بركان اتنا يثير لدى الكثيرين الشعور بالبرد في قلب الجحيم

صورة

طوال 24 يوما من الصيف الماضي، قدم جبل إتنا اكثر عروضه من الالعاب النارية اثارة خلال عقد كامل من الزمان، واعادت انهار الحمم المنصهرة ونوافير النار التي راقبها العلماء عن كثب المخاوف لأولئك الذين يعيشون في ظل بركان جزيرة صقلية الشهير هذا، وادى النشاط البركاني في تلك الايام المعدودة لظهور قمة بركانية ترتفع 6900 قدم فوق السطح الجنوبي الشرقي لجبل اتنا وهو يقذف بالرماد والصخور الحارة، اما الامواج الصوتية للانفجارات فكانت تهز النوافذ على بعد 20 ميلا عن موقع البركان. هل جربت الشعور بالبرد وسط جهنم؟ هذا هو اول جواب يرد به العلماء الذين راقبوا نشاط البركان عن كثب طوال تلك الايام، ليس هذا فحسب بل ان البخار الكبريتي المتصاعد من البركان ونقص الاوكسجين نتيجة الارتفاع يجعلان من الصعب على الانسان ان يتنفس. ومع ذلك يقرر هؤلاء وهم يقفون على ارتفاع 2500 قدم على جانب جبل اتنا ان يصبحوا اسرى بمحض ارادتهم لهذا المشهد الجهنمي. تحت تلك القمة بالف قدم وسط واد من الصخور البركانية السوداء، يدعى «بيانو ديل لاجو»، ترتفع قمة اولى لم تكن موجودة قبل انفجار البركان، وهي تقذف بدفقات الحمم التي يبلغ حجمها حجم السيارات مئات من الامتار في الهواء ثم بعد ذلك يمكن سماع صوت هذه الكتل وهي ترتطم بالارض، بعد سقوطها من عل وتتدحرج نزولا على جوانب القمة. وبجانب هذه القمة كانت الحمم تتدفق ايضا من فوهة اخرى اصغر حجما لكنها لاتقل نشاطا وتنصب انهار الصهارة الحمراء من الصدوع في جوانب القمة الوليدة مطلقة الدخان والرماد في الاجواء، واذا ما اقترب المرء من الصهارة وتحمل حمأتها فسيسمع طقطقتها وهي تنساب كصوت زجاج يتكسر. بركان جبل إتنا هو اكثر براكين اوروبا النشطة ارتفاعا حوالي 11 الف قدم، ويشكل مركز الجزء الشمالي من جزيرة صقلية، اكبر جزر البحر المتوسط، حيث كان دائما حاضرا في ثقافات الحضارات التي تعاقبت على الهيمنة على هذا البحر. عام 387 قبل الميلاد ابحر افلاطون من البر الرئيسي من اليونان الى صقلية لمجرد ان يشاهد هذا الجبل وتقول الاساطير الاغريقية ان اوديسيوس تعرض للرجم بالحجارة من السيكلوبات التي تقطن هذا الجبل البركاني اما الرومان فاعتبروه ورشة رب الحديد والنار في زعمهم فيما صنع العرب في القرن التاسع عشر حلوى منكهة من ثلوج قمته. وقد زاد نشاط بركان إتنا في ايقاعه على مدى السنوات الخمسين الماضية، وهو لا يتوقف عن اطلاق الدخان ابدا، ولأن انفجاراته تحدث عادة عند قمة الجبل، ولكون حممه تتدفق نحو الاراضي المنخفضة بشكل تدريجي فنادرا ما يؤدي نشاطه لايقاع ضحايا من البشر. وبلغت كثافة نشاطه الصيف الماضي درجة جعلت غيوم الرماد تتحرك سريعا نحو ليبيا لتعبرها وتصل الصحراء الكبرى. لكن احداث الصيف كانت مختلفة قليلا عن العادة يقول كارستين بيتر الخبير بمراقبة بركان إتنا: لم ار من قبل هذا الكم من التطورات تحدث بشكل متزامن في بركان إتنا وكان هذا الصيف فرصة فريدة للعلماء لمراقبة السلوك المفاجيء غير المعتاد في سلوك إتنا. ففي يونيو الماضي اطلقت قشرة الجبل البركاني الغازات بالشكل المعتاد، وتشكلت زوبعة نحيلة نتيجة تداخل حرارة الغاز وبرودة الهواء في الاعلى، بعد ذلك ادت الانفجارات لتصدع الفوهة بشكل سمح للصهارة بالتدفق كما بدأت الصهارة تتدفق من خمسة صدوع اخرى جديدة على جوانب الجبل اسفل القمة. ثم ارتفع مخروطان بركانيان بسرعة مذهلة على جانبي الجبل، كان احدهما يطلق الحمم في الهواء الى ارتفاعات تصل حتى 1300 قدم. لكن من غير المعتاد في نشاط اتنا ان يتزامن انطلاق الحمم من القمة والجوانب في إتنا، كما ان الاندفاعات البركانية هذه المرة كانت ذات شكل انفجاري اكبر من السابق. كما ان العلماء كشفوا وجود خام معدني يدعى الامفيبول في صهارة إتنا هذا الصيف والذي كان موجودا في الصهارة القديمة جدا لكنه غائب عن الصهارة التي خرجت طوال 15 الف عام مضت. فهل هذا يعني ان هناك مصدرا جديدا يغذي جوانب البركان بالصهارة؟ حتى الآن هناك شيء وحيد واضح بالنسبة للجيولوجيين وهو ان شيئا ما يتغير في جوف إتنا. هذا تحت الارض، اما فوقها فان اتنا يرسل الى جيرانه البشر عند كل انفجار بالخراب والخصب في آن وكان اكثر انفجاراته تدميرا قد وقع عام 1669 حينما رجمت الحمم الرهيبة اكثر من عشر قرى واوقعت اسوار مدينة كاتانيا ووصلت حتى البحر. اما القرى الصغيرة على السفوح الخفيضة للجبل فيعمل الرماد البركاني على تخصيب تربة مزارعها، لتكون تعويضا لهم عن صعوبة المنطقة وخشونة هذاالجار الغضوب دوما. وبعد ان هدأت ثائرة اتنا وبردت دماؤه الحمراء التي اطلقها انهارا على جوانبه، تحولت الصهارة الحمراء الى جبال من الصخور السوداء التي يرتفع بعضها 130 قدما بشكل يجعل من الجرافات التي حاولت السيطرة على الوضع مجرد منمنمات وقد نجحت جهود رجال الدفاع المدني في تحويل الصهارة عن بلدة ريفيوجيو سابينتزا كما وصلت الحمم حتى مشارف بلدة نيكولوسي اكثر القرى تعرضا لخطر اتنا. وعلى الرغم من ان بعض الطرق والممتلكات قد دمرت وان مطار مدينة كاتانيا، ثاني كبرى مدن صقلية قد اغلق نتيجة سديم الرماد الا ان اتنا لايزال يحتفظ بمكانته عند اهالي المنطقة باعتباره «العملاق الصديق» لكن هل سيبقى اتنا صديقا بعد نذر التغيير في سلوكه التي راقبها العلماء صيف 2001 السؤال لا يزال ينتظر الاجابة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات