راشد حسن الصوري: أمضيت 30 عاما في المراكب وأبحرت بين الخليج والموانيء الافريقية

الخميس غرة صفر 1424 هـ الموافق 3 ابريل 2003 لم ارث عن ابي مالا وعقارا بل حصلت على ما ورثه هو عن ابيه اي حب البحر والارتباط به والرجولة في مواجهة امواجه وتحمل اهواله من اجل الفوز برزق حلال يعيش به الاهل والعيال. هكذا بدأ الحاج راشد حسن احمد الصوري حديثه عندما التقيناه على شاطيء البحر في كلباء ذلك البحر الذي احبه واخلص له منذ وعى على الدنيا قبل اكثر من تسعين عاما هي كل عمره الذي امضى معظمه سابحا فوق مياهه كبحار او صياد او غائصا في اعماقه بحثا عن مغارات اللؤلؤ واصداف تحمل دانات. حين يتذكر الحاج راشد فانه يستعيد صورة مدينته الساحلية الشهيرة كما عرفها في طفولته التي مر عليها الآن اكثر من ثمانين عاما. يقول بذهن حاضر وذاكرة متقدة: كانت مدينتي كلباء منطقة شهيرة بذلك السوق الكبير الذي يؤمه الناس من كافة ارجاء الساحل الشرقي ومن مناطق اخرى بالامارات والخليج، واذكر ان المدينة في ذلك الوقت ـ اي حوالي العقد الثاني من القرن الماضي ـ كانت ذات سور كبير يحيط بها من جهة الشمال ويبدأ من عند المربعة ليمتد حتى البحر الذي اقيم عليه برج كبير للمراقبة وحوله مربعتان للحراسة وكان للسور مدخل ودروازة. الحياة في الماضي ويواصل حديثه عن مدينته فيقول: كان عدد اهل كلباء في تلك الايام لا يزيد عن الفي شخص كلهم من ابناء البلاد فلم يكن لدينا غريب واحد، وكان الناس يعرفون بعضهم بعضا معرفة تامة والعلاقات بينهم وثيقة، وهم جميعا معا في السراء والضراء، والكل حريص على المودة ومحب للخير، وكان الرجال في ذلك الزمان هم الرجال بحق لانهم كانوا يواجهون الشدائد بالعزائم القوية ويحصلون على ارزاقهم بسواعدهم دون ان يعرفوا التواكل او التهاون وتلك صفات الرجولة الحقيقية. وينتقل الحاج راشد الى الفريج (اي الحي) الذي ولد فيه وعاش مع اهله ورفاقه فيقول: ان منطقة «الدورة» بكلباء هي مسقط رأسي ففيها ولدت ونشأت بين اهلي الذين كان الرجال منهم رعاة للبحر فكلهم بدءا من الاجداد كانوا من اهل الغوص والصيد اللذين توارثهما الآباء فأورثوهما لنا نحن الابناء، وكان ذلك امرا طبيعيا فالفريج يطل على البحر والوليد منا كانت عيناه ترى الشاطيء في كل لحظة من ايامه، كما اننا في طفولتنا كنا نذهب الى «السيف» كي نعاون الاجداد والآباء او نستقبلهم مع الامهات عند العودة من رحلات الغوص الذي يستمر موسمه شهورا طويلة. بحار في سن الشباب ويضيف: هكذا جاء تعلقنا المبكر بالبحر الذي ازداد حبنا له عندما ادركنا الشباب وكان علينا ان نحصل على مصدر رزق نساهم به في اعالة اهلنا، فاتجهنا الى البحر للصيد او للغوص، ولاني كنت اكثر شباب تلك الايام حبا للبحر وعالمه الفسيح فقد شدني الى صحبته والبقاء فوق سطح مياهه طوال ثلاثين عاما كاملة امضيتها في العمل بحارا فوق المراكب الشراعية التي كانت تجوب المنطقة متنقلة بين موانيء الخليج والهند وشرق افريقيا قبل ان اعود ثانية للاستقرار بمدينتي وفي مهنتي الاولى صيد الاسماك بعد ان تضاءل العمل في مجال الغوص. ويتحدث عن رحلته الافريقية فيقول: ثلاثون عاما بالتمام والكمال امضيتها سابحا في مياه البحر على متن مراكب شراعية لم يكن لدينا غيرها تنقلت بها بين موانيء شرق افريقيا ودول الخليج مثل الكويت وقطر نحمل البضائع من والى الجهتين دون توقف. ويضيف: خلال تلك الفترة الطويلة من الغربة الكاملة امضيت عاما كاملا في زنجبار ومثله في مومباسا بكينيا كما امضيت عاما آخر في موزمبيق تزوجت خلاله من زنجية من اهل البلاد دفعت مهرا في ذلك الوقت لا يزيد عن عشرة شلنات. ويتذكر فترة حياته في موزمبيق فيقول: كانت اياما طيبة اذ شهدت رواجا لتجارة السكر الذي كنت احمله الى الكويت فابيع «الجونية» بحوالي 700 روبية بينما كان ثمنها في موزمبيق وسائر افريقيا لايزيد عن 20 شلنا وكان هذا يعني تحقيق ارباح وفيرة. ويواصل حديثه فيقول: في تلك الايام كانت الروبيات العشر تعادل مصروف حول (اي عام) واذكر انني عندما تزوجت من ابنة خالي في مقتبل شبابي دفعت مهرا لها حوالي 50 روبية نصفها مقدم وقد اقمت عرسا لم يكلفني الكثير لأن الشاة الوحيدة التي ذبحتها ـ وكانت كبيرة ـ اشتريتها بنصف روبية!! وبالطبع لم يكن هناك احتفال وطبل كما يفعل اهل ايامنا الحاضرة فالبساطة كانت عنوانا دائما وثابتا لحياتنا. صحة وقناعة وكنا ـ والكلام للحاج راشد ـ نعيش والقناعة تظللنا وكانت «دنيانا زينة، نأكل البرية وصحتنا تمام فلم نكن نعرف ما نراه الآن من مأكولات كلها كيماوي، ولم نكن حتى ونحن عرض البحر نشعر بالبرد لاننا عشنا ايام السمن والعسل والسح (اي التمر) فقد كانت النخلة مصدرا لغذائنا بل وايوائنا ايضا لاننا كنا نضع من خوصها وجذوعها بيوتا نقيم فيها مع اهلنا. وعلى ذكر البيوت يقول الحاج راشد الصوري: في فترة من حياتي عملت بالسعودية وعندما جمعت بعض المال عدت الى مدينتي كي ابني لنفسي بيتا صغيرا عبارة عن حجرتين لي وللاولاد وكنا ايامها نشتري كيس الاسمنت باربع روبيات، والالف طابوقة بحوالي 200 روبية اما اجرة الاستاذ اي عامل البناء فلم تكن تزيد على 5 روبيات في اليوم الواحد. وعن مصاعب واهوال البحر الذي احبه وأفنى العمر في العمل فوقه وداخل مياهه يقول: ذات يوم وكنا عائدين من «مومباسا» في طريقنا الى الكويت تحطم «المحمل» ـ اي المركب الشراعي ـ ووجدت نفسي اتعلق بلوح من الخشب وابقى عليه لاكثر من يوم محاولا الوصول به الى الشاطيء باذلا جهدي للنجاة رغم اخطار البحر وكائناته المفترسة وقد تكرر هذا المشهد في حياتي ثلاث مرات صمدت فيها جميعا ونجوت بفضل الله ونعمته على. أسماء في الذاكرة ومن الذين عمل معهم الحاج راشد يتذكر صاحب اول محمل عمل فوق ظهره ويقول: كان المحمل اسمه «ابن رشدان» ويحمل على متنه 50 بحارا ومالكه هو محمود صالح الذي يعد من اشهر اصحاب المحامل ويسترجع من ذاكرته الحية اسماء من تعامل معهم في تجارة الغليون (الدخان) فيقول: ان اهم تجار الغليون في تلك الايام البعيدة هو محمد عبدالله هاشم البحريني الذي كان يأتي الينا من البحرين في موسم الغليون كي يشتري ما جمعه اهالي المنطقة وقد عاش في مدينة كلباء 50 عاما وهو الآن يقيم في بلده البحرين، وكنا نبيع له ربطة الغليون (اي ما يعادل 4 كيلوجرامات) بحوالي 5 ـ 4 روبيات، كما كان يشترى ايضا انتاج مزارعنا من الليمون الذي ننقله بالمحامل الى دول الخليج. ويختزل الحاج راشد حياته مع البحر بقوله: البحر شي عجبني اكل ونوم وراحة لكن موي (موح) البحر يشيب ومن صاح فيه لازم فضيحة مناجاة لرجل البحر ويختتم ضيفنا حديثه بمناجاة رجل يقترب عمره من قرن زمان عاشه بصلابة وجلد وصبر على اهوال رفيق العمر.. البحر.. فيقول في أبيات لاتزال حية في ذاكرته: يارب لا تجعل حياتي شقية ولا موتي بين العذارى نوايح يارب تجعلها بين شبان وظلمة يلاقون عني بالتقى والصوايح يا حي بالشبان ويا حي بالملتقى ويا حي بالشبان كل ما صاح صايح

طباعة Email