غابات مدغشقر تبوح بأسرارها للاطباء والعطارين

الخميس 4 شعبان 1423 هـ الموافق 10 أكتوبر 2002 منذ اكثر من 165 مليون سنة، كانت مدغشقر دولة محاطة باليابسة من كل الاتجاهات، وكانت مرتعا خصباً للديناصورات والثدييات الضخمة الى جانب ثرائها بكل انماط الحياة النباتية ومع التحركات والتصدعات التي مرت بها قشرة كوكب الارض والتي كان يصاحبها ارتفاع في مستوى سطح البحار، انقسمت كتلة اليابسة التي كانت تضم ما يعرف الآن بالمنطقة القطبية وقارة افريقيا التي تقع في قلبها مدغشقر. ومع توالي حركات المد والجزر، شق المحيط الهندي فجوة ضخمة مساحتها 400 كيلومتر بين مدغشقر والساحل الشرقي لافريقيا، وهو الامر الذي ادى الى عزل ذلك البلد الافريقي الغني بحياته البرية والحيوانية والنباتية عن العالم لعدة ملايين من السنين، ما ساعد بدوره على احتفاظها بثرائها الطبيعي من دون اي تأثيرات خارجية، من انشطة انسانية وغيرها. وعندما بدأ الانسان في الوصول الى مدغشقر منذ 2000 عام، كانت الجزيرة مغطاة بطبقة من الغابات المطيرة الكثيفة ولم يكن يسكنها غير الحيوانات والزواحف الضخمة، وكانت اشهر الثدييات الموجودة في تلك الغابات ذلك الوقت هو ما كان ينطلق عليه اسم «الطائر الفيل» الذي كان عبارة عن نوع من الطيور يصل طوله الى ثلاثة امتار، ويمكن ان يصل وزنه الى 300 كيلوغرام ويرى بعض العلماء انه اضخم طائر عاش على سطح البسيطة. الطائر الفيل ولم يكن «الطائر الفيل» هذا من الطيور الجارحة، حيث كان طائراً مسالماً للغاية، ولايزال يمكن العثور على بقايا من قواقع بيضه وهيكله في الساحل الجنوبي للبلاد حتى الآن. ومن منطلق هذا الثراء البيئي الذي تتمتع به هذه الجزيرة الافريقية، يهتم علماء البيئة والطيور والحيوان بمدغشقر بشكل خاص لسبر غور تلك الطبقة الكثيفة من الغابات التي تغلف هذه الدولة الافريقية وتمنحها طابعاً مميزاً عن جميع الدول الافريقية المجاورة. ومن ضمن العلماء الذين يبدون اهتماماً خاصاً بهذه البقعة السحرية من القارة الافريقية يأتي عالم النبات الفرنسي الدكتور فرانسيس هالي الذي يعد من ابرز علماء العالم المتخصصين في التنوع الحيوي للغابات المطيرة. ويبدي الدكتور هالي اهتماماً من نوع خاص بالطبقة العلوية من هذه الغابة. وفي فترة السبعينيات كانت الطريقة الوحيدة لدراسة مثل تلك الاجزاء من الغابات هي محاولة فحص الاشجار الساقطة او محاولة التسلق باستخدام الجبال وما ماثل ذلك، ولكن هذا الامر لم يكن يكفي في رأي هذا العالم الذي اراد بمساعدة مجموعة من الباحثين الآخرين الحصول على رؤيا اوسع لهذا الجزء المجهول من الغابات بالنسبة للعلماء. وبمرور السنوات ومع تكثيف الدراسات والتجارب توصل هالي بمساعدة صديق له يدعى دانت كليت ماريل الى فكرة تصميم منطاد ذي محرك يمكن ان يساعدهما ويساعد كل من يريد تقصي حقيقة تلك الاجزاء العلوية من الغابات. ومع استمرار التجارب والبحوث توصل هالي مع صديقه الطيار هاريل الى تصميم هذا المنطاد المزود بشبكات تمكن العلماء من اصطياد الحشرات والطيور الموجودة على سطح تلك الجنان الخضراء لاختبارها، ومعرفة سمات وخصائص حياتها ومعيشتها وتمكن علماء النبات من اخذ عينات من ورق واغصان تلك الاشجار. تنظيم الرحلات وبمرور السنوات توسع الاثنان في تنظيم الرحلات لعلماء النبات والحيوان في مختلف ارجاء العالم، وكانت البداية من مدغشقر الذي حظيت باهتمام خاص من هذا العالم الذي عمل على تنظيم معسكرات في مدغشقر للعلماء الراغبين في سبر غور الحياة النباتية والحيوانية في هذا البلد الافريقي. وبإضافة المزيد من التقنيات الحديثة الى تصميم المناطيد ذات المحركات اصبح العلماء يتمكنون من اجراء المزيد من الفحوصات والتجارب الاكثر عمقاً من خلال الاقتراب اكثر واكثر من تلك الطبقة الخضراء حيث غدا العلماء قادرين على المشي بل حتى الركض والاستلقاء على سطح تلك المساحات الكثيفة من ورق واغصان الشجر بمساعدة السكان الاصليين للبلاد. ومع استمرار التجارب والبحث في سطح تلك الغابات توصل هالي وفريقه العلمي الى عدة حقائق منها ان هذا البلد الافريقي ثري للغاية بالمواد الثمينة التي يمكن ان تساعده في دعم اقتصاده المتدهور، فقد ثبت غنى هذه الغابات بثروات من المضادات الحيوية الطبيعية والاعشاب الطبية الطبيعية التي قد تشفي اخطر الامراض اذا تم تطويعها بالشكل السليم، علاوة على العطور وصادات الحشرات. وتبين ان استغلال مثل تلك الثروة الطبيعية المهملة بجانب استغلال الامكانات السياحية الهائلة للبلاد يمكن ان يضمن مستقبلا مشرقا حيث تعد رابع اكبر جزيرة في العالم بعد غرينلاند ونيوغينيا وبورينو وتبلغ مساحتها 590 الف كيلومتر مربع اي انها تزيد مرتين ونصف المرة على مساحة بريطانيا. احصاءات حديثة وقد اثبتت احصاءات حديثة ان الغابات المطيرة لتلك الدولة تعد الاثرى في العالم فيما يتعلق بحجم الاشجار والحياة النباتية، حيث يوجد 170 فصلية مختلفة من اشجار النخيل، وعدد كبير منها يعتبر من الانواع النادرة. وقد لاقى مشروع بحث تلك الغابات عن طريق المناطيد اهتماماً كبيراً من بعض الشركات العالمية لما يعرف عن تلك المنطقة من ثراء طبيعي فريد، فقد قامت احدى الشركات السويسرية المتخصصة في العطور بتمويل ورعاية احد المعسكرات التي اقيمت مؤخراً منها للاستفادة من النتائج العلمية التي سيتوصل اليها العلماء فيما يتعلق بالاستفادة من القدر الهائل من العطور الطبيعية الموجودة على سطح تلك الغابات، حيث تقوم الشركة باستخدام وتطويع احدث التقنيات لتحويل تلك العطور الخام الى روائح طبيعية تدعم بها انتاجها. حاتم حسين

طباعة Email
تعليقات

تعليقات