إشراقات

الشاعر

من حق الشاعر أن يسرق، من حقه ولزاما عليه أن يسرق. لكن سرقة عن سرقة تختلف. أليس الشاعر مطالباً بأن يقدم اللغة في أحسن وجه، هذا دوره فلماذا لا نقول تحدياً ومحاولة للسبق، فالشعراء الأولون تأثروا ببعضهم البعض وكتبوا وأبدعوا والسرقة هنا، بمعناها الايجابي لا السلبي.

لأن اللغة تفتح باب البحث والتحدي، فأنت تقرأ مثلاً أو تسمع فتعجب وتتأثر وتكتب، فهذا المعنى أو تلك الفكرة أثارتك، لأنها وجدت صدى في نفسك تقفز في وعيك بلا استئذان وتخرج على شكل كلمات.

هل يستطيع شاعر ان يقول الآن ما لم يقله الأوائل؟ نادراً ما يحدث، والشاعر الموهوب هو صاحب الذوق الرفيع في الالتقاط والأخذ، وهذا الشاعر له خصائص وصفات أولها الأصالة والإبداع والبحث والتحدي والقدرة على الخلق.

لهذا فمن الممكن القول ان هاجس الشاعر هو ان يجبُّ ما قبله بمعنى ان الشاعر يقول القصيدة وهو مؤمن بإمكانياته وقدراته وإلا فما الجدوى من كتابة الشعر.

هذه هي غواية الشعر لأن الشاعر يريد ان يفجر طاقاته اللغوية في القصيدة، حتى يرقى بالروح والمشاعر الإنسانية فتسمو وتتطهر وهو أيضاً تحدٍ للشاعر ان يطوع اللغة حسب هواه وهواجسه وأحلامه. أليست خلاصة اللغة في الشعر؟

أليس الشعر هو ذروة اللغة؟ وبالمقابل لا تتصالح اللغة مع أشباه الشعراء، بل على العكس تحرجهم في أشد فتوحاتهم الوهمية وتسقطهم من الذاكرة.

والشعراء الكبار لا يحرجون من التأثر بمن قبلهم لكن لكل شاعر خصوصيته وأسلوبه، واذ قال قائل أين إبداع الشاعر وتفرده وخصوصيته: وهل مطلوب من كل شاعر ان يسرق؟

ليس هو المطلوب، فالسرقة غالبا غير محسوسة وغير مقصودة هي في لاوعي الشاعر لا يمكن ان نكتب الكلمات نفسها والمعنى نفسه على الشاعر ان يعيد صف الكلمات وصياغة المعنى وعليه ان يأتي بالجديد.

وهذا الجديد هو الفيصل وهو الحكم.بستان الكلمات مشاع ومتوفر فقط اسقط عليه روحك فلماذا نحرم أنفسنا من هذه اللذات اللغوية بدعوى الخصوصية يجب ان تكون لنا خصوصية لكنها متفتحة على العالم.

والمتنبى شاعر العربية الأكبر تأثر وأثر وأخذ وبلع حتى شبع ورغم هذا أنشد شعراً عظيماً وقال شعراً شغل به الدنيا حتى يومنا هذا.

أعاد المتنبي ما قاله الشعراء ولكن بنبؤة الشاعر حتى شهد الحاسد قبل الصاحب ببيانه وعلو كعبه.

المتنبي عندما يعيد قراءة ما قاله الشعراء ينسب القصيدة لنفسه لأن المعنى هنا اختلف والكلمات ليست الكلمات نفسها فتشعر للوهلة الأولى انها للمتنبي لكن بعد تمحيص وبحث تدرك أنها لشاعر آخر لكنك تتفق مع نفسك ان المتنبي قالها أفضل من قائلها وأبدع فيها ما فاق الوصف فانتسبت له وهكذا الشعر تأثر وتأثير.

ومن هنا فإن من حق الشاعر ان يفعل ما يريد وان يأخذ ما يشاء لكن من حقنا عليه ان يحسن الصنعة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات