غواصو اليوم كاسحات ألغام سلاحها التقنية والخبرة

ألقيت خلال الحرب العالمية الثانية، اعداد لاتحصى من القنابل والالغام في مياه البحار، وحتى الان لم يتم التخلص من اخطارها باستثناء نسبة ضئيلة منها فقط، وفي كل عام يستدعى الاسطول الملكي البريطاني لابطال مفعول عدد يصل الى 1000 لغم من هذه الالغام، التي يوجد معظمها تحت مستوى سطح الماء، وهنا يأتي دور رجال وحدات الغوص الخاصة المدربين بشكل جيد على التعامل مع هذه القنابل التي لا يمكن التنبؤ بها، وفضلا عن مهام التخلص من العبوات المتفجرة البحرية، يضطلع هؤلاء ايضا بمسئولية عمليات الانقاذ التي تتم تحت سطح البحر، ومؤخرا، اصبحوا مسئولين عن اعمال الانقاذ في المياه الضحلة جدا التي يتراوح عمقها من 24 مترا الى مستوى الامواج المنكسرة على الشاطيء. وقد ادت الخبرات المتراكمة خلال حرب الخليج الثانية ونهاية الحرب الباردة الى اعادة تقويم دور الغواص في الحرب الحديثة. ذلك الدور الذي تعجز عنه الآلة او الاسلحة الاستراتيجية، وينهض بمسئولياته العنصر البشري وحده، ففي الحروب الساحلية او القريبة من الشواطيء، يضطلع هؤلاء الرجال الشجعان بمهمة مسح الرأس الساحلي الذي ستهبط فيه طليعة القوات للتأكد من خلوه من الالغام ولجمع المعلومات الاستخباراتية وتفقد الطبوغرافيا المحلية قبيل الانزال البرمائي. وبسبب حساسية هذا النوع من المهام الجسورة واهميته يتعين على الاشخاص الراغبين بالانضمام الى وحدات الغواصين الخاصة ان يجتازوا اولا اختبار الاهلية، فور الانتهاء من دورة التدريبات الاساسية ويخفق نصف المرشحين في مواجهة هذا المحك المصمم لاختبار اللياقة من خلال الجري لمسافة خمسة كيلومترات في كل مرة وتدريبات الدوران والسباحة لمسافات طويلة في بحيرة هورسي في بورتسماوث، وفي وقت مبكر من هذا البرنامج القاسي الذي يستمر اسبوعا كاملا، يتم اختبار قدرة المتدربين على التكيف مع الضغط في حجرة خاصة تحاكي ظروف الضغط على عمق 42 مترا، وذلك لاختبار مدى قابليتهم للتعرض لـ «نشوة الاعماق» او ما يعرف بخدر النتروجين، وهي حالة ينجم عنها سلوك غريب الاطوار في الاعماق. ويتم ايضا تقويم مدى قابليتهم النفسية لاضطراب «رهاب الاحتجاز» وهو خوف مرضي في الاماكن المغلقة والضيقة، والاشخاص الذين يجتازون اختبارات الاهلية بنجاح ينتقلون الى برنامج اخر يستمر 17 اسبوعا يتضمن التدريب على كافة تجهيزات الغوص المستخدمة في البحرية البريطانية، وخلال هذه الفترة يتم تكليف المتدربين بواجبات على درجة عالية من الصعوبة والاجهاد لاختبار مدى جلدهم وقدرتهم على الاحتمال في اقسى الظروف. واضافة للتدريب على كل الامور المتعلقة بالغوص، يتعلم هؤلاء الرجال المهارات والمعلومات النظرية الضرورية للتعامل مع المتفجرات ويتدربون على استخدام الادوات تحت الماء وعلى الاسعافات الاولية في البيئات المائية، وبعد ذلك يمضي الغواص المؤهل حديثا 18 شهرا على متن كاسحة الغام، قبل ان تتاح لهم فرصة الالتحاق بإحدى وحدات الغوص. يمتلك الاسطول البريطاني الملكي التجهيزات والكوادر المتخصصة اللازمة لتنفيذ العمليات في المياه الضحلة، وهو ما يعني مواجهة الالغام في مياه تكون فيها درجة الرؤية متدنية جدا او حتى معدومة احيانا وسط الامواج المتكسرة على الشواطيء والشواطيء المراقبة امنيا ان القدرة على التسلل وجمع المعلومات الاستخباراتية ومغادرة المكان من دون اثارة انتباه العدو، تقع في صميم الكفاءات التي يجب ان يمتلكها الغواص، ولتجنب تفجير الالغام عن طريق الخطأ، يجب ان تكون تجهيزات الغواص هادئة جدا، لا يصدر عنها صوت قرقعة او ما شابه بحيث تكون الشارات الصوتية والمغنطيسية المنبعثة عنها ضعيفة قدر الامكان، ولذلك فإن تجهيزات الغواص تصنع من البلاستيك او المعادن غير الحديدية، كما ان الطبيعة السرية للعديد من المهام تحتم عدم انطلاق فقاعات في الغواص، وهذا ما جعل الاسطول الملكي يبحث عن وحدة تنفس ذات دارة مغلقة، ومفهوم هذه الوحدة بسيط حيث يتم امداد الغاز للغواص، ويتم «غسل» غاز الزفير من ثاني اكسيد الكربون واضافة اكسجين اضافي للتعويض عن الاكسجين الذي يتم استقلابه في الرئتين، ولا تنطلق في هذه الحالة اية فقاعات لان العملية بأسرها تتم ضمن دارة مغلقة. وكذلك فإن اعادة تقويم دور الغواص افضت ايضا الى تطوير نموذج اولي عن نظام الاستطلاع الغواص «ساتان» الذي يساعد الغواصين على الملاحة المائية بالاسترشاد بانعكاسات امواج السونار الصوتية. ويتألف النظام من عنصرين مكونين رئيسيين: سونار امامي يسجل تفاصيل الطبوغرافيا تحت المائية ويلتقط مواقع الالغام المستهدفة المحتملة بحيث يمكن بعد ذلك تحميل تلك البيانات على جهاز كمبيوتر موجود على متن السفينة والجزء الثاني هو نظام توجيهي يتيح للغواص معرفة موقعه بالنسبة لشبكة احداثيات سمتية. وفي ظل التطورات التي طرأت على مفهوم ودور الغواص في الحرب الحديثة والعناية الخاصة التي يوليها الاسطول الملكي لوحدات الغوص، اصبح الغواصون موضع افتخار واعتزاز في البحرية البريطانية العريقة. فإن المراقبين يرون الان في اولئك الرجال جنودا ماهرين يمكن الاستفادة من خبراتهم الطويلة والمثيرة في التعامل مع الالغام في افغانستان او اي مسرح مشابه في العالم. علي محمد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات