«شجرة الدر» تثمر جدلاً في أول عروض المهرجان

«شجرة الدر» تثمر جدلاً في أول عروض المهرجان

أثمرت »شجرة الدر« جدلاً ساخناً استمر حتى ساعة متأخرة من الليل بين العديد من المسرحيين والمتابعين وبين الفنانة السورية مها الصالح مخرجة وممثلة هذا العمل المسرحي الذي عُرض في حفل افتتاح الدورة الثانية من مهرجان الفجيرة الدولي للمنودراما بحضور صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة الذي التقى وصافح ضيوف المهرجان من نقاد ومسرحيين من أرجاء العالم.

هذه السخونة التي اتسم بها يوم المهرجان الأول. بين أخذ ورد، ونقاش محتدم، ونقد لم يُفسد للود قضية، ولم يمنع أحداً من الاعتراف بمكانة مها الصالح الفنانة والممثلة القديرة والتي تصدت مسرحياً لمجموعة من الأعمال والتجارب الإشكالية منها »خطبة لاذعة ضد رجل جالس« لغابريل غارسيا ماركيز، ونص »آه.. الأيام الحلوة« وهو صياغة عربية لنص صموئيل بيكت في »انتظار غودو« وعموماً فإن هذه السخونة هي من النوع الحميد الذي أعطى لحفل الافتتاح نكهة خاصة،

أضاءت أرض دبا الفجيرة في الوقت الذي أضاءت فيه الألعاب النارية سماء المدينة، وعروض الليزر شاشة الخشبة التي شهدت قبل العرض مجموعة من الكلمات التي ألقاها محمد سعيد الضناني مدير الديوان الأميري رئيس المهرجان،

وبلال البدور وكيل وزارة الإعلام والثقافة وجنيفر ولبول نائبة رئيس الهيئة العالمية للمسرح، ومحمد الأفخم مدير المهرجان، وتمحورت هذه الكلمات حول دور الثقافة في الحراك الإنساني والحضاري والتطور البشري، والدور الجوهري الذي يلعبه المسرح في الحياة، وأكدت الكلمات على أهمية هذه التظاهرة الإبداعية المتمثلة في مهرجان الفجيرة الدولي للمنودراما في خلق جدل وتواصل حضاري مع الآخر، عبر أرقى أنواع هذا التواصل والمتمثل في المسرح.

**شجرة الدر

اختارت مها الصالح هذا العمل لمؤلفه عز الدين المدني، لتتصدى عبره لشخصية نسائية إشكالية في التاريخ العربي، وهي بغض النظر عن الأدوار السياسية التي لعبتها، فإنها من وجهة نظر المعالجة الدرامية تمثل نقطة محورية، وجوهرية في مكانة المرأة ودورها في الثقافة العربية والإسلامية، وخاصة في مجال علاقة هذه المرأة بالسلطة. ومدى تقبل هذه الثقافة للمرأة كقائدة،

مهما كانت المميزات والمؤهلات التي تتمتع فيها هذه المرأة أو من هم في إمكانيات شجرة الدر التي قادت بلادها الكبيرة بنجاح معروف إن كان بصورة مباشرة أو غير مباشرة، امرأة كانت ترفض الوصاية الذكورية، لكن المواجهة كانت أكبر منها، والرفض كان أكبر من قدرتها على الاستمرار وصولاً إلى نهايتها المأساوية المعروفة.

هذه المنطقة التي أرادت مها الصالح أن تلعب بها، ألقت على كاهلها مهمة صعبة، خاصة وأن مساحة السرد التاريخي في العمل كان يوسع بقعة الضوء التي أرادتها على فكرة محددة، فكانت الفكرة تمضي وتعود في حالة من الجدل المقصود ربما بين الأنا والآخر، وبقيت مها الصالح تلعب على حواف الحكاية، تدخل عقمها في بعض اللحظات، وسرعان ما تخرج منها، وكأنها لا تريد الانزلاق في الممكنات التشخيصية التي تتيحها شجرة الدر. ومسيرتها التي انروت أمامنا من أسواق النخاسة في بلاد الشام وصولاً إلى عرش مصر.

إن شخصية بهذا الفن، وما يمكن للممثل القدير كمها الصالح أن يخرج بها من تنويعات وتقمصات وتحولت في الحالات واللحظات الدرامية كان بالنسبة للكثيرين نقطة تساؤل، خاصة وأن الصالح راهنت على اللعبة والتقشف على مستوى الأداء، بمعنى الإبهار الذي ينتظره الجمهور عادة، وعلى مستوى الأدوات الفنية الأخرى من إضاءة، وديكور ومستخدمات يمكن الإفادة منها، فكان الصندوق الذي توسط الخشبة هو المحور الذي دارت حوله وعليه حركة الممثلة،

ولم يكن هناك غير لعبة الظل نهاية العمل الذي أرادت منه المخرجة ترك القصة مفتوحة ومستمرة. ومن هنا فإن لعبة التقشّف هذه حملت مها الصالح ثقلاً كبيراً في حمل عمل من هذا النوع الإشكالي، وكانت اللعبة تراوح بين فكرة الحكواتي حيناً، والمشخّص حيناً آخر، ولم تنغمس لا في هذا ولا ذاك، في الوقت الذي كان التركيز فيه على استحضارات من الحوار العربي التاريخي، ومحاولة إسقاطه على اللحظة الراهنة وخاصة إنسانياً.

إن مها الصالح في شجرة الدر لعبت على خيط محيّر وتحتاج إلى وقت وحضور العرض لأكثر من مرة لاستبيانه، خاصة خيط المأمول منها كممثلة قادرة على مشاكسة العين والمخيلة، وبين هذه السكونية التي مضت بها في العرض، لا بد من التركيز على مسألة القصدية في ذلك أو عدمه، أو يمكننا طرح السؤال الذي طرحه المسرحي الكويتي عبد العزيز السريع، وكان على شكل احتجاج على المخرجة مها الصالح التي لم تستفد من طاقة وإمكانيات الممثلة مها الصالح.

لاشك أن العرض وقع تحت سطوة السرد والحكي، ولا شك أننا كنا أمام عمل يخلو من ممكنات الممثل على اللعب والتلاعب، ولا شك أننا كنا أمام دعوة تأملية، لكن العرض خلق بين مشاهديه بلبلة وجملة من التساؤلات، خاصة بين ما هو مأمول من مها الصالح وما عرض على الخشبة من ناحية رغبة الجمهور في من يشاكسهم ويحرك في وجدانهم السكون الذي قوبل بالسكون.

** الندوة التطبيقية

كثيرة هي الآراء التي قيلت في هذا العرض المسرحي، وكثيرون هم الذين شاركوا، أو لم يتح لهم الوقت لإدلاء رأيهم في الندوة التطبيقية التي أدارها الدكتور حبيب غلوم بحضور عدد كبير من المسرحيين والنقاد الضيوف فؤاد الشطي امتدح تمسك مها الصالح في العمل بالمسرح في الوقت الذي يعاني المسرح من عقوق الممثلين وتجاهلهم له.

منوهاً إلى أن الممثلة لم تتشاكس مع النص داعياً إلى إعادة النظر فيه ليتناسب مع تاريخ مها الصالح المعروف، المسرحي الأردني غنام غنام أشار إلى خلل في النص، وأداء تمثيلي لا يتناسب مع حجم الصراع في الحكاية، المسرحي التونسي المنصف الويس قال انه لم ير مها الصالح التي يعرفها منوهاً إلى غياب الصراعات الداخلية في الشخصية.

منوها إلى تداخل الاختصاصات وليس بالضرورة أن يكون الممثل هو المخرج، عوني كرمي نوه إلى ضرورة النظر إلى العمل من وجهة نظر نسائية وليس ذكوريه، لأنه يحمل طابعاً دعوياً لقراءة علاقة المرأة وحضورها وآفاق هذا الحضور تاريخياً ومستقبلياً في ظل هيمنة ذكورية طاغية. أما غانم السليطي نوه إلى العمل لُعب عليه من الخارج وليس من داخله وعمقه، الدكتور حسن رشيد نوه افتقاد العرض للتكامل.

على هذا المنوال امتدت الآراء ليكون رد الفنانة مها الصالح في نهاية الندوة مختصراً ومكثفاً مؤكدة على ضرورة أن يركز المشاركين في التعبير عن آرائهم منوها إلى أن ما حدث في الندوة يؤكد وجود أكثر من مستعصم بالله وان المجتمع الذكوري أخذ بالتضخم.

وأشارت الصالح إلى أن العمل على الاستعداد لعرضه لمدة تجاوزت الشهر والنصف في باريس تحت إشراف شريف خزندار مدير دار ثقافات العالم في باريس كما تم التدريب عليه بين بيروت ودمشق، والعمل مُعد للمشاركة في مهرجان المتخيل في باريس، منوهة إلى أن الرهان كان على تقديم عرض لا يشبه العروض الأوروبية، في أدوات التعبير والفنيات الأخرى. وهو يدخل إلى عمق موقع المرأة في العالم الإسلامي، وخاصة عندما يصل الأمر مرحلة القيادة والسلطة، وطبعاً هذا لا يعني أن كل النساء قادرات على تولي هذه السلطة.

وشخصية شجره الدر على غاية من الأهمية والخصوصية. وقد عرفت في باريس جان دارك الإسلام. ونوهت الصالح إلى أن العرض كان أكثر تقشفاً، وحركته كانت أضيق، وعابت على جميع المتداخلين عدم ملاحظتهم لمشهد الظل على الشاشة الذي استخدم كتأكيد على بقاء الفكرة.بصورة عامة كانت ليلة مسرحية منودرامية اتسمت بالحماس والجدل، وتفتح الباب أمام عروض أخرى، ومهرجان يؤسس لنفسه وحضوره تواجد من الفعاليات الثقافية العالمية.

الفجيرة ـــ حازم سليمان

طباعة Email
تعليقات

تعليقات