بغداد «هبة الله» بين عصور النهضة وزمن هولاكو والتتار

الثلاثاء 29 محرم 1424 هـ الموافق 1 ابريل 2003 تتجه أنظار العالم هذه الايام الى العاصمة العراقية بغداد وهي تتعرض لاقسى عمليات قصف بأحدث أنواع الطائرات والصواريخ الاميركية ، ومهددة باقتحامها من قبل القوات الاميركية والبريطانية في أشرس معركة لم تشهدها مدينة من قبل على مدى التاريخ لتعيد بغداد بذلك الى الذاكرة التاريخية .. عصور المجد القديم الذى تألقت فيه في العصر العباسي .. وعصور الانهيار على يد غزوات التتار والمغول في القرن الثالث عشر الميلادي. وتعتبر بغداد من أقدم المدن العربية وأغناها في التاريخ فهي احدى العواصم العربية التى تجمع بين النهر والنفط وبين الزراعة والصناعة وبين الحضر واليابسة .. ولعبت الجغرافيا والتاريخ دورا في تشكيل ملامحها فهى تتوسط الشرق والغرب وجمعت بين القديم والحديث وهي قلب التجمع السكانى ويبلغ عدد سكانها 6 ملايين نسمة أى نحو ربع سكان العراق. ووفقا للمصادر التاريخية فان اسم بغداد يعبر عن نماذج تعدد حضارات مرت بها العراق ويعود اسمها الى الفى عام قبل الميلاد. ويرى بعض الباحثين أن كلمة بغداد أرية الاصل استعملت لاول مرة في أوائل الالف الثانى قبل الميلاد ومعناها هبة الله ويفسرها الفرس على أن لها أصلا فارسيا وهو «باغ أي داد» وهو اسم بستان أنشأه كسرى أنو شروان عام 570 قبل الميلاد. وفى مواقع أخرى من بغداد تقف تماثيل علماء العراق وفقهائها وشعرائها في العصر العباسى مثل الكندى والمتنبى والجاحظ وأبن سينا والفارابى وأبوبكر الرازى ينظرون الى المدينة الصاخبة من خلال أعمال فنية متقنة، وفى أحد الحدائق تمثال أبى جعفر المنصور مأسس بغداد يحكى قصة بناء المدينة في زمن العنفوان الحضارى. كانت بغداد عاصمة الدولة الاسلامية في فترة الخلافة العباسية لمدة خمسة قرون 750 / 1258 م وكان أبرزها عصر الخليفة هارون الرشيد وقصص الف ليلة وليلة وأجواء الحضارة المزدهرة والعلوم والتجارة وهي الحضارة التى جاء بها الاسلام ولم يكن قد مضى على ظهور الاسلام سوى قرن وثلث من الزمان. وقد اتسمت المرحلة العباسية بازدهار العلم والثقافة والفنون والموسيقى وصاحبها حركة ترجمة واسعة وقام الفكر الاسلامى من امتزاج الثقافات ونما على أساس من الاخذ والعطاء وترجمت أمهات الكتب الى العربية وكان الخليفة يعطى وزن ما يترجم ذهبا وأمر بأن تشترى المصنفات اليونانية من آسيا الصغرى وأرسل بعثة الى ملك الروم لترجمة العلوم المخزونة ولم يكتف العرب بالترجمة انما تجاوزوها الى التحقيق والاضافة وشهدت هذه المرحلة معارف نظرية جمة واستعانت بها أوروبا في عصر النهضة وتعددت المذاهب وزاد احتكاك الحضارات مع فارس وتركيا والهند والروم. وانتهت هذه المرحلة باجتياح هولاكو وغزو التتار عام 1258 م ودخلت بغداد بعدها في عصر ظلام وحروب وبعدها جاء العصر العثمانى عام 1638 ثم الاحتلال البريطانى عام 1917 وأعلنت العراق محمية بريطانية عام 1923 وأعتبرت دولة أزمة وأعلن استقلالها الشكلى عام 1935 حيث كرست بريطانيا الوضع العشائرى والاختلافات المذهبية والعرقية. واذا كانت بغداد قد شهدت في تاريخها أمجادا وحضارة فقد شهدت أيضا سلسلة من الكوارث فعلى أرضها قامت الفتنة الكبرى حيث لقي الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مصرعه ثم من بعده الحسن والحسين ومازالت الذاكرة العراقية تختزن مأساة كربلاء وبعدها أخضع الحجاج شعب العراق بالحديد والنار وتعددت المرات التى دمرت فيها بغداد فدمرت في 10 فبراير 1258 على يد هولاكو وتهدمت قصورها ورموزها ونهبت مبانيها ودمرت مكتباتها وقذفت أهم المحفوظات في نهر دجلة وسالت الدماء بمياه النهر وسدت قنواتها وتحولت بساتينها الخضراء الى صحراء جرداء. ثم جاءتها ضربة بربرية أخرى على يد تيمور لنك الذى حول بغداد الى خرائب وأنقاض. وظلت بغداد خاضعة لدول غير عربية سبعة قرون حيث حكمها الاتراك بعد ذلك لمدة أربعة قرون وتصارع عليها الفرس والترك وخلف هذا الصراع أخطارا وانقسامات ما زالت تعانى منه حتى الان. وهكذا تفعل أميركا وبريطانيا ببغداد حاليا ما فعله هولاكو وتيمور لنك في الازمنة القديمة. ا. ش. ا

طباعة Email