الموسيقار السوري نوري اسكندر:

مثقفونا الوطنيون لا يدافعون عن موسيقانا العربية

يرى «إخوان الصفاء» ان الموسيقى هي (جواهر الروح) وأن كل نفس إذا سمعت من الأوصاف ما يُشاكل معشوقاتها، ومن النغمات ما يلائم محبوبها ـ ويهمنا النغمات ـ فَرِحَتْ وَسُرَّتْ والتذَّتْ بحسبِ ما تصوَّرت من رسوم معشوقها ـ محبوبها.

ونعتقد ان نوري اسكندر وهو الباحث والمؤلف الموسيقى السوري قد ضايقه ـ ولا يزال ـ حال موسيقانا وما آلت إليه. في هذا الحوار نحاول معاً ان نطالع بعضاً من عشقنا ووجدنا لموسيقانا:

* ألا ترى ان الموسيقى العربية والسورية تحديداً تمارس تأثيراً سلبياً على مشاعرنا، وأنها تعيش لحظة (مائعة). ديمومة ليس لها غاية سوى إفساد مشروعنا الموسيقي؟

ـ كأنك بسؤالك هذا (تقتلني)، يا صديقي ان شكل موسيقانا اليوم، هو شكل سلبي، فيه محاولة لطمس أصالة وروحية موسيقانا العربية بشكل عام، والسورية (السريانية) بشكل خاص.

بل فيه محاولة ـ هناك محاولة، هناك سعي لقتله. حتى الآن لم أسمع ألحاناً سرت أو تسري في دمنا، لها علاقة بصيرورتنا الموسيقية، التي لا تزال تمنح لموسيقانا أشكالها ـ شكلها، وخاصة في الأغاني الفولكلورية السورية، مع ان هذه الصيرورة لا تزال تعيش رغم مضي آلاف السنين.

* تتحدث بحزن وكأنك تنشج/ تبكي؟

ـ أنا لا أبكي، إنما أنا حزين. حزين لأنني حاولت ان ألملم، ان أفتح، ان أدخل في صميم الزمان، ان أخلق ديمومة موسيقية سورية حيّة فلم أستطع.

* هل فشلت، أم أنك لم تجد ما تبحث عنه ـ الديمومة الموسيقية السورية الحية؟

ـ لا.. لم أفشل. بل (وجدتها) هذه النغمة السورية العظيمة. لكنها رغم كل محاولاتي لإنعاشها، وجدتها تُحمل على نعش ـ في نعش، إلى مثواها، مع أنها لا تزال (حيَّة).

* هل أفهم أن هناك مؤامرة؟

ـ لا ليس هناك مؤامرة ولكن محاولة للقضاء على الأصالة، على البحث والتأصيل للموسيقى الوطنية. نحن بل مثقفونا الوطنيون لا يدافعون عن الموسيقى (موسيقانا) فيما في أوروبا كنت ترى فيلسوفاً مثل (برغسون) يتحدث عن التأثيرات السحرية للموسيقى وبعقلانية.

* كأنك ترمي بالمسؤولية، مسؤولية دق المسامير بنعش الموسيقى ولا سيما الموسيقى السورية على المثقفين، والمثقفين الموسيقيين، فيما الدولة هي المسؤولة؟

ـ المثقف أولى من الدولة بالحفاظ، وبتداول، وتطوير، واكتشاف، واختراع، وابتداع وبإبداع النص الثقافي والموسيقي منه سواء كان فكرياً أم كان من الفنون الجميلة. وهو الذي يؤمن عليه.

هو مؤتمن عليه أكثر من الدولة، الدولة تنفق فيما المسؤولون عن تنفيذ المهرجانات لا يعطون النتائج المرجوة، نظراً لمناهجهم غير العلمية. إن ما تنفقه الدولة من (مال) كثير وبسخاء، خذ مهرجان الأغنية السورية، عدة دورات، ملايين الليرات السورية أنفق فيها على هذه المهرجانات ولم نستطع، يستطع المهرجان وبكل هذه الملايين أن يخلق ألحاناً موسيقية سورية أصيلة. (البنك) المعرفي والموسيقي السوري (فاضي).

* إذاً ماذا تسمي هذه الموسيقى التي يقدمها قدمها هؤلاء الملحنون والمشهورون؟

ـ معظمها يتسم بالبساطة، لكن ليس الحق، كل الحق عليهم، هناك حق على القائمين على المهرجانات الذين لم يسعوا إلى تحضير كتب، أو حتى وريقات، يدونون فيها خلاصة الجمل والألحان الموسيقية المستنبطة من التراث الفلكلوري الشعبي والديني السوري ليستفيد منها المشهور والمغمور على حد سواء، فلا نسمع مثل هذا السؤال:

وهل هناك موسيقى سورية؟ وبرأيي أن مثل هذه الوريقات التي تعرف بالألحان وبالجمل الموسيقية المشبعة بروح المنطقة (بلاد الشام) تساعد على تبني، أو استنباط ألحان.

وأغان جديدة بأسلوب بنائي علمي موسيقي تظهر فيه خصوصية الموسيقى السورية. وطبعاً هذا العمل لا يحدث بغمضة عين، إنه يحتاج إلى جهد، إلى ورشات عمل، إلى مجموعة شباب ملحنين يجربون ويجربون حتى يخلقوا أغنية تليق بكرامتنا.

* هل هذه مطالب، أم برنامج عمل، عدا عن كونها ملاحظات؟

ـ لا.. لا هذه حرائق تلذع، تكوي نيرانها روحي، إن موسيقانا (التراثية) هي أكثر من ثروة، والدولة هنا، سواء في سوريا أو في أي بلدي عربي وهنا، يجب أن نرى رجولتها، فتأخذ قرارها لنستعيد صوت، صورة (همير) الروح العربية السورية، نستردها. فأغنيتنا اليوم سطحية، بل إنها «معمعة». ألحان هجينة.

ثم إنني لا أعرف ما الذي جرى لشبابنا الذين درسوا الموسيقى دراسة علمية وبكافة الاختصاصات. لماذا لم نستفد منهم؟ لماذا لم نعطهم فرصة ليبحثوا أو يجربوا بدل أن نتركهم يهاجرون إلى خارج وطنهم.

على كل التأصيل للموسيقى والأغنية لاسيما السورية، قد لا يكون من مهمة مهرجان سنوي محلي. إلا إنني أقول: الطريق إلى الجنة معبد بالأعمال لا بالنوايا.

* حلب قدمت الكثير للموسيقى، فلقد خرج من رحمها أقطاب في الموسيقى العربية مثل علي ونديم الدرويش، وعمر البطش، ومحمد المنبجي. هؤلاء الموسيقيون الذين نعتبرهم من رواد الطليعة النهضوية الذين عملوا على تأسيس موسيقى وطنية «مدنية». ألا يستفاد من تراثهم؟

ـ عمر البطش والدرويشان والمنبجي، وأيضاً أبو خليل القباني، اشتغلوا بغيرة على تراث الأمة وليس الوطن فحسب.

موسيقاهم، ألحانهم، احتفلت بروحنا، وكانت تعبيراً عن أحاسيسنا بفطرتها، لذلك وجدت صداها في النفس، حتى إن الأوروبيين تأثروا بها، وصاروا يطلبون سماعها، ثم إن صديقي وزميلي الباحث الموسيقي «محمد قدري دلال» .

وهو المختص بالموسيقى التراثية الإسلامية، والتراثية «المدنية» موشحات وقدود ـ ذكر لي: إن هناك فئات من الموشحات الرائعة التي لم نسمعها، نتداول سماعها منذ أكثر من ستين وسبعين سنة مضت. أنا أتألم. وأنا مثلك وحتى يستفاد منها أسأل: ألم يحن الوقت لننفض من رأسنا الغبار الذي تحّول إلى صدأ ينخر أحلامنا.

* ألا ترى معي أننا نزدري موسيقانا. في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب ألهبوا مشاعرنا بأغانيهم الوطنية والقومية، ولو عدنا ـ فنرى أن أهل المدينة «يثرب» استقبلوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأغنية «طلع البدر».

وما نزال نرددها إلى الآن رغم مضي أكثر من 1400 سنة على تأليفها وتلحينها. ثم إن لإخوان الصفاء رسالة في الموسيقى، وهم جماعة فكرية إصلاحية عباسية، اعتبرت ان الموسيقى مصنوعة من «جواهر» روحانية، أين رسالتنا من رسالتهم؟

ـ إن من معوقات الفكر القومي العربي على اختلاف مرجعياته، أنه لم يقم وزناً لمشاعر الناس الوطنية على اختلاف أثنياتهم، ولا أستطيع ان أحدد السبب، لكنني أقول:

إن هذا الفكر لو استخدم فن الموسيقى، فمنح الناس القاطنة فوق أراضيه فرصة ان تؤلف موسيقاها التي تبثنا من خلالها أحزانها وأفراحها، لما تم العبث بخصوصية الموسيقى العربية ولاسيما السورية، ولكنت استمعت إلى نغمات، أو جواهر على حد تسمية إخوان الصفاء ـ لا تزال حبيسة في النفس، الروح.

إخوان الصفاء هؤلاء دعوا إلى تأليف موسيقى تتم فيها ترجمة «ديالكيتك» الوعي بالذات وبالآخر الذي «هو». وبدلالة أن الفن السوري في منطقة بلاد الشام والرافدين، ومنذ ما قبل بعثة الرسول محمد «صلى الله عليه وسلم»، لا يزال إلى الآن «يحيا»، بل صار هدفاً للمستعمرين على تنوع مبدعيه:

آشوريين، كلدانيين، سومريين، فينيقيين، بابليين.. إلخ. والعباسيون انتبهوا لهذا الأمر، وكانوا أكثر انفتاحاً، وأكثر عروبية. ففي عصرهم وصل الإبداع العلمي والفكري والموسيقي والأدبي إلى ذراه، حقق الذروة. وصارت بغداد قبلة العلماء والمفكرين، ورغم قوتها وخاصة «الحربية» فإنها لم تبتلع، ولم تلغ الآخر، كما يحدث، كما تفعل أميركا الآن.

حوار ـ أنور محمد:

طباعة Email
تعليقات

تعليقات