عزفه فنان عاطل، الأحد الكئيب .. لحن موسيقي يقود للانتحار

الجمعة 19 شعبان 1423 هـ الموافق 25 أكتوبر 2002 المكان باريس عاصمة النور والزمان العام 1932، ريسيزو سيريس الموسيقار المجري الشاب يتسكع في الشوارع ويجتهد في ان يصبح مؤلفا موسيقيا مرموقا لم يصادف سوى الفشل، مؤلفاته الموسيقية لم ترق لاصحاب الاستديوهات والموزعين، الموسيقار الشاب لايزال يطارد الحلم الذي سكنه، كان شديد الاصرار بأن يصبح موسيقارا عالميا مرموقا، خطيبته العاطلة عن العمل هي ايضا دأبت على التقليل من شأنه كمؤلف موسيقي، ألحت عليه بان يبحث عن عمل آخر. لم يرضخ سيريس الذي يشعر في قرارة نفسه بأن حلمه سيتحقق ذات يوم، وفي ليلة ماطرة حزمت الخطيبة امتعتها ورحلت بعد ان تبادل الاثنان سيلا من الشتائم. وفي اليوم التالي، الذي تصادف ان كان يوم احد جلس سيريس على مقعد البيانو وراحت اصابعه تداعب المفاتيح الموسيقية وهو يحدق عبر النافذة الزجاجية وسماء باريس ملبدة بالسحب الممطرة. وفجأة انهمر المطر وارعدت السماء وابرقت. «اي يوم احد كئيب هذا» قال سيريس لنفسه واصابعه تداعب مفاتيح البيانو وفجأت وجد نفسه يعزف لحنا موسيقيا حزينا يماثل حالته الذهنية المتعكرة والجو الكئيب الذي يحيط به وبدون ان يشعر اطلق صيحة هائلة وصرخ، نعم الاحد الكئيب.. هذا هو عنوان اغنيتي الجديدة وراحت اصابعه تداعب المفاتيح حتى اكتملت الاغنية واكتمل اللحن بعدها تناول سيريس بطاقة معايدة بالية وسجل عليها كلمات الاغنية ودون موسيقاها. ارسل سيريس الاغنية لمكتب نشر وتوزيع موسيقي ممنيا نفسه بقبولها. كان يعيش حالة من الامل لم يألفها من قبل. مضت الايام واذا بالمكتب يعيد الاغنية ومعها مذكرة صغيرة تقول: الاحد الكئيب اغنية تسبب الاحباط والكآبة، كلماتا وموسيقى وعليه تقبل اعتذارنا على رفضها. لم يفقد سيريس الامل وارسل الاغنية واللحن لمكتب آخر. مضت الايام بطيئة الى ان تلقى خطابا من المكتب يقول فيه، نوافق على طبع وتوزيع الاغنية وسوف نقوم بتوزيعها في كبرى المدن في العالم، نرجو الاتصال بنا لتحديد موعد لتوقيع العقد المالي لم يكن سيريس في حالة افضل من هذه طوال سنوات عمره. ولكن وبعد طبع وتوزيع الاغنية توالت الاحداث الغريبة التي تم الربط بينها وبين «الاحد الكئيب» ففي برلين طلب شاب في مقتبل العمر من جوقة موسيقية باحد الاندية عزف الاغنية، وبعد ان لبت الجوقة طلبه واستمع الى اللحن غادر النادى وذهب الى منزله حيث اخرج مسدسا ووضعه بالقرب من صدغه الايمن وضغط على الزناد وتهشم رأسه. حدث ذلك بعد ان اسر لاهله انه شعر بحالة من الاكتئاب لم يعهدها من قبل بعد الاستماع للحن. وبعد اسبوع واحد من تلك الحادثة وفي المدينة ذاتها عثر صاحب متجر على جثة بائعة شابة كانت تعمل بمتجره وهي تتدلى من حبل ربطته بسقف المستودع وعندما عاينت الشرطة المكان وتحرت عن اسباب ودوافع الانتحار عثرت على اسطوانة لأغنية «الأحد الكئيب» بالمكان. وبعد يومين فقط من تلك الحادثة المؤلمة وفي مدينة نيويورك انتحرت سكرتيرة شابة مستخدمة الغاز وتم العثور على ورقة بالقرب من الجثة تقول فيها «أرجو ان تعزفوا لحن (الاحد الكئيب) أثناء مراسم جنازتي». ولم يمض سوى أسبوع واحد وشهدت المدينة عملية انتحار رجل عجوز ألقى بنفسه من الطابق التاسع. وعند معاينة الشقة التي كان يقيم فيها سمع الجيران والشرطة لحن «الأحد الكئيب» ينطلق من جهاز تشغيل الاسطوانات الموسيقية. وفي الوقت نفسه عثرت الشرطة الايطالية في روما على جثة شاب ألقى بنفسه من أعلى الجسر ووجدت بجيب قميصه كلمات أغنية «الأحد الكئيب». وتبارت الصحف في نشر اخبار عن حوادث انتحار كانت دوافعها الاستماع لأغنية سيريس. وأوردت احدى الصحف البريطانية خبراً عن امرأة كانت تسكن شمال لندن استمعت لأغنية «الاحد الكئيب» وهي تنطلق من جهاز التشغيل أكثر من ثمانين مرة والجهاز يعمل بأعلى صوته مما أزعج الجيران الذين فوجئوا بالمرأة ترمي الجهاز وسط صديقاتها وهو لايزال يعمل. وعندما طرقوا باب الشقة التي كانت تقيم فيها لم يستجب أحد، وعندما اقتحموا المكان وجدوها جثة هامدة، وتزايدت حالات الانتحار التي تم الربط بينها وبين الأغنية حتى اضطر رئيس هيئة الاذاعة البريطانية بي.بي.سي لحظر بثها. وهناك في باريس كان الموسيقار سيريس يعش حالة من الاحباط وهو يعايش الآثار السلبية للأغنية التي قام بكتابتها ووضع موسيقاها. كتب رسالة الى خطيبته وتوسل اليها ان تصفح عنه وتعود فهو يعيش وحدة وعزلة تامتين. ولم تمض سوى أيام على تلك الرسالة حتى وصل الى مسامعه خبر أحدث هزة مدمرة في كيانه، فقد أخبرته الشرطة ان محبوبته قد انتحرت بعد ان تناولت جرعة زائدة من عقار مخدر وتم العثور على اسطوانة لأغنية «الأحد الكئيب» بالقرب من جثتها. ومع نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي ومع اندلاع الحرب الكونية الثانية نسي الجميع تلك الأغنية في خضم الأحداث الجسيمة التي كانت تهز العالم، ولكن الاسطوانة التي تم طبع أغنية الأحد الكئيب عليها لاتزال متوفرة في متاجر توزيع الموسيقى، ويمكن لكل من يريد اقتناء طبعة منها، إلا اننا ننصح بعدم تشغيلها. مأمون الباقر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات