب النفسية.

ولا توجد شائعة من دون تأثير، سواء أكانت في حياة الناس أم في حياة الفنانين، الذين يتعرضون إلى قدر أكبر من الشائعات؛ كونهم يمثلون شخصيات عامة، تتضارب بينها المصالح والأهواء. وفي الحياة الزوجية تكون النساء أكثر تأثراً بالشائعات بحكم طبيعتهن العاطفية.

ما قد يسبب شرخاً كبيراً ومشكلات في العلاقة الزوجية، خصوصاً إذا طالت الشائعة الحياة العاطفية للزوج، ويعتمد تجاوزها على قوة الشخصية ومجموعة الخبرات التي يعيشها المرء، والتجارب المؤلمة والمعاناة السابقة، التي تمثل ما يشبه جرعات المناعة أمام التجارب الجديدة، فلا يوجد تعلم من دون ألم.

أما اجتماعياً، فتؤثر الشائعة تأثيراً سلبياً في المجتمع والأفراد، تقول الباحثة الاجتماعية، سحر الهاشمي: الشائعة سواء أكانت سلبية أم إيجابية تمثل تضخيماً لأمر معين في محاولة لنشره بين الناس، وتداوله لهدف ما، وتأثيرها يكون سلبياً في المجتمع والأفراد؛ لأنها تمثل هدراً للوقت في تداولها، ومحاولات إثبات صحتها عند بعض الناس، أو تكذيبها عند آخرين.

وهذا الهدر يرافقه هدر في الحالة الاجتماعية والنفسية المستقرة؛ إذ تكون الشائعة سبباً في التوتر والتعب، وحتى الإيجابية منها تشكل عبئاً على الشخص المقصود بها؛ لأنها تحمّله مسؤولية الاقتراب من المستوى الإيجابي الذي أطلق عنه، وقد لا يكون هذا المستوى متوافراً أو ممكناً بالنسبة إليه.

إضافة إلى أن انكشافها بعد مدة قد يسبب المشكلات لمن تبنوها أو صدقوها، لأنهم اتبعوا أموراً غير حقيقية، وهي بالنتيجة علم مخابراتي يدخل في السياسة، ما يعني خطورتها وأثرها في المجتمعات والدول.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات