صحراء «دناكيل» تحتضن أغرب بحيرة بركانية في العالم

الاحد 21 شعبان 1423 هـ الموافق 27 أكتوبر 2002 في عمق صحراء دناكيل الاثيوبية، يضيء وهج أحمر غريب سماء تلك المنطقة في الظلام الدامس، وذلك الوهج ينبعث من قمة بركان هائل يدعى ارتالي، السكان المحليون المعروفون باسم «افار» يرفضون الاقتراب من القمة اعتقاداً منهم ان ارواح الرعاة الموتى تحيط بها على متن خيول طائرة ولكن الوهج ينبعث من شيء اكثر روعة من اي اسطورة، فهو يأتي من واحدة من بحيرات الحمم الحقيقية الوحيدة في العالم والتي تقع داخل فوهة بركان ارتالي. واذا كنت جريئاً بما فيه الكفاية لكي تتحدى الجفاف القاتل لواحدة من اكثر المناطق حرارة على الارض، فإن بمقدورك ان تتسلق الجوانب المنحدرة لبركان ارتالي من قاعدته التي يبلغ اتساعها 30 كيلومتراً. وهناك على القمة، وداخل الفوهة العملاقة، تقع حفرة صغيرة عميقة، وفي داخل تلك الحفرة توجد كتلة لا تهدأ من الصخر المنصهر التي تصدر فقاقيع وترتطم بالجدران الصخرية. لم يسبق للبحيرة ان ثارت ابداً ولم يسبق لها ان هدأت ابداً بشكل يكفي لكي تتصلب الحمم المنصهرة، فهي موجودة بحالة دائمة من التقلب، وحالما تتشكل قشرة صخرية هشة على سطحها، تقوم طاقة مخفية بتشقيقها مجدداً محدثة فيها فجوات برتقالية اللون، اما فقاقيع الصخر المنصهر فتتمدد وتتطرطش بينما ترتفع نوافير الحمم ثم تهبط بايقاع مضطرب. حار وقاس انه مكان حار بصورة لا تصدق وقاس بشكل كبير، ولكن فريقاً مؤلفاً من ثلاثة علماء متمرسين في الجيولوجيا من جمعية علم البراكين في جنيف انطلق العام الماضي من اجل التسلق داخل حفرة بحيرة الحمم وأخذ قياسات وفهم طبيعة نشاطها بصورة افضل وفي حين تزداد معرفتنا ببراكين العالم، فإن ما نعرفه عن ظاهرة بحيرات الحمم هو قليل للغاية، وهذه البحيرة هي الوحيدة في العالم التي تتيح المجال لدراستها. وفي الواقع ان بحيرة الحمم تعتبر اسهل للدراسة من البركان الثائر، فهي قد تبقى في حالة شبه منصهرة دائمة لسنوات، ولهذا، فإن بالامكان رسم نمط دقيق لفترات نشاطها وسكونها، وبوجود بيانات طويلة الأجل، يمكننا ان نزيد فهمنا للمواقع الجغرافية الساخنة وطبقات الارض التكتونية، وهذا يساعد في التنبؤ بموعد ثوران البراكين النشطة ومعرفة تركيبة اجسام كوكبية اخرى التي تظهر نشاطاً بركانياً مثل قمر المشتري «آيو». لقد تم توثيق وجود بركان ارتالي لأول مرة في منتصف القرن التاسع عشر، ولكن لم احد بدراسته حتى عام 1968 عندما انطلق فريق فرنسي ايطالي بقيادة العالم الجيولوجي هارون تازيف وجورجيو مارينيلي لكي يدرسوا الاضواء المتوهجة في عمق الصحراء، فوجد الفريق بحيرتين من الحمم تستكينان في فوهة ارتالي احداها كانت بعرض 100 متر وتقع في حفرة بعمق 160 متراً الى الشمال من الفوهة الرئيسية للبركان بينما كانت الاخرى اصغر حجماً واكثر قرباً من مركز الفوهة وقام تازيف ومارينيلي بتسجيل درجة الحرارة والغازات المنبعثة وقدما تخميناً حول كيفية تكون بحيرات الحمم البركانية. وعلى امتداد السنوات اللاحقة، لوحظت تغيرات على البحيرتين ففي عام 1971، كان سطحا البحيرتين ينخفضان ما بين 10-20 متراً تحت ارضية الفوهة ولكن بعد عام من ذلك، ارتفع منسوبهما الى اطراف الفوهة، بل انهما فاضا في الحقيقة ليقذفا بالحمم الى جوانب البركان وفي الفترة الممتدة ما بين عامي 1976 و1992، لم تتم دراسة اي من البحيرتين، فالحرب بين اثيوبيا واريتريا كانت تعني عدم السماح للعلماء بالاقتراب من البركان ثم كشفت الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية في عام 1992 النقاب عن ان البحيرة الشمالية اصبحت خامدة بعد ان دفنت تحت كتلة هائلة من الصخور التي انهارت من اطراف الفوهة مع انها لا تزال تنفث غازات كبريتية ضارة وانخفض منسوب الحمم في البحيرات الاخرى الاصغر الى ما دون ارضية الفوهة بكثير ولكنها كانت لا تزال نشطة. تشكيل البحيرات وفي العام الماضي، كانت بعثة جمعية علم البراكين في جنيف هي الاولى التي تزور البحيرة منذ عام 1976 وكانت درجة الحرارة عالية حيث كانت تصل في النهار الى 45 درجة مئوية وتنخفض في الليل الى ما بين 20-25 درجة. ولكن الامر المزعج للفريق كان الابخرة الكبريتية المتصاعدة من فوهة البحيرة الشمالية المطمورة ومع ذلك، فقد كان المنظر يستحق كل ذلك العناء. لا يزال العلماء يجهلون السبب الحقيقي لتشكل بحيرات الحمم وما يعرفونه هو انها نادرة الوجود ويبدو انه تحدث فوق ما يسمى بـ «المواقع الساخنة للصهارة»، حيث تكون قشرة الارض رقيقة ويحتوي غلاف الارض على كميات قليلة من اليورانيوم والثوريوم والبوتاسيوم، والمادة المشعة في هذه العناصر تنتج ما يكفي من الحرارة لابقائه في حالة منصهرة بعد مليارات السنين من تكونه و«المواقع الساخنة» تتشكل من مجاري صاعدة من الصهارة تعرف باسم «اعمدة الصهارة» وهذه تبلغ ذروتها في المناطق ذات المستوى العالي من النشاط البركاني. ضرار عمير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات