على محك النقد ـ وحدة القصيدة الجاهلية ـ بقلم: د. غازي مختار طليمات

الخميس 4 شعبان 1423 هـ الموافق 10 أكتوبر 2002 رحم الله الشاعر الكبير عمر أباريشة، فقد كان ـ وحق لمثله أن يكون ـ مفتونا بشعره، مسحورا بسحره، مزهوا بخصيصة، يزعم انه تفرد بها من بين شعراء العربية قدمائهم والمحدثين. كان لايني يتغنى بهذه الخصيصة، ويلخصها في كل ندي ومحفل من أندية الأدب ومحافله، وفي كل موسم وسوق من مواسم النقد وأسواقه بعبارة واحدة، وهي: «أنا شاعر قصيدة لا شاعر بيت». فما فحوى هذه العبارة عنده؟ وهل خصه بشرفها النقاد؟ أهي بدعة بديعة ابتدعها أم قدر مشترك بينه وبين غيره من الشعراء؟ فحوى العبارة اعتقاد عمر بأنه لا يسمح لخياله بأن يطغى على عقله، فيتطوح به وهو ينظم القصيدة في كل أرض، او يحوّم به في كل أفق من آفاق الفكر، بل كان ينظم على بصيرة لئلا تأتي قصيدته أنكاثاً منقوضة، لا يعانق لحمتها سداها، ولا يوافق مبتدأها منتهاها. وقد حمل النقاد كلامه على الاغترار بمأثرة يتباهى بها أكثر الشعراء، لا على الاقرار بها لشاعر واحد. ولم يجمعوا على ان أباريشة صاحب بدعة ابتدعها على غير مثال، بل رأوا أنها سمة شائعة لدى كثير من شعراء العربية تمتد سلسلتهم الذهبية من امريء القيس الى بدر شاكر السياب، ومن العصر الجاهلي إلى عصرنا الحديث، ويتساوى في التزامها كثير من شعراء العمود وشعراء التفعيلة، وربما كانت في شعر التفعيلة اوضح وأتم. وحمل النقاد كلام عمر على محمل الزراية بشعراء الضاد، واستنبط بعضهم من كلامه انه يرمي القصائد العربية بالتفكك والتشعث، وهو اتهام جائر، جمجم به أبوريشة ولم يصرح، وعمم ولم يخصص، لكن دارسين آخرين مغرضين صرحوا وخصصوا وجأروا وجهروا، واتهموا القصيدة الجاهلية ـ وهي التي رفعت لها وعليها خيمة النابغة في عكاظ ـ بالتبعثر والشتات، وبتنافر الافكار في الأبيات. ووجهوا القدر الأكبر من اتهامهم الى عمود الخيمة وركنها الركين، وهو شعر المعلقات، فزعموا ان المعلقة الواحدة تفتقر الى وحدة الفكر والشعور، وإلى ارتباط النهاية بالبداية، وإلى التصور الكلي للعمل الفني. ثم عمموا ما خصصوا، ووسعوا ما خرصوا، فزعموا ان العقل العربي كله لا العقل الجاهلي وحده مشتت مفتت، لا ينتظمه سلك من منطق، ولا يلم شعثه إطار من ترابط. ترى أكانت القصيدة الجاهلية انقاضا لا صرحا شامخا، وابعاضا لا بناء راسخا؟ أم كانت مؤتلفة الأركان مرصوصة البنيان؟ وإذا كانت موحدة فكيف اجتمع فيها الغزل بوصف الطلل، والفخر والمدح بالهجو والقدح؟ وهل لاجتماع النقائض مسوغ يقبله العقل، وتشفع له طبيعة الحياة البدوية في الصحراء؟ اذا تصورت ان الوحدة تعني ان المعلقة يجب ان تكون بنية عضوية حية على هيئة إنسان، أعلاه رأس، وأدناه قدمان، وأوسطه صدر وظهر، وأن بين الاربعة تواصلا وتكاملا، وتعاونا على تأدية عمل واحد، وفكرة واحدة، فلن تجد في القصيدة ما تلتمس، وستحكم على القصيدة بالتقطع لا التوحد. واذا تصورت ان وحدتها تعني انها يجب ان تكون على صورة عمود فقري، تفضي فقراته بعضها الى بعض، وينتظمها حبل شوكي يحفظ ترابط الفقرات فسوف تحكم لها بالوحدة، وإليك البيان: اولى الفقرات المطلع، ويسميه ابن رشيق مفتاح القصيدة، والثانية المقدمة، وأغلب المقدمات في الغناء بالغزل او البكاء على الطلل، والثالثة التخلص من المقدمة الى الغرض ببيت او ابيات، تمهد للمدح او للفخر، والرابعة الموضوع الاساسي من مدح او فخر او رثاء او هجاء، وربما اجتمعت هذه الاغراض كلها في القصيدة الواحدة، لأنها تمثل حياة الشاعر والقبيلة، وربما خالطتها ألواح فنية تصور الصحراء، كصفة الكثبان والغدران، ونعت الظباء وحمر الوحش، ووصف النوق والظعائن. وفي كل حلقة من هذه السلسلة الذهبية مجموعة من المعاني، يمكن عزل بعضها عن بعض على ما بينها من تكامل، كما تعزل الكثبان واحة عن واحة، وقبيلة عن قبيلة، او كأن التنقل الذي كان يلازم العيش في الصحراء لازم الفكر البدوي، فجعله يتوثب بين المعاني توثبا ذكيا. او كأن النزعة الفردية التي فطر عليها الجاهلي المزهو بنفسه، ورسختها البداوة قد تمثلت في وحدة البيت واستقلاله بمعنى متفرد، وزهدت الشاعر في البحث عن وحدة عامة مشفوعة بالتحليل والتعليل، وبالقدرة على اكتناه الاسرار، وربط النتائج بالاسباب. وكما افتقرت صحراء العرب الواسعة الى كيان سياسي موحد، يبني من العشائر امة، فقد افتقرت قصائد الشعراء المطولة الى وحدة منطقية، تحول الابيات ـ وهي مداميك البناء ـ الى بنيان مرصوص، يشد بعضه بعضا. افنفهم مما عرضنا ان التشتت الفني صنو التشتت الاجتماعي، وان تبعثر الافكار في القصيدة صورة لتبعثر الاقطار في الجزيرة، وأن كل مسعى من مساعي التوحيد أيل الى التبديد، وأن على العرب ان يستسلموا للتجزئة الفنية كما استسلموا للتجزئة السياسية، وألا يلتمسوا في القصائد الجاهلية ادنى صورة من صور الوحدة؟ وكيف يلتمسون وحدة القصيد لدى شاعر بدوي شريد، وهم اليوم بعد الاستقرار والتحضر اكثر من عشرين دولة؟ لا يُفهنّ من ذلك كله ان القصيدة الجاهلية مفككة الاوصال، لانها متعددة الموضوعات، فتعدد الموضوعات ـ والقول للاستاذ محمود شاكر ـ ظاهرة سطحية، تخدع البصر الحسير، ولا تخدع البصيرة النافذة القادرة على اكتشاف وحدة القصيدة الحقيقية. ومحمود شاكر لهذا السبب يسخر من رماة السهام المسمومة الذين يوجهون نبالهم غير النبيلة الى القصيدة الجاهلية، ومن يحاولون العبث بترتيب أبياتها، ويعد هذه المحاولة المخفقة ضرباً من الهدم الذي يدمر تناغم القصيدة، وائتلاف افكارها وعناصرها، ويرى انه لا يدل على قصور القصيدة الجاهلية، بل على قصور الذين ينشبون مباضعهم في جسمها، وليس في اذهانهم من اصول النقد الا مبدأ (التجربة الشعرية) أو (التجربة الفنية). فهل لوحدة القصيدة الجاهلية معنى غير المعنى الذي ساور اذهان النقاد؟ وما الذي يمكن ان يكون هذا المعنى؟ أهو وحدة الهدف والغرض والغاية لا وحدة الافكار والموضوع؟ ام هو وحدة الشكل المتمثلة في الحفاظ على الوزن الواحد، والقافية الراتبة، والروي المكرور؟ ولو كان الامر كذلك لكانت الوحدة التي يباهي باكتشافها قشرة يابسة، تفوق في سطحيتها وسذاجتها آراء خصومه، واذا لم تكن الوحدة هذا المظهر الشكلي فهل هي جوهر خفي، وما هذا الجوهر؟ وكيف يفسره محمود شاكر؟ معنى الوحدة عنده اعمق مما يعتلقه السمع والبصر من اتفاق الابيات في الاوزان والقوافي واحرف الروي، ومما يتلمسه العقل من التزام موضوع واحد، لا تخالطه فكرة يأتي بها التداعي العفوي. وانما هو جوهر عميق مغمور بركام الألفاظ والمعاني، وتفسيره يحتاج الى الغوص على ما خلف المعاني والألفاظ والرجوع الى ما قبل التصور والتصوير.. وأساس هذا الجوهر نفسي زمني، لا فكري ولا لفظي، وفحواه ان القصيدة تتكون في ثلاثة ازمنة تتعاقب على النحو التالي: اولها زمن الحدث، وهو زمن مؤقت قصير، يقع فيه الحدث الذي يتخذه الشاعر منطلقه، ويجعله مبتدأ عمله، لأن لكل عمل فني نواة، ونواة القصيدة ـ كما يقول محمود شاكر ـ: «حدث او احداث تتفق او تختلف في معانيها وفي أزمنة حدوثها. وهذه الاحداث مفروضة على الشاعر من خارج، ولا يكون للحدث معنى عند الشاعر حتى يكون سبباً في اثارة النفس.. وآثار الحدث لا يكاد ينقضي زمنها، اما زمن الحدث نفسه فهو مؤقت». وثاني الأزمنة زمن التغني، وهو الزمن الذي يتم فيه امتزاج الحدث الجديد بأحداث قديمة، تختزنها النفس في مكامن عميقة فإذا لابسها الحدث الجديد اثارها، واتحد بها، وتكون من هذا المزيج جنين القصيدة. لكن ذلك لا يعني ان القصيدة بلغت مرحلة الولادة. يقول محمود شاكر: «فربما تم هذا العمل الغريب المعقد في نفس الشاعر، وتهيأ عندئذ للغناء، فيجيء عائق يحجب الشاعر عن التغني، اي: عن الافضاء والبوح، فإذا هذه الاحداث وآثارها ترتد جميعاً عائدة الى الكمون في سراديب النفس». وثالث الأزمنة زمن النفس (البوْح) «وهذا الزمن وحده هو الزمن الدائم الذي لا ينقطع وفيه تستقر جميع أزمنة الاحداث وأزمنة التغني.. وزمن النفس خفي جداً، كامن في قرارة النفس الشاعرة، والشعراء يجدونه في انفسهم بالقلق والحيرة، وبالاستبطان والاستغراق، وان لم يعبروا عنه باللفظ. وأظنه صار بيناً بعد هذا السياق الموجز ان زمن النفس هو الموطن الذي تنشأ فيه وحدة القصيدة على معناها الصحيح، سواء اقتصرت على معنى واحد متعانق متشابك متصل، ام اشتملت على معان متعددة، تمت بينها ضروب من الالتحام والتداخل، تخفى حيناً أشد الخفاء، وتظهر حيناً ظهوراً لا يحتاج الى بيان من الناقد والمتذوق، تيسر لهما بالخبرة وحسن الادراك ونفاذ البصيرة». وهكذا يبدو ان الوحدة الحقيقية في القصيدة الجاهلية ليست وحدة موضوع، ينتظم المنطق افكاره، ولا وحدة شكل ينتظم الوزن والقوافي أبيات القصيدة من اولها الى آخرها. وانما هي وحدة نفسية، جوهرها انفعال الشاعر الجاهلي بحادثة، تمازج حياته كلها، فلا تتحول الى قصيدة حتى يتحول معها مخزون الشاعر النفسي الى ذخيرة فكرية وعاطفية ونفسية مستعدة للانفجار، فمتى صادفت بارقة حارقة، او شرارة ثائرة، انفجرت النفس، وتحول ما فيها من مخزون خفي الى خلق سوي، هو القصيدة الموحدة. رحم الله ابا ريشة، فقد كان وريث قصيد تليد قبل ان يكون مبدع فن جديد، لكن الاغترار بالابتكار ينسي الأحفاد فضل الأجداد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات