كتاب اليابان والشرق الاوسط، جسور الحوار العربية ـ اليابانية تمتد على مهل رغم العراقيل

بيان 2: العلاقات العربية اليابانية ما كان يمكن الا ان تشكل بالنسبة للكثيرين لغزاً محيراً طوال العقود الماضية، فالاتصالات بين العرب والمسلمين من ناحية واليابان من ناحية اخرى قديمة للغاية، بحيث ان بداياتها يلفها غموض القرون واستمراريتها وتراوحت بين الصعود والهبوط، بين الاتفاق والاختلاف وعلى الرغم من الأهمية الاقتصادية والسياسية الكبيرة التي تتمتع بها اليابان ومع الأهمية البارزة كذلك للنفط العربي الذي ساهم بشكل كبير في الطفرة الصناعية اليابانية الا ان العلاقات بين طوكيو والعواصم العربية لم تصل قط الى الحد الأدنى من التكامل والقوة المرجويين، ولم نستطع نحن العرب ان نكسب اليابان الى جانب قضايانا بصورة حقيقية، ولم نستطع ان نكتسب الخبرات اليابانية التي استفاد منها غيرنا في المنطقة. وهذا الكتاب يستمد جانباً من أهميته من انه يشدد على أهمية العلاقات بين الجانبين، ويلقي الضوء على تاريخها شبه المجهول ومنعطفاتها العديدة والآليات الكفيلة بتوثيقها ويركز بشكل خاص على العلاقات الثقافية والاقتصادية. مسافة كبيرة قوامها عشرة آلاف كيلومتر تشمل القارة الآسيوية والمحيطات تفصل اليابان عن الشرق الاوسط، وعلى الرغم من ان تلك المسافة الهائلة فرضت عوائق ثقافية ونفسية عديدة، الا ان حضارات الشرق الاوسط كان لها تأثير ليس بالقليل على تاريخ اليابان، وذلك على الرغم من الحقيقة القائلة ان الاتصالات كانت اساساً غير مباشرة وتعود الى قرون عديدة مضت. كان تأثير الشرق الاوسط على اليابان مهماً للغاية اكثر مما يتخيل الكثير من الناس، وهو ما أكده المؤرخ الياباني الشهير شنجي مايجما. كل ما نعرفه في هذا المجال قليل من التبادل الثقافي بين الشرق الاوسط واليابان، فقد اكتسب اليابانيون الكثير من معلوماتهم عن الشرق الاوسط عن طريق اتحادهم مع الاوروبيين منذ القرن السادس عشر، وعلى الرغم من ذلك كان اليابانيون قد بدأوا في الاستفادة من تلك الاتصالات غير المباشرة مع الشرق الاوسط مبكراً عن طريق علاقاتهم مع الصين. خلال عهد امبراطورية التانج (630-894) توجه السفراء والمبعوثون اليابانيون الى الصين حيث جرت اول اتصالات رسمية بينهم وبين المبعوثين من الشرق الاوسط في مقر الحكم الصيني، ولا شك في ان المبعوثين اليابانيين قد التقوا ايضاً مع هؤلاء الاشخاص الذين كانوا يجلسون بطريقة غير رسمية في الشوارع والمسارح. ويعد كتاب «شوكو ينهونج» الذي ألفه نائب السفير الياباني لدى امبراطورية التانج عام 753 هو اقدم وثيقة توضح اهتمام اليابانيين بالمسلمين، فقد جاء في هذا الكتاب ان المؤلف شاهد مبعوثين اجانب يعتقد انهم مسلمون من الجزيرة العربية. كان اليابانيون في ذلك الوقت على علم ودراية بوجود الدول الاسلامية ففي الفترة ما بين عامي 623 و1253 كانت الدول الاسلامية قد نشرت نفوذها على معظم ارجاء آسيا تقريباً. وقد اجرى اليابانيون اتصالات مع التجار المسلمين الذين كان يطلق عليهم لقب «تازي» المحرفة من كلمة «تاجر» العربية على نحو جلي. وهناك دليل آخر على العلاقات العريقة لليابان مع ثقافة الشرق الاوسط، وهو كنوز شوزوان التي توجد حالياً في دار المقتنيات الملكية في نارا، وهذه الكنوز تخص ميراث الامبراطور شومو في منتصف القرن الثامن والتي جلبها من الصين خلال عهد امبراطورية التانج، عندما كان الصينيون يفرضون نفوذهم عبر طريق الحرير على العديد من أقاليم غربي اسيا. وكانت هذه الكنوز تتكون من أدوية وأوان زجاجية وآلات موسيقية ومن أبرز المقتنيات فيها على سبيل المثال، نوع من المراهم الطبية صنع في بلاد فارس وبعض الآنية المتخذة من الكريستال وغيرها من الكنوز التي كانت تعكس حضارة الشرق الأوسط. لم تكن الاتصالات الشخصية المباشرة بين اليابانيين وشعوب الشرق الاوسط قائمة او موجودة حتى اوائل القرن الثالث عشر، وفي ذلك الوقت قدم الكاهن البوذي كيوسي من كيوتو دليلاً على لقائه مع شخص فارسي بعد زيارته حاوية فارسية في ميناء كانتون الصيني عام 1217، وقد أهدى هذا الشخص الفارسي للكاهن البوذي رباعيتين شعريتين لا تزالان موجودتين حتى الآن، واكد المستشرق الفرنسي بول بيليو ان هذه الرباعيات هي اقدم وثيقة عربية مكتوبة في الشرق الاقصى. لعبت التجارة بين اليابان والصين دوراً كبيراً في تشجيع الاتصالات اليابانية مع الشرق الاوسط، وقد لاحظ اليابانيون وجود معاهد للدراسات الاسلامية الشرق أوسطية انشئت عام 1457 لتدريب المترجمين في الصين. كذلك لاحظ مبعوث ياباني وجود مسلمين في بكين عام 1457 ولاحظ ان خطاباتهم كانت باللغة العربية. وقام الامبراطور شوجان اشيكاجا يوشيميتسو خلال الفترة من 397 الى 1408 بتعيين مستشار فني عربي وذلك من اجل المساعدة في تقنية الملاحة وبناء السفن، بعد ذلك قام اليابانيون باتصالات مباشرة مع المسلمين على الشواطئ اليابانية ذاتها. وفي اطار توسيع دائرة نفوذهم قام المسلمون وخاصة التجار باكتساب المعلومات حول جغرافيا العالم، وبالتالي رسموا اولى خرائط العالم وبمساعدة التطويرات الملاحية اتجه التجار المسلمون الى بحار غير معلومة بهدف الحصول على بضائع جديدة. وفيما بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر اشار التجار المسلمون في وثائقهم الى بلاد «الواقواق» او «الواكوك» او «واكو» وكانوا يقصدون بذلك اليابان. وكانت بلاد «الواقواق» تعرف على انها بلد غني بانتاج الذهب الى الدرجة التي تحلى فيها الكلاب بعقود من الذهب حول رقابها وكانت اطقم الجياد تصنع ايضاً من الذهب. وعلى الرغم من انها كانت ترمز الى اليابان الا ان كلمة «الواقواق» اعطاها المؤرخ ابن خلدون في القرن الرابع عشر موقعاً غير صحيح حيث كتب يقول: «ان جزر الواقواق تقع في جنوب الصين والى الشرق منها تقع جزر سيلا وفي هذه المنطقة المناخية، هناك جزر عديدة تنتج البخور والذهب والزمرد ومعظم سكانها من عبدة الاوثان». لكن الرحالة والمؤرخ الشهير ابن بطوطة الذي زار الصين عام 1347 لم يشر على الاطلاق الى الواقواق او سيلا. في ذلك الوقت بدأ الاوروبيون في جمع المعلومات عن اليابان، وفي القرن الثالث عشر عندما قام ماركو بولو برحلته الكبرى الى الصين، حيث سمع اقاويل كثيرة عن جزر شيبانجو (اليابان). وامتدت العلاقات اليابانية الشرق أوسطية بعد ذلك حيث اعرب الكثير من الشعراء والمؤلفين عن اعجابهم الشديد بانتصار اليابان الساحق على الاسطول الروسي في بحر اليابان، وبالأمس القريب كتب الشاعر المصري حافظ ابراهيم قصيدة عن «العذارى اليابانيات» يمتدح فيها الممرضات اليابانيات اللائي ذهبن الى ميدان القتال لمداواة الجرحى. كما ألف الزعيم الوطني مصطفى كامل كتاباً بعنوان «بلاد الشمس المشرقة» ودعا الى ايقاظ الوعي الوطني المصري على غرار تجربة التحديث اليابانية. اليابان ودبلوماسية النفط في عام 1973 اصيبت اليابان بصدمة عنيفة، بسبب ازمة النفط التي حدثت في ذلك العام، ولأنها تعتمد على الشرق الاوسط بنسبة 80% من احتياجاتها من النفط فقد بادرت الى تبني دبلوماسية النفط او دبلوماسية الموارد. ولم تكن هذه هي المرة الاولى التي تحاول فيها اليابان، الحصول على النفط بالوسائل الدبلوماسية، وفي ربيع عام 1939 ارسلت اليابان مبعوثاً سرياً الى المملكة العربية السعودية، كان السبب المعلن لهذه الزيارة هو الرد على الزيارة التي قام بها المبعوث السياسي السعودي لدى بريطانيا العظمى الشيخ حافظ وهبة الى اليابان بمناسبة افتتاح مسجد في يويوحي اوهارا في العاصمة طوكيو في شهر مايو عام 1938. اما السبب الحقيقي للزيارة فهو التفاوض مع المسئولين السعوديين حول الحصول على حقوق الامتياز لليابان للتنقيب عن النفط السعودي، ولهذا الغرض اختارت اليابان دبلوماسياً رفيع المستوى في المنطقة لهذه المهمة، وهو المبعوث السياسي لدى مصر تومويوشي يوكوياما. ومعروف انه لم يتم اكتشاف النفط التجاري في منطقة الخليج الا في العقد الاول من القرن العشرين، حيث بدأت القوى الغربية سعيها الدؤوب للسيطرة على نفط الخليج. في الثلاثينيات من القرن العشرين عندما دخلت اليابان منشوريا المنغولية انسحبت من عصبة الأمم، واقتربت من قوات المحور واصبحت تدرك منذ ذلك الوقت الأهمية الاستراتيجية للشرق الاوسط وفي مايو 1937 ومع اندلاع الحرب الصينية اليابانية، بدأت اليابان تبدي اهتماماً كبيراً بالشرق الاوسط، باعتباره المنطقة المحتملة للنفط الذي تحتاجه لصناعاتها الثقيلة وآلتها العسكرية المتزايدة، لكنها جاءت متأخرة، حيث استبعدتها القوى الغربية. استمرت مهمة يوكوياما في السعودية قرابة شهر كامل، استغرقته المفاوضات بين اليابانيين والمفاوضين السعوديين برئاسة الشيخ يوسف الياسين، وقد عرضت السعودية على اليابان حقوق الامتياز النفطي في ثلاث مناطق. وابرق يوكوياما الى رئيس وزرائه في طوكيو البرقية التالية الخاصة بحقوق الامتياز: 1- أوضح الجانب السعودي ان مناطق التنقيب عن النفط المتاحة والتي بدأت المباحثات حولها بالفعل مع الشركات الامريكية هي: أ- المنطقة المحايدة بين الكويت والمملكة العربية السعودية. ب- وادي السرحان. ج- المنطقة الواقعة غرب صحراء الدهناء. 2- اذا قبلت اليابان ان تدفع فوراً ما يعادل مئتي ألف جنيه استرليني ذهبا، واذا قبلت تطبيق الشروط المنصوص عليها في الاتفاقية الموقعة بين العراق وشركة تنمية النفط البريطانية فسيقوم السعوديون بوقف المباحثات الجارية مع الشريك الامريكي واعطاء الأولوية للجانب الياباني. 3- من وجهة نظر المبعوث الياباني فإن المنطقة «أ» ستكون خاضعة للمفاوضات مع السلطات، ولكن من المتوقع مواجهة صعوبات سياسية خطيرة اما بالنسبة للمنطقتين «ب»، «ج» فليس الواقع ان احتياطي النفط فيها غير معروف فقط، لكن ايضاً فإن موقعيهما يجعلان جدوى التنمية فيهما غائبة، من حيث المعدات والتسهيلات، حتى وان ثبت وجود نفط وعلى اي حال فقد بدا للوفد الياباني ان الاقتراح السعودي مرفوض جملة وتفصيلاً. 4- على الرغم من ذلك فإن الجانب السعودي قد أبدى لمسة ايجابية وذلك بالترحيب بدخول اليابان في معاهدات حقوق الامتياز من اجل تفادي الاحتكار البريطاني ـ الامريكي. 5- وما دام الجانب السعودي قد طلب مني نقل العروض اليكم، فقد وجدت من واجبي ان اكتب هذا التقرير اليكم وفي انتظار تعليمات طوكيو. ورد اليابانيون على السعوديين باقتراحات مضادة لكن المفاوضات وصلت الى طريق مسدود في نهاية المطاف، وهكذا فقدت اليابان فرصة العمر النفطية في الشرق الاوسط. على خطى الحاج عمر أدت استراتيجية النفط العربية عام 1973 في الضغط على اليابان والدول الصناعية الغربية الاخرى للوقوف الى جانب القضية العربية الى جعل اليابان تسارع بالاهتمام بمصالحها في الشرق الاوسط او في المناطق ذات الثقافة والحضارة الاسلامية في كل مكان ونتيجة لذلك شرعت اليابان في انشاء مركز للدراسات اللغوية (العربية والفارسية) والابحاث الاقليمية على نحو غير مسبوق وبعمق غير متصور. وقد اعتنق عدد من اليابانيين الاسلام نتيجة للاتصالات بين اليابانيين والمسلمين في القارة الصينية وجنوب شرق آسيا، وكان اول ياباني يؤدي فريضة الحج هو الحاج عمر كوتارو ياموكا (1880-1959) وذلك في عام 1909 فبعد ان تخرج من قسم الدراسات الروسية اليابانية وقد لاقى ترحيباً كبيراً في مكة باعتباره احد رعايا الدولة الآسيوية المنتصرة التي هزمت روسيا القيصرية. وقد تبع الحاج عمر بعد ذلك في طريق الاسلام محمد نور ايبي تاناكا (1882-1934) الكاهن البوذي الذي ادرك اهمية السياسة الاسلامية. وبلغ عدد اليابانيين الذين اعتنقوا الاسلام قبل بداية الحرب العالمية الثانية 22 يابانياً. وعلى الرغم من كل ذلك، فإن الاتصالات الحقيقية بين اليابانيين والمسلمين على نطاق واسع لم تبدأ حتى اندلاع حرب المحيط الهادي في جنوب شرق آسيا. في الثلاثينيات بدأت بعض الفعاليات اليابانية الدعاية التي استهدفت تأكيد ان اليابان حامية للاسلام وان العديد من الطلبة اليابانيين ارسلوا الى جامعة الازهر في القاهرة بهدف تعلم الدراسات الاسلامية كذلك شجعت السلطات اليابانية الطلبة والمعلمين المسلمين من الشرق الاوسط والدول الآسيوية على القدوم الى اليابان ولا يمكن فصل اهتمام اليابان المتزايد بالعالم الاسلامي في ذلك الوقت عن اهتمامها العميق بمصادر النفط. وقد ساعد الاحتلال العسكري الياباني لاندونيسيا على فهم طوكيو للمشكلات المختلفة التي تواجه اتصال اليابان المباشر مع المجتمعات الاسلامية الاخرى بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة علاقاتها مع العرب والايرانيين في منطقة الشرق الاوسط. طوكيو واستراتيجية النفط خلال العشرة او الخمسة عشر عاماً التي سبقت أزمة النفط عام 1973 كان النمو الاقتصادي الياباني المتسارع يعتمد أساساً على النفط المستورد الرخيص، ولأن اليابان لم تكن لديها موارد نفط محلية، فقد كانت تستورد 75% من احتياجاتها من النفط عام 1972 والاكثر من ذلك ان الدول العربية الاعضاء في منظمة اوبك جاءت لكي تعرض 40% من تلك الاحتياجات النفطية. كانت اليابان مثل الطفل زائد الوزن الذي يتغذى على النفط المستورد، رخيص الثمن، لكن شهر العسل هذا لم يدم طويلاً ففي نوفمبر 1973 انخفضت صادرات النفط العربية الى اليابان بنسبة 25% واعتبر العرب اليابان دولة غير صديقة. وقد انعكست السياسة اليابانية نحو العرب تبعاً لذلك وتمثل ذلك في مواقفها تجاه أزمة الرهائن في السفارة الامريكية في ايران والغزو السوفييتي لأفغانستان وفي الحرب الايرانية العراقية. عندما تبنت الامم المتحدة قرار تقسيم فلسطين عام 1947، وانشئت دولة اسرائيل عام 1948 كانت اليابان الدولة المهزومة في الحرب العالمية الثانية دولة خارج المجتمع الدولي وبعد دخولها الامم المتحدة اتخذت طوكيو موقفاً محايداً من الصراع العربي ـ الاسرائيلي والقضية الفلسطينية وتجنبت اي تدخل سياسي جاد في هذه القضية وكان اقصى مساعدة تقدمها اليابان للفلسطينيين هي تبرعاتها لوكالة غوث اللاجئين (الاونروا) وتزايدت المساعدات من هذا النوع الى ان بلغت خمسة ملايين دولار عام 1983 لتأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة. في 14 نوفمبر 1973 وفي اعقاب رحلته الى الصين ضغط كبار القادة اليابانيين على وزير الخارجية الامريكي هنري كيسنجر لتكثيف جهوده من اجل ايجاد تسوية لمشكلة الشرق الأوسط للحيلولة دون حدوث أزمة نفطية قد تهدد اليابان، وقالوا ان معدل النمو الاقتصادي الضخم الذي حققته اليابان في السنوات الاخيرة قد يهبط الى الصفر في اعقاب انخفاض الموارد النفطية بنسبة 10%. وحتى تستأنف الدول العربية ارسال شحناتها النفطية الى اليابان، طلبوا من كيسنجر ان يستخدم نفوذه مع شركات النفط العالمية ـ ومعظمها شركات امريكية ـ لضمان حصة اليابان من الموارد النفطية المتاحة، وألمحوا اليه انهم قد يتخذون موقفاً مسانداً للعرب في صراعهم مع اسرائيل ما لم يتحقق هذا الضمان حيث ذكرت بعض التقارير الصحفية التي نشرت في اليابان ان شحنات النفط المرسلة الى اليابان يتم التخطيط لتحويلها الى الغرب لكن كيسنجر أبلغ القادة اليابانيين في الثامن عشر من نوفمبر 1973 بأنه لا يضمن ذلك. وفي اليوم نفسه اصدر الاتحاد الاوروبي بياناً يؤيد العرب وبناء على تأييد من مجلس الوزراء ودوائر رجال الاعمال اصدرت اليابان في الثاني والعشرين من نوفمبر بياناً جاء فيه: 1- ضرورة انسحاب اسرائيل من جميع الاراضي التي احتلتها في حرب يونيو 1967. 2- ان اليابان تعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفقاً لميثاق الامم المتحدة لاحلال السلام الدائم والعادل في الشرق الاوسط. 3- ان الحكومة اليابانية قد تعيد النظر في سياستها تجاه اسرائيل بناء على التطورات المستقبلية. وقد تلقى الشعب الياباني هذا البيان بارتياح واهتمام شديدين فلم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية ان اصدرت اليابان تصريحاً يمس مباشرة حياة الشعب. وردت الولايات المتحدة على هذا البيان بقولها ان موقف اليابان قد ادى الى عرقلة التسوية السلمية في الشرق الأوسط وكان الرد الامريكي هو اول بيان سلبي ضد أحد حلفائها، فيما يتعلق بسياستها في الشرق الاوسط. وفي السادس والعشرين من نوفمبر اصدرت الخارجية الاسرائيلية بياناً اكدت فيه ان المبادئ التي اعتمد عليها البيان الياباني تمثل انحرافاً عن السياسة المعلنة والتي تمثل الحياد الكامل لليابان باتجاه اطراف النزاع. وكان الرد العربي على البيان الياباني سريعاً، اذ اعتبر وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم بالجزائر في 28 نوفمبر 1973 اليابان دولة صديقة وفي اليوم نفسه اعتمدت اليابان مبلغ 5 ملايين دولار لصالح وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، كما ارسلت مبعوثاً رفيع المستوى الى الشرق الاوسط لتوضيح موقفها الجديد وتسهيل الاتصالات مع العرب فيما يتعلق بالمشكلة القائمة وتقديم عروض للمساعدة الاقتصادية والتقنية. وفي 8 ديسمبر عين مجلس الوزراء الياباني تاكيو ميكي ـ الذي أصبح فيما بعد نائب رئيس الوزراء ـ مبعوثاً خاصاً في جولة شملت 8 دول عربية من بينها دولة الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر خلال الشهر نفسه. وقالت الصحف اليابانية انه للمرة الاولى ترسل اليابان مبعوثاً رفيع المستوى الى المنطقة لهدف محدد وهو تدعيم العلاقات اليابانية مع دول المنطقة. وأفادت التقارير انه طلب من هذا المبعوث ضرورة تدعيم العلاقات مع بعض الزعماء العرب مثل الملك فيصل والرئيس السادات وقد جاء اختيار تاكيو ميكي لهذه المهمة على خلفية انه شغل منصب وزير الخارجية عام 1967 عندما اصدر مجلس الامن القرار رقم 242 وبالتالي كان الرجل الأنسب لهذه المهمة. وخلال لقائه مع ميكي بعد ان استمع الى وجهة نظره ابلغه العاهل السعودي الملك فيصل انه يعتبر اليابان دولة صديقة، ولم يستطع ميكي اخفاء سعادته واستأذن الملك فيصل في ان يبلغ ذلك الى حكومته وشعبه من خلال وسائل الاعلام المرافقة له، فوافق الملك فيصل على الفور. وفي المحطة الثانية له ـ مصر ـ فهم القادة المصريون مغزى الزيارة، وهو تصحيح المسار الياباني تجاه العرب من خلال نتائج مباحثات المبعوث الياباني في المملكة العربية السعودية، وأعلن هذا المبعوث في القاهرة تبرع اليابان بمبلغ 280 مليون دولار للمساهمة في توسيع قناة السويس وتعميق مجراها. وفي السنوات الاخيرة أبدت اليابان اهتماماً كبيراً بعلاقاتها الثقافية واللغوية مع الشرق الاوسط، حيث يعيش اعداد كبيرة من اليابانيين في المنطقة العربية وهناك شركات يابانية متزايدة تعمل فيها اضافة الى الاعداد المتزايدة من السياح اليابانيين الى الشرق الاوسط. والتبادل الطلابي قائم حالياً ليس فقط من الطلاب العرب الى اليابان ولكن من الطلاب اليابانيين الى كل من مصر والعراق وايران وافغانستان وليبيا والمملكة العربية السعودية وتركيا. وفي عام 1975 كان عشرة طلاب يابانيين يدرسون في مصر مقابل طالب واحد يدرس في اسرائيل وفي عام 76 كان 15 طالباً يابانياً يدرسون في مصر وثلاثة في ليبيا عام 1975 وثلاثة طلاب يدرسون في كل من تركيا وايران 1968 و6 طلاب الى المملكة العربية السعودية 1976. ويشيد الكتاب بالعلاقات الثقافية بين العرب واليابان وخاصة مع دول الخليج وعلى رأسها دولة الامارات التي درس في جامعتها بالعين عدد غير قليل من الطلبة اليابانيين غير انه يترك علامات الاستفهام المعلقة حول جوانب شتى من التعاون الياباني ـ العربي معلقة بلا اجابة وهو موقف ياباني تقليدي يتم تبنيه عادة لدى الرغبة اليابانية في تجنب الالتزام وحسم المواقف بخطى محددة تترتب عليها التزامات واضحة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات