أطفال الأرجنتين يدفعون ثمناً باهظاً لانتشار الفساد

الخميس 26 رجب 1423 هـ الموافق 3 أكتوبر 2002 ألقت الأزمة الاقتصادية الارجنتينية بظلالها الكئيبة على مختلف مناحي الحياة في الارجنتين وطالت الشرائح الاجتماعية المتوسطة والفقيرة فلم يعد بمقدور الناس، الذين فقدوا مدخراتهم في البنوك بعد تآكل قيمتها ان يؤمنوا متطلبات حياتهم اليومية الا بالكاد وبات الكثيرون منهم مشردين في الشوارع بلامأوى ولا فرصة عمل، وقد دفعتهم هذه الاوضاع الى النزول الى الشوارع للتعبير عن احتجاجهم ومطالبة المسئولين بمحاربة الفساد المستشري في البلاد واصلاح السياسات الاقتصادية المتبعة التي ادت الى هذا الواقع المرير ولكن الاحتجاجات قوبلت برد عنيف من جانب السلطات فسقط عدد من المتظاهرين واصيبت البلاد بحالة من الشلل دفعت المحللين السياسيين والاقتصاديين الى التشكيك في احتمال انتعاش الاوضاع الاقتصادية وتعافي البلاد من هذه الازمة المدمرة. وكانت شريحة الاطفال هي الاكثر تضررا من تدهور الاوضاع الاقتصادية في الارجنتين فقد ادى تراجع القدرة الشرائية لدى الاسر الى ارتفاع معدل الاصابة بسوء التغذية والامراض المصاحبة له، وزادت في الوقت نفسه ظاهرة تشغيل الاطفال واستغلالهم، وبات بالامكان مشاهدتهم وهم يبحثون في القمامة عما يسدون به رمقهم او اشياء قد تعود عليهم بقطع نقدية معدودة يساعدون بها في سد عوز عائلاتهم، ومنهم من يجوب الشوارع طول النهار بصحبة آبائهم لجمع القمامة وبيع ما يصلح منها لصناعة اعادة التدوير مقابل مبالغ زهيدة لاتكفي لسد حاجة الاسرة من الخبز. تقول ساندرا فيغورو (44 عاما)، وهي ام لاحد عشر طفلا هم ثمرة زواجين «ان اسوأ مشكلة تواجهنا هي الجوع، ففي بعض الاحيان يجلب زوجي طعاما وجده في القمامة فنقوم باعطائه الى اصغر الاطفال اولا. واحيانا يكون هناك ما يكفي لنا جميعا واحيانا لايتوفر ذلك، يبكي الاطفال من الجوع، ولا نملك الا ان نتحايل عليهم بالقول: ستحصلون على الطعام فيما بعد. في السابق، كنا نستطيع بمبلغ بيزوين (40 بنسا) ان نطبخ للعائلة كلها اما الآن فان هذا المبلغ لا يساوي شيئا. انها قصص معاناة حقيقية تعيشها الغالبية الساحقة من الشعب الارجنتيني الذي يلقي باللائمة في تردي الاحوال المعيشية على السلطات الحكومية والمؤسسات المصرفية التي نهبت اموال الشعب بغير وجه حق. تقول فاليريا كيروجا، وهي فتاة صغيرة تبلغ من العمر ثمانية اعوام ولديها سبعة اشقاء، انها تساعد والديها العاطلين عن العمل في البحث عن الاشياء المعدنية في مكب للنفايات في حي لاباز، الواقع جنوبي العاصمة بيونيس ايريس وتضيف: «جمعت اليوم قطعا حديدية وبعتها بـ 95 سنتافو (17 بنسا) اعطيتها لامي لتشتري لنا خبزا». منذ اندلاع الازمة في الارجنتين والناس لايتوقفون عن الانطلاق في المظاهرات والاحتجاجات في الشوارع، وبخاصة في العاصمة بيونيس ايريس، حيث يتجمهر الناس ثلاث مرات في الاسبوع في شوارع المدينة للاحتجاج على تجميد مدخرات عمرهم في البنوك وعلى انعدام فرص العمل والظروف المعيشية الصعبة. لقد اخذ اليأس يسيطر على الناس في الارجنتين وهناك شعور سائد بينهم مفاده ألا سبيل للخروج من هذا المستنقع على الاقل في المستقبل القريب. وتقول اولغا فلوريس، وهي موظفة سابقة في العلاقات العامة باحدى الشركات، عن المسئولين الحكوميين المتورطين في الفساد: «لقد رهنوا الارجنتين حتى عام 2030، والطفل الآن سيقضي حياته كلها في تسديد دين ترتب عليه قبل ان يتخلق في بطن امه». اغرب ما اسفرت عنه الازمة هو ظهور نواد للمقايضة يذهب الاشخاص اليها ليقايضوا بما لديهم اشياء يحتاجونها. وتقول روزا بيجيني (67 عاما) التي ترتاد مثل هذه النوادي: «لم اشاهد في حياتي من قبل اناسا يأكلون القمامة، ولكن الامر مألوف الآن وتساعدنا نوادي المقايضة على تدبير امورنا فأنا اصنع الكعك لكي اقايض به، ويتلقفه الجميع بلهفة من يدي». وحول الخيارات الضيقة المتاحة امام الاسر كثيرة العدد تقول نيديا كيروجا (46 عاما)، وهي ام لثمانية اطفال: «علينا ان نختار بين الملابس والطعام فأطفالي يترعرعون في ظروف تعيسة تماما وسينتهي بنا الحال جميعا الى الانتحار». وفي ظل هذه الظروف الصعبة، وربما من باب الترويح او العلاج يلجأ الارجنتينيون المحاصرون من تلك الظروف الى ممارسة رقصة التانغو لكن الامر المثير للمفارقة هو ان هذه الرقصة تعبر عن الألم، وعلى ما يبدو ان الارجنتينيين يحتاجون لمثل هذا الاسلوب التعبيري لايصال رسالتهم الى العالم. ضرار عمير

تعليقات

تعليقات