شيكوكو جزيرة صغيرة يجهلها اليابانيون

من بين الجزر الرئيسية الاربع التي تشكل منها أرخبيل اليابان، فإن جزيرة شيكوكو هي الأصغر والأقل من حيث المعرفة بها، حتى من قبل اليابانيين أنفسهم، مع ان من يعرفها يحس بأن الزمن ينتظر بطيئا في هذه الجزيرة. ويفصل بين شيكوكو وجزيرة هونشو ما يسمى بالبحر الداخلي، وهو بحر ضيق ترصعه ألوف الجزر الصغيرة التي تغطيها الصنوبريات أو الجبال البركانية التي ترتفع بفوهاتها نحو السماء. وفي اليابان يسمون هذا البحر باسم «سيتو نيكاي» أي «البحر ذو القنوات». ويمتد هذا البحر حوالي 300 ميل ويفصل بين جزر هونشو وكيوشو وشيكوكو. وطوال قرون كانت الرحلة الى شيكوكو تتطلب الانطلاق اليها في قوارب صغيرة، وهو ما زاد من عزلة الجزيرة وبعدها النسبيين، ولكن مع حلول عام 1988 أدى افتتاح جسر سيتو أوهاشي الهائل الى اكساب شيكوكو صلة برية بباقي أفراد العائلة اليابانية، وحين اكتماله كان الجسر أضخم مشروع ياباني في القرن العشرين، حيث بلغت تكاليفه 87 مليارات دولار. لكن مع ذلك لايزال السياح اليابانيون يفضلون المضي الى أماكن أكثر تألقا، مثل منتجعات التزلج أو جزر هاواي أو أوروبا. والنتيجة ان الجسر لم يقلل كثيرا من عزلة شيكوكو. غير ان السكان ليسوا حزينين لهذه العزلة أبدا، بل هم سعداء تماما. يقول شوزين تاكوتشي أحد المسئولين في الحكومة المحلية في الجزيرة: «ان شيكوكو هي اليابان القديمة الفعلية التي ربما لم تعد توجد في أي مكان آخر من أنحاء الأرخبيل، إن معظم اليابان أصبحت قلعة صناعية فقدت جمالها الطبيعي وحياتها التقليدية، لكن شيكوكو احتفظت بأصالتها». وهذه الحقيقة حاضرة بأوجه كثيرة، سواء في لهجة أبنائها المميزة عن غيرهم من اليابانيين أو الدفء الذي تتميز به شخصياتهم أو المشاهد الطبيعية الرائعة لجبالها المكسوة بالغابات والعشق للفنون والحرف التقليدية. لكن اضافة لكل ذلك تتميز شيكوكو عن غيرها من اليابان باعتبارها موطنا لزيارة هينيرو، فعلى الرغم من التضاريس الصعبة التي تغطي الجزيرة، فإن هذه العادة السنوية تشكل رابطة بين كل أهالي الجزيرة نفسيا وماديا. وهذه الرحلة ذات الطابع التأملي الروحي تتضمن زيارة 88 معبداً بوذيا تنتشر على طول شيكوكو وعرضها، وقد أقام هذه المعابد الـ 88 في القرن الثامن عشر كاهن بوذي اسمه كوبو داشي (عرف لاحقاً باسم كوكي) أو كما أسماه تلاميذ (شينجون) وقد شكلوا طائفة بوذية ذات مذهب مختلف. وفيما كان شاباً يبحث عن الحقيقة، ارتحل كوكي في ارجاء الجزيرة وفق مسار جعله اتباعه لاحقا مسارا لرحلتهم. واليوم يزور اليابانيون في كل انحاء البلاد جزيرة شيكوكو ليتبعوا خطى كوكي هذا. والى جانب اعتبار زيارة كل المعابد وهي 88 معبدا، وهو عدد العواطف الشيطانية في البشر ـ تبعاً للاعتقادات البوذية ـ هي هدف الحج، فإنهم يعتبرون زيارة مجرد معبد واحد رحلة تستحق القيام بها. ومن المفترض القيام بالرحلة باتجاه عقارب الساعة، حيث الدوران حول الجزيرة ابتداء بالمعبد رقم واحد، وهو الموجود في ريوزينجي، والانتهاء بالمعبد رقم 88 الموجود في أوكوبونجي. أما اليوم فإن أكثر البوذيين حرصا هو الذي يقوم بالرحلة كاملة على الأقدام، ذلك ان شركات السياحة والسفر بالحافلات تأخذ الألوف من اليابانيين في هذه الرحلة سنويا وهي التي قد تطول عدة أسابيع. لكن هناك الكثير من اليابانيين يقوم كل منهم بالرحلة بمفرده وذلك وفق برنامجه هو، وحتى انهم يدورون عكس عقارب الساعة ويستخدمون وسائل مواصلات عديدة ومختلفة مثل السيارات والقطارات وغيرها الى جانب المشي، إن أرادوا. جلال الخليل

طباعة Email
تعليقات

تعليقات