السفن المنتشلة من البحر تتعرض لخطر التفتت

صورة

الخميس 18 شعبان 1423 هـ الموافق 24 أكتوبر 2002 كان العثور عليها من اعظم اكتشافات القرن العشرين انها سفينة «فازا» مفخرة البحرية السويدية التي انقلبت وغرقت في رحلتها الاولى في عام 1628، مغرقة معها حوالي ثلث طاقمها البالغ عدده 150 فرداً في الكارثة. ومع ذلك، فإنه عندما اكتشفت السفينة البحرية بعد اكثر من 300 عام، كانت سليمة بشكل كامل، فالظروف في قاع ميناء استوكهولم حيث غرقت كانت مثالية للمحافظة على خشب السفينة. ولقد تم انتشال سفينة «فازا» في عام 1961 وهي محفوظة بعناية منذ ذلك الحين في متحف المدينة. واليوم تعتبر هذه السفينة الرائعة ـ كاملة بصواريها وبأكثر من 700 منحوتة خشبية واقدم شراع في العالم اكبر عنصر جذب سياحي في استوكهولم. ولكن على الرغم من مرور سنوات من جهود المحافظة الواعية على السفينة، إلا ان علماء الآثار اكتشفوا على نحو مفاجيء ان السفينة تتعرض لهجوم من عدو لا يقل تدميراً عن العدو الذي صممت لمواجهته في الاصل، فالمواد الكيماوية نفسها التي استخدمت للحفاظ على السفينة ساعدت على احداث تفاعل في اخشابها اخذ ينتج حامضا الكبريتيك على نطاق واسع، وربما تحمل الواح السفينة ودعاماتها من البلوط ما يقارب الطنين من الحامض، واذا ما استمر التفاعل بلا تفحص، فإن السفينة قد تبدأ في النهاية بالتفتت، وهذه المشكلة ليست مشكلة فريدة وخاصة بالسفينة «فازا». فالدراسات الحديثة تشير الى ان سفناً خشبية اخرى تم انتشالها من قاع البحر، ومن بينها «ماري روز» في بورتسماوث و«بتافيا» في فريمانتل غربي استراليا تعاني من المشكلة نفسها. ويثير هذا الاكتشاف اسئلة جوهرية حول الحفاظ على الخشب المشبع بالماء، فكيف نأمل بانقاذ السفن حول العالم المهددة بهجوم الحامض؟ وهل هناك من طريقة افضل للحفاظ على الخشب المشبع بالماء لكي يكون بالامكان عرضه في المتاحف؟ ام هل من الافضل التنبيش عن حطام سفينة ما وتفحصها في المكان الموجودة فيه، ثم ندفنها في الرمل والطمي؟ اسئلة مهمة انها اسئلة مهمة جداً، فبحسب منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم «اليونسكو»، هناك ثلاثة ملايين سفينة غير مكتشفة في قاع المحيطات، ومعظمها عبارة عن سفن خشبية وجميعها تحتوي على تحف خشبية ثمينة وهذا يعتبر شريحة هائلة من التاريخ الانساني. وفي حين ان العديد من هذه السفن قد تحطمت بفعل العواصف او تم التهامها من قبل دودة السفن ـ وهي المخلوق الذي يدمر بسرعة الخشب الغارق في الماء ـ فإن سفينة «فازا» كانت محظوظة، فقد استقرت بلطف في رواسب القاع في الميناء، كما ان مياه بحر البلطيق ليست مالحة بما فيه الكفاية لاحتضان دودة السفن، والضرر الحقيقي الذي اصابها كان ناجماً عن مراسي القوارب التي تعمل بالمحرك والتي قضمت جانباً من خشب السفينة. كما «فازا» كانت السفينة الاولى التي تعالج بما كان يعتبر في حينه اسلوباً جديداً للحفاظ على الخشب. فالخشب الذي يكون غارقاً في الماء طوال قرون يعتبر هشاً جداً لان الياف السيليلوز في جدران الخلية الخاصة بالخشب تكون قد التهمتها البكتيريا. وهي مشبعة بالماء ايضا، فعندما تم انتشال الـ «فازا» كان كل كيلوغرام من الخشب يحتوي على 1.5 كيلوغرام من الماء، غير ان الهيكل كان سينهار لو ترك ليجف، ولهذا فقد تم استبدال الماء بمادة جلايكول البوليئيثلين الذي يحل محل السيليلوز المفقود ويساعد في تقوية الخشب، اما التحف الصغيرة فيمكن غمسها في مغطس يحوي هذه المادة. والاشياء الكبيرة تحتاج الى طريقة مختلفة، وهي التنقيع البطييء الذي يزيل بلطف جميع آثار الماء. وهكذا، فإن السفينة «فازا» قد جرى رشها بمحلول من مادة جلايكول بوليئيثلين طوال 17 عاماً. واثبت هذا العلاج فعالية لدرجة انه بات الآن الطريقة المتبعة في الحفاظ على الاخشاب المشبعة بالماء. صيف رطب الدلائل الاولى لوجود مشكلة ظهرت في عام 2000 فبعد صيف رطب، لاحظ طاقم المتحف رواسب على شكل مسحوق على سطح بعض من الواح السفينة الخشبية. ولهذا، قاموا باستدعاء ماغنوس ساندستروم، استاذ الكيمياء البنيوية في جامعة استوكهولم، فوجد ان تفاعلاً غير متوقع في الخشب يولد حامض الكبريتيك. ومن خلال العينات التي اخذها من الواح السفينة، قدر ساندستروم ان الالواح الخشبية في السفينة تحتوي على طنين من الحامض، واذا تواصل التفاعل بدون اي تحرك فإنه سيولد في النهاية ستة اطنان من الحامض الذي سيعمل على تآكل الخشب. ويقول ساندستروم: اننا لا نعلم مدى سرعة تفتيته للخشب، وقد يستغرق الامر خمسة اعوام، او من يدري، ربما 50 عاماً قبل ان يصبح الضرر بالغاً على الخشب بحيث تصعب معالجته. والهم المباشر لساندستروم هو تحييد «معادلة» حامض الكبيريتيك الذي تراكم في السفينة وايقاف التفاعل لكي لا تتشكل كميات اخرى، والمعروف هو ان الخشب لا يحتوي بصورة طبيعية على مستويات عالية من الكبريت، فالمشكلة بدأت على ارضية قاع البحر عندما نقص الاكسجين لدى البكتيريا الموجودة في الرواسب، ويقول ساندستروم: اذا لم يكن لديها اكسجين فإنها تأخذه من ايونات الكبريت في مياه البحر، وتقوم البكتيريا بتحويل ايونان الكبريت الى كبريتيد الهيدروجين الذي يشق طريقه الى داخل الخشب وينتهي به الحال لان يصبح كبريتاً. ضرار عمير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات