بساتين كربلاء .. جنة الله على الأرض

بيان 2: من المستحيل ان نصف شكلاً معيناً للجنة.. ولكن القرآن الكريم اغنانا بوصف مطلق جميل لها، حتى اصبحنا إذا رأينا منظراً جميلاً سارعنا إلى القول: انه اشبه بالجنة، دون ان نعرف شكل الجنة.. ومما وصفت بالجنة، المزارع والبساتين، إذ يطلق عليها مجازاً (جنة الله على الأرض).. فاللون الاخضر المتدرج للاشجار المختلفة وتلون الثمار واختلاف انواعها، وتدفق المياه واصوات الطيور المتنوعة، تجعل الانسان يشعر وكأن«الجنة» قد وجدت على الأرض.. ومما اعتدنا على معرفته هو لجوء اكثر العائلات الثرية إلى شراء بستان أو مزرعة، وتوفير وسائل الراحة فيها، لتكون مكاناً لقضاء ايام الاجازات والعطل.. فضلاً عن موردها المادي الذي تستفيد منه تلك العائلات. وفي العراق انتشرت البساتين بكثرة، وكثر مالكوها ومن ابرز اماكن تواجد البساتين محافظات ديالى وكربلاء والنجف واطراف بغداد، اضافة إلى البصرة وميسان، وبعض المدن الجنوبية الاخرى.. ونركز الحديث هنا عن بساتين مدينة كربلاء لنعرف تفاصيل منتجاتها وتاريخها.. «البوبيات» هي إحدى مناطق مدينة كربلاء، التي تتميز بوجود البساتين فيها.. حيث نرى على امتداد الطريق المؤدي إلى تلك البساتين نهراً صغيراً يمتد طويلاً، هو نهر الحسينية، ونرى البساتين على جانبيه.. اسوارها العالية وابوابها المحكمة.. طرقنا باب أحد البساتين واستقبلنا اصحابه بترحاب كبير.. فوجدنا ان الجنة التي تحدثوا عنها (حقيقة!) فأشجار النخيل تعلو شامخة لتداعب الشمس، والجدول الصغير يتمتع بجريان مائه العذب، حيث يلهو اطفال ملاك البستان.. ولأن الجو كان لطيفاً.. فأن شكل البستان اصبح اجمل، فقد انتشرت ازهار ملونة لثمار مختلفة كالرمان والبرتقال والليمون. بعد جولة ممتعة، ابتدرنا (احسان عبد العلي) بالسؤال: ـ انت صاحب هذا البستان الجميل؟ ـ انا أحد اصحابه فهو الارث الذي تركه والدي لي ولاخوتي. ـ ولماذا لم تبيعوه وتقسموا ارثكم؟ ـ من المستحيل بيع هذا البستان، الذي قضى ابي عمره فيه، وكان يحبه كما لو كان أحد اولاده.. كذلك فان اجمل ايامنا قضيناها هنا مع والدي.. وهو أيضا مكان للترفيه.. ففي ايام الاعياد تجتمع عوائلنا جميعها، رجالاً ونساء وا طفالاً، ونقضي اوقاتاً ممتعة، إذ نحمل طعامنا وكافة احتياجاتنا، ولا نعود الا عند مغيب الشمس، كذلك فان بعض مناسباتنا كأعياد الميلاد وحفلات الزواج نقيمها هنا، نظراً لسعة المساحة، حيث تستوعب اعداداً كبيرة من الناس، اضافة إلى طبيعة المكان الرائعة. مرافقات النخيل ـ وما هي انواع المزروعات في بساتينكم؟ ـ معظم الاشجار الموجودة في البستان، هي اشجار النخيل المتنوعة.. حيث الزهدي، والخستاوي والبربن وام البلاليز والخضراوي وغيرها من الانواع.. كذلك فأن اشجار البرتقال توجد بأنواع مختلفة.. فلدينا البرتقال العادي والبرتقال الدموي (أي ان لون الثمرة من الداخل احمر).. والسكري، والذي يعطي طعم الليمون الحو.. وكذلك لدينا اشجار الليمون والرمان والمشمش والسندي.. فهذه الاشجار تزرع كلها في ظلال النخيل، الذي يوفر لها المناخ الملائم.. واضافة إلى ذلك نزرع الخضار، مثل الباذنجان والباميا والسلق والسبانغ.. وكذلك اشجار التكي (التوت) والموز. ـ وما اكثر الاشجار التي تنجح زراعتها في هذه الارض؟ ـ النخيل والحمضيات، هي من اكثر منتوجاتنا.. حيث يكون موسم التمور صيفاً والحمضيات شتاءً. ـ وما دور الايدي العاملة في العناية بالبستان.. هل تستعينون بفلاحين؟ ـ في اكثر الاحيان نقوم نحن بالعناية بالبستان، لاننا ستة اخوة، واولادنا معنا.. وخاصة جني التمر.. إذ نصعد إلى اعالي النخيل ونقص التمر، ومن ثم نقوم بفرزه. ـ وهل تصدرون تموركم إلى الخارج؟ ـ نقوم بتعبئة التمور في اكياس، ونكبسها ونبيعها إلى وكلاء متخصصين بتصدير التمور، إذ يتولون بدورهم تصدير تمورنا إلى الخارج. ـ وماذا عن البرتقال.. وباقي الحمضيات؟ ـ انا لست متحيزاً. لكني ابالغ إذا قلت بأن البرتقال الكربلائي يفوق برتقال ديالى من حيث النوع.. إذ ان برتقال كربلاء يمتاز بحلاوته، وكثرة مائه، وقلة سمك قشره، أما برتقال ديالى فهو ذو قشر سميك، وقليل الماء.. تمييز الانواع الجيدة ـ وما دور الخبرة في تمييز الانواع الجيدة؟ ـ لولا خبرتي لما استطعت تمييز الانواع الجيدة من جميع انواع المزروعات التي نزرعها، عن الانواع الرديئة، حتى انني استطيع معرفة البرتقالة ذات المذاق الحلو من البرتقالة الحامضة بسهولة، من قشرتها. ـ وكيف ذلك؟ ـ (قام احسان، بأخذ برتقالة، وشم رائحتها، وقدمها لنا قائلاً: هذه برتقالة حلوة.. ومن ثم قدم لنا برتقالة أخرى بعد أن شم رائحتها أيضا، وقال.. هذه البرتقالة حامضة.. وطلب منا تذوق الاثنتين، والحكم على صحة كلامه..) ـ هذا شيء مثير كيف ميزت بين البرتقالتين؟ ـ شيء يأتي من الخبرة.. فانا اشم البرتقالة، فاذا كانت رائحة قشرها جيدة فان هذا يدل على انها حلوة، وان كان القشر بلا رائحة آو كانت رائحته ضعيفة فهذا دليل على حموضة البرتقالة. انتقلنا إلى مكان اخر البستان.. وفوجئنا بطنين النحل الذي يملأ الاذان.. نبهنا احسان إلى ضرورة المشي ببطء، وتغطية الوجه بأي شيء، وهكذا اجتزنا فيلق النحل بسلام، حتى وصلنا المكان لذي كان فيها هيثم عبد العلي، شقيق احسان الاصغر.. قلنا له: يبدو ان النحل يعود لك؟ ـ انهم اصدقائي المفضلون.. وهم لا يؤذون من يسير بينهم دون ان يلوح بيده كي يبعدهم.. ـ ما سبب تربيتك للنحل في البستان؟ ـ انها إحدى هواياتي.. لقد وجدت ان من السهل اعداد منحل في بيئة كبيئة البستان.. حيث الهواء النقي وانواع الزهور المختلفة.. ـ وهل تصنع العسل؟ ـ نعم.. فانا اقوم بتصنيع العسل الطبيعي، وبيعه، كي أضيف مورداً اخر إلى موردي المادي. ـ ومنذ متى وانت تعمل في البستان؟ ـ اشترى والدي البستان منذ عام 1963، وانا ولدت في عام 1967، لذا فقد ولدت ونشأت وترعرعت في البستان.. وقضيت فيه سنوات طفولتي وشبابي، وحتى الان اعمل مع اخوتي فيه. ـ والى أي زمن يعود تاريخ هذا البستان؟ ـ يعود تاريخه إلى سبعين سنة.. فمنذ الثلاثينات من القرن الماضي نشأ هذا البستان في هذه المنطقة.. واشتراه ابي بعد ثلاثين سنة من زراعته. ـ إذا فبستانكم هو المورد الرئيسي لكم؟ ـ ليس تماماً.. لان قلة الامطار وحرارة الجو، اضافة إلى ظروف الحصار.. ادت إلى قلة منتوجنا من كافة المزروعات، لذا فقد لجانا إلى اعمال أخرى إلى جانب البستان.. المصاهرة بين البساتين تركنا بستان عبد العلي هيكل، وتو جهنا إلى بستان حسن عاشور الذي يقطن في بستانه.. حيث رحب بنا كثيراً، واصر على ضرورة تناولنا الغداء في بيته.. فهذه هي عادات العرب في كرم الضيافة.. بعد ان اكملنا وجبة الغداء.. تجولنا في البستان، الذي لا يقل جمالاً عن البستان السابق. ـ حدثنا عن بستانك.. كيف تعيش فيه، مع ان أصحاب البساتين الاخرى يعيشون بعيداً عن بساتينهم، ويكتفون بتوظيف حارس ليحرس البستان؟ ـ منذ ان اشترى والدي البستان.. قام ببناء دار فيه، وانتقلنا إلى العيش هنا.. وبعد وفاة والدي وزواجي واخوتي.. بنينا دوراً متفرقة في البستان، فأصبح البستان عبارة عن جنة مسكونة.. إذ ان الحياة في البستان جميلة للغاية.. فنحن نباشر أعمال الزراعة في البستان بسهولة لقربنا منه.. ونساؤنا وابناؤنا يساعدوننا في تلك العملية.. اضافة إلى ان اجتماع عوائلنا مع بعضها ساعد على استمرارية قوة العلاقة فيما بيننا، والترابط العائلي يبن اولادنا ونسائنا أيضا. ـ وما الذي ينقصكم آو تعانون منه في البستان؟ ـ نعاني فقط من إنقطاع الماء في ايام الصيف اللاهبة، مما يؤدي إلى موت الكثير من الاشجار والمزروعات الاخرى.. ونضطر إلى انتظار مجيء الماء ليلاً والسهر حتى الفجر من اجل سقي المزروعات. ـ هل لديكم صلة بأصحاب باقي البساتين؟ ـ علاقتنا قوية مع أصحاب البساتين، حتى اصبحت بيننا علاقات مصاهرة ونسب. ـ وهل تزرعون نفس ما يزرعه أصحاب البساتين الاخرى؟ ـ نعم.. لان طبيعة الأرض واحدة.. وهي تتقبل نفس انواع المزروعات.. لذا فأننا نزرع محاصيل زراعية متشابهة. شجرة التوت الملونة ـ وما مدى قوة التنافس بينكم؟ ـ ليس هناك أي تنافس عدائي، لانهم كما قلت تربطنا بهم علاقات مصاهرة ونسب.. والرزق كما يقال على الله.. فهو يبعث الرزق لمن يشاء، ولكن لا يمنع ان يكون لكل منا وكلاء يتعامل معهم. ـ هل ان عمل نسائكم في البستان يمنعهن من التواصل مع المدينة، رغم قربها منكم؟ ـ ابدا.. كذلك هنا يواصلن الحياة بسهولة، ويتواصلن مع بقية اقربائهن في قلب المدينة.. كذلك فمعيشتنا هنا لا تمنع بعض نسائنا من دخول الجامعة واولادنا أيضا.. وبعضهن الاخر موظفات ومعلمات. ـ وما المواقف الخطرة التي قد تتعرضون لها؟ ـ وجود العقارب والافاعي في البستان.. فكثيراً ما تعرضت إلى لسع النحل، آو (الزنابير) وانا فوق النخلة اقص عذوق التمر.. لكننا بسبب تعودنا على الحياة هنا، فقد سيطرنا على مثل تلك المواقف. ـ هل قمتم بتجارب معينة على المزروعات؟ ـ نعم.. فنحن نقوم بتطعيم اشجار الحمضيات.. كذلك فقد قمنا بتجربة على إحدى اشجار التوت الضخمة.. فقد طعمناها بنوع من التوت الاحمر، وآخر ابيض، واخر طويل ( اصابع العروس )، ونجحت التجربة، واصبح شكل الشجرة جميلاً، حيث تتدلى من فروعها الثمار بالوان و مذاقات مختلفة. اخيراً لو اردنا اكمال جولة في بساتين كربلاء.. فان كتاباً كاملاً لا يكفي للتحدث عن هذه الجنان المزروعة على ارض كربلاء المقدسة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات