تخفيف الوزن يحد من مقاومة الانسولين

تشير الدراسات الى ان انتشار داء السكري لدى قبائل هنود «البيما» قد سجل اعلى مستوى في العالم «70%». ويعتقد ان البدانة هي العامل الاساسي في انتشار الداء السكري لديهم. ويمتاز الداء السكري لديهم بظهور المضاعفات الشائعة لمرض السكري بشكل مبكر ومركز، وهي مضاعفات خطيرة تحدد كثيرا من حياة المصاب وتلقي عبئا ثقيلا على عائلته والمجتمع بشكل عام، وتكلف الدخل القومي في الولايات المتحدة سنويا حوالي 45 بليون دولار ككلفة مباشرة لعلاج الداء السكري ومضاعفاته، ومثل هذا المبلغ ككلفة غير مباشرة بسبب العجز الصحي والظروف الاجتماعية المرافقة. ان البدانة لوحدها دون الداء السكري حمل ثقيل على المريض نفسه وعلى المجتمع بشكل عام بسبب ما تحمله في طياتها من عجز وخطورة للاصابة بالامراض المضنية. فاذا اضيف اليها الداء السكري تضاعف الخطر وأنذر بالهلاك. اذ ان مضاعفات الداء السكري تهدد كثيرا المصابين به بسبب قلة التزامهم بالنصائح والمحافظة على وزن الجسم وسكر الدم بالمستوى القريب من الطبيعي. ان الداء السكري هو مرض الاوعية الدموية الدقيقة المنتشرة في كامل الجسم، فما من عضو او جهاز الا وله اوعية دقيقة تغذيه وتوصل الاكسجين اليه، حتى الشرايين الكبيرة لها اوعية صغيرة تغذيها، وكذلك الاعصاب. فكل عضو او جهاز في الجسم مرشح للاصابة بمضاعفات الداء السكري. ولكن هناك متلازمات شاع ذكرها لكثرة حدوثها. اهمها اعتلال الشبكية السكري الذي يصيب حوالي 80% من المصابين بالنمط الثاني للداء السكري، وهو اهم سبب لفقد الرؤية والعمى عند الكبار. ثم يلي ذلك اعتلال الاعصاب السكري، الحسي منها والمؤلم والذي يقض مضجع المريض المصاب وغالبا ما تفشل الادوية والعقاقير في التخفيف من حدته، واعتلال الاعصاب الودية الذاتية التي تساهم في الاضطرابات الجنسية واضطراب التبول وحركة الامعاء واختلاف ضغط الدم، وتساهم هذه الآفات العصبية في كبير من الاحيان الى تقرحات القدمين بسبب عدم الشعور بالأذيات الطفيفة. ومع تعذر شفاء تلك التقرحات، بسبب استمرار السبب الذي ادى اليها اصلا، وعدم توفر التروية الدموية الضرورية لشفاء الجروح، بسبب اصابة الشرايين الكبيرة والاوعية الدموية الدقيقة. فكثيرا ما نضطر الى بتر تلك الاطراف فيصبح المريض عاجزا بقية حياته. ومن مضاعفات الداء السكري الخطيرة ايضا اصابة الكلى بالاعتلال السكري الذي يتطور، غالبا متى بدأ، الى الفشل الكلوي التام والحاجة الى الكلى الصناعية او ازدراع الكلية. وتعتبر اصابة الكلى حاليا عامل خطورة اضافيا للاصابة بالامراض القلبية والتصلب العصيدي. مرض خطير الداء السكري ولا شك مرض خطير جدا، ولكن كيف تؤدي البدانة لتطور الداء السكري؟ هذا ما اهم الباحثين لسنوات عديدة ولا يزال الاهتمام به قائما. فالدراسات الوبائية تؤكد ارتباط معدل حدوث النمط الثاني للداء السكري مع ازدياد معدل البدانة او زيادة مشعر كتلة الجسم يٍق. فزيادة مشعر كتلة الجسم من 22 ـ 24 (التي تترافق بأقل معدل للاصابة بالسكري) الى35 2ٍ/هً تزيد من خطورة احتمال حدوث الداء السكري اربعين ضعفا عند الرجال وستين ضعفا عند النساء، وهذا رقم مخيف يدعو للانتباه واليقظة. وقد ثبت بالتجربة ان تخفيف وزن الجسم، ولو بضعة كيلو جرامات. وزيادة الفاعلية الحركية يؤديان الى ضبط افضل لسكر الدم وربما الاستغناء عن العلاج الدوائي نهائيا. يبدو ان اهم ما في الامر هو طريقة توزع الدهن في الجسم، وهذا يخضع لعوامل وراثية، واخرى بيئية ـ اعني الحركة واسلوب الحياة. فالخلود الى الراحة يؤدي الى تجمع الدهن داخل البطن. وهذا يؤدي بدوره الى زيادة المقاومة لانسولين التي تبدو انها محددة بكمية الشحم داخل البطن. فهناك تجارب عديدة اثبتت ان كثرة الشحم داخل البطن تؤدي الى قلة حساسية الكبد والعضلات للانسولين، وبالتالي لا يتوقف الكبد عن استحداث السكر من الحموض الشحمية الحرة بسبب وفرتها في حالة زيادة النسج الشحمية داخل البطن. وكذلك فان العضلات تتطلب كمية اكبر من الانسولين لادخال السكر اليها والاستفادة منه. وهكذا يزداد افراز الانسولين من البنكرياس في محاولة للتعويض عن قلة فعاليته او المقاومة للانسولين. ومع استمرار البلوى والالحاح على البنكرياس لمضاعفة عمله في انتاج الانسولين، تنكسر المعاوضة ويحدث نقص نسبي في كمية الانسولين. اي يصبح ما ينتجه البنكرياس من الانسولين غير كاف، ويظهر الداء السكري الى حيز الوجود. وتتدهور الامور احيانا بسرعة بسبب الحلقة المفرغة من ارتفاع سكر الدم وانسمام خلايا البنكرياس بفرط السكر وعجزها او تأخرها عن افراز الانسولين، وكذلك فان النسج الاخرى في العضلات والانسجة الدهنية تنسم بزيادة سكر الدم وزيادة الانسولين فيزداد الطين بلة. تبين مما سبق ان المقاومة للانسولين هي السبب الاساسي المؤدي للنمط الثاني من الداء السكري، وان كان لضعف خلايا بيتا وبطء افرازها للانسولين دورا مشاركا، وربما ينتج اصلا عن المقاومة للانسولين، وقد يرجح احد هذين العاملين على آخر، كما هو الحال في المرضى النحيلين المصابين بالداء السكري، فيغلب لديهم ضعف البنكرياس والحاجة الخارجية لتعويض الانسولين. على كل حال، فان المقاومة للانسولين موجودة عند كل البدينين من بني البشر بدرجة متفاوتة، سواء وجد اضطراب تحمل السكريات ام لم يوجد. فبعض الاشخاص اقدر على المعاوضة بزيادة افراز الانسولين. وقد لوحظ ان مرحلة ماقبل السكري، اي اضطراب تحمل السكريات والمقاومة للانسولين، تكثر فيها الاصابات القلبية والتصلب العصيدي. ويعتقد ان مقاومة الانسولين سبب مهم في تطور التصلب العصيدي والآفات الشريانية. ولا يبدو ان السبب هو ارتفاع معدل الانسولين في الدم نفسه، وانما فرط انسولين الدم مجرد دليل بريء على وجود الآفة الاشد خطرا، الا وهي المقاومة للانسولين بسبب البدانة وزيادة الدهن داخل البطن. وقد اطلق على هذه المجموعة من التغيرات الاستقلابية اسم متلازمة «إكس» وتتميز هذه المتلازمة بالبدانة المركزة في الوسط، وفرط شحميات الدم، خاصة الدهون الثلاثية والكولسترول ججض، وانخفاض جب الذي يحمي عادة من التصلب العصيدي وآفات القلب، وارتفاع ضغط الدم، وزيادة الانسولين وعدم تحمل السكريات، وزيادة فعالية ولزوجة الصفيحات الدموية، وزيادة العوامل المضادة لانحلال الخثرات الدموية واضطرابات خلطية وهرمونية اخرى. وكل هذه التغيرات تعتبر عوامل خطورة لتطور الداء العصيدي وامراض الاوعية الكبيرة بما فيها شرايين القلب والدماغ. وهكذا يبدو واضحا دور البدانة في احداث الامراض القاتلة. ويمكن، كما اثبتت كثير من التجارب، تعديل هذه الخطورة بممارسة الرياضة وتخفيف الوزن ولو بضع كيلوجرامات، وبالتالي تخفيف مقاومة الانسولين والوقاية من المتلازمة المميتة. لابد هنا من التطرق الى ملازمة تهم السيدات، وهي عبارة عن الشعرانية بسبب زيادة افراز هرمونات الذكورة من المبيض، وقلة الطمث او اضطراب الدورة الطمثية والعقم بسبب عدم الاباضة. ويبدو ان السبب الاصلي المؤدي لهذه المتلازمة هو خلل عمل الانسولين او المقاومة للانسولين. وقد تبين ان هناك درجة من المقاومة للانسولين في حوالي 100% من هذه الحالات التي تسمى متلازمة المبيض متعددة الكيسات. وتترافق هذه المتلازمة عادة 40% بوجود تصبغات جلدية حول الرقبة والابط وتعتبر هذه التصبغات دليلا سريريا على وجود حالة المقاومة للانسولين. هؤلاء المريضات لديهن خطورة زائدة للاصابة بالداء السكري ويبدو ان تخفيف الوزن وحده يحل جزءا كبيرا من المشكلة، فيعود المبيض الى عمله بالاباضة الدورية، ويقل افراز هرمون الذكورة وتصبح المريضة سعيدة بما استعادت من انوثتها، هذا ان افلحت في التخلص من الوزن الزائد! ويجري حاليا تجارب على هؤلاء المرضى باستعمال ادوية ظهرت حديثا تحسن من عمل الانسولين مما يقلل من الحاجة اليه وبالتالي تحسين عمل المبيض. علاج السكري لقد تركز علاج الداء السكري فيما مضى والى وقت قريب (منذ اكتشاف الانسولين عام 1921 ثم الادوية المنشطة للبنكرياس في الخمسينيات) على كيفية تعويض الانسولين او زيادة افرازه. ولكن كما تبين مؤخرا فإن المشكلة اصلا ليست قلة الانسولين فحسب في أغلب حالات النمط الثاني من الداء السكري الاكثر شيوعا. وربما يكون لفرط انسولين الدم اثارا سلبية. وهذا الأمر لا يزال موضع جدل وخلاف بين الباحثين. حيث أثبتت التجارب ان العلاج بالانسولين، إذا استعمل في وقته قبل ظهور المضاعفات يقي من أمراض الأوعية الدموية الدقيقة، وغالبا يخفف من اصابة الشرايين الكبيرة. ويبدو ان السيطرة على سكر الدم بالحدود السوية في كل الأوقات هو الهدف الأول للعلاج مهما تطلب الأمر. ولكن، في ضوء ما سبق، يجب استعمال أقل جرعة من الانسولين ممكنة للحفاظ على سكر الدم بالحدود السوية. وهناك طرق عديدة لتحصيل ذلك، أهمها تخفيف الوزن والرياضة، وبالتالي تخفيف الحاجة للانسولين أصلا. ثم انه يجب الانتباه إلى ان استعمال معظم الأدوية المتوفرة حاليا لعلاج الداء السكري، تؤدي لزيادة الوزن للأسباب التالية: 1 ـ إن الداء السكري أصلا مرض يتميز بفقد السعرات الحرارية عن طريق البول، فهناك خسارة مستمرة للسعرات الحرارية باستمرار البوال السكري، فإذا سد الخلل بالمعالجة الفعالة، انحبست السعرات الحرارية داخل الجسم. فإذا بقيت الشهية للطعام على ما كانت عليه من قبل، وهو الغالب، كانت المحصلة زيادة في الوزن. 2 ـ إن الانسولين بحد ذاته ـ وبشكل غير مباشر الأدوية التي تحرض افرازه ـ هرمون بناء كيٌُقفَف، أي يساهم في اقتصاد الطاقة وزيادة الوزن. 3 ـ باستعمال الانسولين والأدوية التي قد تسبب هبوط السكر عن الحد المطلوب، فإن الانسان يرتكس بشكل غير شعوري لتصحيح الخلل بزيادة الطعام للوقاية من هبوط سكر الدم، وبالتالي تكون المحصلة زيادة السعرات الحرارية عما حدد للمريض وتكون زيادة الوزن. وكذلك فان تكرر هبوط سكر الدم والمبالغة في اصلاحه يؤديان لزيادة الوارد من السعرات الحرارية. 4 ـ ان استمرارية الحلقة المفرغة من البدانة إلى مقاومة الانسولين إلى فرط الانسولين عامل مهم، فيجب كسر هذه الحلقة بالتدخل المبكر والفعال للسيطرة على سكر الدم. ولذلك يجب على المرضى متابعة سكر الدم بدقة بأنفسهم، وتدريبهم على صنع القرار الذي غالبا ما يحتاج إليه يوميا، وذلك باستعمال أقل جرعات ممكنة من الأدوية مع الحفاظ على السيطرة الجيدة على سكر الدم دوما. وكذلك يجب توقع زيادة الوزن منذ البداية، وبالتالي اتخاذ التدابير للوقاية من حدوثها بممارسة الرياضة واتباع نظام الحمية السوية. والأهم من هذا كله، يجب العمل على الوقاية من البدانة أصلا لتجنب جميع الأمراض المرتبطة بها. د. بلال الشماع اخصائي أمراض الغدد الصم

طباعة Email
تعليقات

تعليقات