بعد مئتي عام على رحيله.. هيجو حياة حافلة بالانجاز والجدل والحب

الاحد 3 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 4 مايو 2003 اذا كانت قراءة اعمال فيكتور هيجو قد اشعلت فتائل النقاد والمبدعين الذين ساروا متأثرين بنهجه على حد سواء، واذا كانت مقطوعاته الابداعية قد عزفت على حياة البؤساء والمهمشين وفعلت فعلها النابش في خبايا النفس البشرية وصار واحداً من أهم كتاب عصره، فإن هيجو كحياة انسان هي الاخرى كتاب اخر قابل للقراءة والتأمل، ليس فقط على صعيد مفاصل تلك الحياة الحافلة بالانتقالات، وانما مسيرة ذلك المبدع المفكر والمحرك النشط الذي قدم جدلاً فكرياً جعل له انصاراً ومحاربين. العالم بأجمعه وفرنسا بالذات احتفلت في العام الماضي بمرور مئتي عام على ولادة اديبها ومفكرها فيكتور هيجو وكان لهذا الاحتفال اشكال متعددة من الابداع قدم فيها محبو كتاباته الشعرية والمسرحية والروائية انسانيته وعبقريته. ولد هيجو بمدينة «بيزانسون» في فرنسا عام 1802، وتوفي في «باريس» عام 1885، وحمل رفاته إلى «البانثيون» حيث يرقد عظماء «فرنسا». يأخذ «فيكتور هيجو» مكانه بجدارة في الصف الأول بين شعراء الادب الغربي كما يعتبر القمة الساحقة التي لا تطالها قمة بين ادباء فرنسا في القرن التاسع عشر، اذ سيطر عليه بطول حياته، ثم بخصب انتاجه، بحيث يذهب اكثر مؤرخي الادب، إلى تسمية الزمن الذي عاشه بعصر «فيكتور هيجو» وأول ما يبعث على التأمل عند النظرة الشاملة إلى انتاج مؤلفنا، هو هذا التنوع فيه، والتوغل عميقاً في كل جانب من جوانبه، اضافة إلى ان ينابيع هذا الانتاج تفجرت في وجدان الشاعر، وهو لم يزل فتى صغير السن. ويعيد بعض النقاد ذلك التنوع في الانتاج، إلى ان شاعرنا ـ وذلك طيلة طفولته ومراهقته ـ لم يكن يستقر في مكان واحد، اذ كان مقضياً عليه ان يكون دائم الانتقال بين اماكن عدة، عاشها وعايشته، وذلك بحكم ان والده رجل الحرب، كان يطوف بين «فرنسا وايطاليا واسبانيا» تبعاً لمقتضيات «الغزو البونابارتي»، فامتلأت مخيلة الصبي الناشيء برؤى عدة، ودنيوات مختلفة، اضافة إلى ان الشاعر عاصر ألواناً مختلفة من الحكم في وطنه. خرج إلى الدنيا وانتصارات «بونابرت» تملأ اسماع الدنيا وتداعب المخيلة، وما ان تجاوز الصبي سن المراهقة، حتى قامت رجعة لملكية مطلقة تحكم البلاد، ثم جاءت ملكية دستورية، لتخلي مكانها لحكم جمهوري. انظمة من الحكم، لكل منها عالمه، وكان على الشاعر ان يعايشها، فكان ان اشترك بقلمه في احداث هذه الانظمة، وجاء شعره يردد الكثير من اصدائها وينقل انطباعاته عنها. بل ان العصر الذي عاشه الشاعر، وهو القرن الذي تزاحمت فيه تيارات مختلفة من الفكر ومن المزاج العام، وتواثبت، لينقض بعضها على البعض الآخر، في قيمه ومضامينه وقوالبه، قرن نزق دائم التغير. كان الفتى «هيجو» في الرابعة عشرة من عمره، حينما ارسل إلى الاكاديمية الفرنسية قصيدة تتألف من ثلاثمئة بيت من الشعر، فأجازته الاكاديمية بالذكر الطيب، واكتفت بتسجيل اسمه بين الشعراء، وهي في شك من امر هذا الفتى، الا ان قصائد اخرى اخذت تتابع وتثير الاعجاب كما تبعث على العجب من هذا «الصبي النابغة» كما اسماه الشاعر الكبير «شاتوبريان». لقد كان الحب محور حياته كلها، ولعله كان ذا شأن في تطور مراحل حياته، شاهد «هيجو» اباه وهو ينصرف عن حب والدته، ويعشق اخرى، ورأى الحب وعايشه وهو دون العاشرة، ثم اكتوى بالحب بعد ذلك بيد من أصبحت زوجته، وأخيراً رأى الحب يقتل شقيقه ولم تنته القائمة بعد. ولهذا لم يكن مستغرباً ان نرى شاعرنا مهيئاً لاستقبال هذه التيارات الادبية الوافدة من المانيا «ومن» انجلترا، تحمل في طياتها فيوضاً من الانفعالات، ومن النزعات التحررية، وهي تتدفق في اوصال الادب الفرنسي الكلاسيكي، وتغير من معالمه، لتعرف بعد ذلك باسم «الرومانسية». واصدر «هيجو» صحيفة «آلهة الشعر الفرنسي» تعكس هذه الحركة وتعبر عن آراء القائمين بها، وهم شباب متحمسون من الشعراء والكتاب صاروا يعقدون ندوات دورية، بعد ان اطلقوا على جماعاتهم اسم «المجمع» ليناقشوا في الادب والفنون ويتصالحوا. ومن الواضح ان الحركة الجديدة «الرومانسية» هي تمرد على الاوضاع القديمة في الادب وفي الفنون، ورغبة في تحرير الشعر خاصة من قيوده القديمة، وشوق الى الانطلاق نحو آفاق جديدة، تكون الكلمة فيها للعاطفة، وهي تستمد وحيها من الطبيعة مباشرة، وليس من خلال قوالب مصنوعة. في عام 1827 خرج أول عطاء مسرحي لفيكتور هيجو هو مسرحية كرومويل وهي مسرحية تاريخية تعالج حياة العملاق الثائر الانجليزي اوليفر كرومويل. وقد صدرت المسرحية بمقدمة طويلة، تؤلف بحثاً دقيقاً وشاملاً في ماهية هذه الحركة الجديدة، من حيث قيمها واوضاعها، ومفاهيمها واهدافها والمسرحية تؤلف بحق النموذج الاول للمسرحية الرومانسية بفرنسا وهكذا وضع «هيجو» دستور الحركة الصاعدة كما تولى زعامتها، وقامت معركة ملحمية بين انصار هذا المذهب الجديد وأنصار الادب الكلاسي القديم ثم جاء عطاء آخر وهو ديوان «الشرقيات» الذي كشف عن ناحية من انسانية رحيمة واسعة الرحاب، فقد جاءت الاكثرية الغالبة مما تضمنه الديوان تشيد بالثورة اليونانية ضد الاتراك وهي ثورة تحررية ناصرها اصحاب الفكر الحر والنزعة التحررية في اوروبا. ثم جاء عطاء ثالث، ولكنه جاء في عالم القصة الطويلة يحمل عنوان آخر «يوم لمحكوم عليه بالاعدام» حمل فيها الشاعر القاص على عقوبة الاعدام، منادياً بوجوب الغائها، وتعتبر هذه القصة ارهاصاً لقصة «البؤساء». ثم خرجت عام 1829 مسرحية «هرناني» ويعتبر تقديمها بمسرح الكوميدي فرنسيز في فبريار 1830 حدثا في تاريخ المسرح الفرنسي، اذ اكتسب الرومانسيون نصراً مبيناً، بعد ان تهافتت الجماهير على رؤية المسرحية تهافتاً لم يكن مألوفاً من قبل. وماذا في هذه المسرحية ليثير كل هذا الشغب؟ وهنا اكتفي بتسجيل موجز صغير من موضوعها. كان هناك ثلاثة عشاق ينشدون حب حسناء، شاب قاطع طريق، وثانيهم: نبيل عجوز ذو جاه وثراء، وثالثهم: ملك عظيم. ولكن قاطع الطريق هو الذي يفوز بحب النساء، وقد جاءت في قالب جديد واسلوب جديد ولغة جديدة، لم يكن مألوفاً في كتابة المسرحية الفرنسية. ولم يمض عام حتى استقبل «هيجو» نصراً مماثلاً بنشر قصة «أحدب نوتردا» التي تعتبر معجزة قصصه، واكثرها طرافة، وامعنها غرابة في الحوادث، وفي سلوك اشخاصها. ثم تأتي مسرحية «الملك يلهو» لتقيم شجاراً جديداً ولكنه هذه المرة شجار يقع بين المؤلف وبين السلطات التنفيذية بالدولة حيث اوقفت السلطات تمثيل هذه المسرحية، بعد الحفلة الاولى وثار الشاعر، واقام دعوى على الحكومة، ولكنه خسرها، وما الحيلة، ان الشاعر يسبق عصره بحرية تفكيره ثم جاءت مسرحيات من طراز جديد من حيث اسلوب حوارها، ان الشاعر يكتب الحوار بالنثر بدلاً من الشعر، وكانت مسرحية لوكريس بورجيا. كما انها ايضا الاولى من ناحية الحدث الذي اسفرت عنه، فقد اصبحت احدى الممثلات بالمسرحية، اصبحت الحبيبة في حياة الشاعر كما ان الشاعر قد بلغ بعدها القمة من حيث رصيده من اعجاب الجمهور. وربما يعود السبب في كتابة هذه المسرحيات نثراً، ان الشاعر كان قد اصدر خلال هذه الفترة الزمنية، اربعة دواوين من الشعر، تضمنت انطباعاته بأحداث عصره، وتأثره بمزاج ناسه، بحيث تؤلف هذه الدواوين ملحمة عصر «فيكتور هيجو». ثم اتجه الشاعر هيجو الى عالم السياسة، وكانت فرنسا في اشد الحاجة الى السياسيين صاحب القلم البليغ والذهن اللامع والجرأة الشديدة واقبل على عالمه الجديد، فقد كان هيجو يؤمن بأن الشعر رسالة لاتقف طاقتها عند انتاج شعر طريف، وتقديم مسرحيات تلهب الاكف بالتصفيق، بل هي رسالة تتجاوز هذا، الى تناول شئون الحياة في الواقع، واقامة فيها موازين ابتغاء الارتفاع بمجملها وربما نسي ان الشعر شيء والسياسة شيء آخر. وعلى كل حال فقد انتخب رئيساً للاكاديمية الفرنسية، وانتخب عضوا في المجلس النيابي، وصار خطيب المجلس، واصبح الشاعر الرسمي للدولة، ولكنه نفي عام 1851 الى احدى الجزر ببحر المانش وبقي هناك سبعة عشر عاماً. غير انه بقي صاحب الحب الكبير والقلب الكبير حتى النهاية فكأن هذا الحب كان مكتوماً على جبين الشاعر، بحيث انهما يلتقيان في كل مرحلة من مراحل العمر، بل ان الحب يؤلف جزءاً من كيان الشاعر الذي لا يطيق حياة هادئة لا يعصفه فيها الحب، ولا يقتلعه اقتلاع الاعصار. وربما كان هذا الحب هو العامل الاول في تفجير مواهب هذا الاديب المبدع، الذي خلف وراءه انتاجاً ضخما، ما برح يشغل اذهان الدنيا، لانه بأبعاده واعماقه وصدقه وانسانيته من صميم الدنيا ومن حنايا القلوب. بقلم: محمد سطام الفهد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات