كتاب : سنغافورة قصة الانتقال من العالم الثالث الي الاول

البدء بانطلاق السياحة تزامن مع دفق من المصانع الصغيرة يقول الدكتور هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في المقدمة التي كتبها لهذا الكتاب: (كل إنجاز عظيم يبدأ حلماً قبل أن يتحول إلى واقع). ولو تفحصنا دروس التاريخ, لوجدنا أن الشخصيات الاستثنائية تستطيع قلب الحسابات التقليدية التي تقود إلى نتائج معروفة سلفاً. ولو أخذنا مثال سنغافورة, فمن المؤكد أن الجدلية القائلة بأن الظروف هي التي تسير الأحداث ستنهار بشكل لا لبس فيه أمام مقولة أن الأشخاص هم الذين يصوغون الأحداث. سنغافورة التي نراها اليوم مثالاً تحاول دول العالم الثالث تقليده, لم تكن في الأصل تمتلك مقومات الدولة, ولا الأمة. فهي ليست إلا جزيرة صغيرة تعيش على نشاط قاعدتين عسكريتين بريطانيتين, ويقطنها مهاجرون ينتمون لثلاثة أعراق. ولذا كان من الطبيعي أن يتوقع الجميع التحاقها بإحدى الدول المجاورة بعد أن تركها البريطانيون. إلا أن لي كوان يو, مؤلف الكتاب, وأبو سنغافورة الحديثة, كان لديه حلم آخر. كان يرى أن النظام والابتكار واستغلال القدرات الخلاقة للناس بصورة صحيحة وصحية يمكن أن تنوب عن الموارد الطبيعية, وأن تشكل قاعدة لا تتزعزع لقيام دولة متميزة. وكان عليه البدء من نقطة الصفر في وجه ظروف بالغة القسوة من التعصب العرقي والديني والسياسي. كانت نظافة المدينة هي الخطوة الأولى التي استطاع كوان أن يحشد تأييد الناس لها. وخلال سنوات تمكن من التغلب على عداء الدول المجاورة التي لم تكن تعتبر أن المنطقة تتسع لدولة أخرى, ولو كانت صغيرة بحجم سنغافورة. كما أثبت أن الأداء الممتاز في جميع المجالات يمكن أن يقضي على العصبيات الداخلية, وأن تحسين ظروف المعيشة يمكن أن يكفي للارتقاء بالدولة إلى مصاف الدول المتقدمة. وقد أدت سياسته إلى فتح المجال أمام الدول الأخرى التي حذت حذوه, على الرغم من أنها كانت تسبقه أصلاً, مثل هونج كونج وتايوان, بل وماليزيا نفسها. ولم يكن كوان خبيراً سياسياً, بل كانت خبرته لا تتعدى الصفر بكثير. لكنه سعى دوماً إلى وضع الرجل المناسب في المكان المناسب دونما اعتبار لأية تفاصيل أخرى. أما كوان الذي أنشد في حياته أربعة أناشيد وطنية (البريطاني والياباني خلال احتلالين) ثم الملاوي (خلال الاندماج الفاشل) ثم السنغافوري, فإنه تولى مسئولية الحكم في سنغافورة, وقادها سنوات طويلة نجح أثناءها في تحقيق ما يشبه المعجزة. ويكفي للدلالة على مدى نجاحه إيراد بعض الوقائع التي يفخر كوان وسنغافورة بها. فقد تحول المجتمع الذي كانت تنهشه العصبيات القومية والدينية والعرقية إلى واحد من أكثر مجتمعات آسيا استقراراً, وارتفع معدل دخل الفرد من أقل من 400 دولار أمريكي عند الاستقلال إلى أكثر من 22000 دولار اليوم. وغدت تلك الجزيرة الصغيرة, التي كان الخوف من سطوة جاراتها القويات هو هاجسها الأول إلى نموذج تحتذيه تلك الجارات وتحترمه وتدافع عنه. لقد حقق كوان خلال ثلاثة عقود المستحيل, فأرضى الطبقة العاملة والمستثمرين في الوقت نفسه, واستغل التناقضات الأساسية بحيث أصبحت هي الوقود الذي يدفع الدولة الناشئة إلى الأمام عوضاً عن أن توقف مسيرتها. وهذا الكتاب الذي يسرد فيه كوان سيرته الذاتية التي هي بالواقع سيرة سنغافورة على مدى حوالي 700 صفحة, جدير بأن يقرأ ويتخذ عبرة لكل من يسعى إلى التغيير نحو الأفضل. البداية الوعرة لو كنت وزملائي نعلم عندما أنشأنا حزب العمل الشعبي عا م 1954 حجم ونوعية المصاعب التي سنواجهها على طول الطريق الذي انتهجناه, لما فكرنا بدخول معترك السياسة أصلاً. اذ لم يكن في أذهاننا آنذاك سوى فكرة واحدة: الخلاص من الاستعمار البريطاني. أما ما عدا ذلك, فكنا نعتبره تفاصيل صغيرة ومشكلات تافهة يمكن معالجة كل منها في حينها. لكننا كنا مخطئين كثيراً. فنحن كنا في واقع الأمر نواجه مهمة ثقيلة وشاقة إلى أقصى الحدود, وهي تأسيس دولة ايجاد أمة من لا شيء. في الخمسينيات كان عدد سكان سنغافورة يناهز المليون نسمة, ينحدر 75% منهم من أصل صيني, وحوالي 14 % من أصل ملاوي وقرابة 9% من أصل هندي, إضافة لمجموعات صغيرة من جنسيات أخرى. كان جيراننا أكبر وأقوى بكثير. فإندونيسيا جنوباً تعد مئة مليون نسمة, والملايو شمالاً تعد حوالي 7 ملايين نسمة. أما الصين والهند القريبتان فهما الدولتان الأكبر والأقوى في آسيا. وكان البريطانيون والفرنسيون والمستعمرون الأوروبيون الآخرون عندما تخلوا عن مستعمراتهم في أعقاب الحرب العالمية الثانية قد خلفوا وراءهم فوضى لا حدود لها. وكان علينا كحزب جديد أن نناضل ضد المد الشيوعي الذي يجد أرضاً خصبة بين الفقراء, وأن نضع حداً قبل كل شيء للفوضى. ولذا فإن خيار الانضمام إلى الملايو لتشكيل ماليزيا عام 1963 كان يبدو الخيار المنطقي والمعقول والأكثر قبولاً. لكن إصرار الملاويين على سيطرة عرقهم على كل الأمور في سنغافورة كان نذير سوء, وتسبب قبل مرور عام على الاندماج باندلاع صدامات عرقية عنيفة بين الصينيين والملاويين. وقد حاولنا النضال ضد سياسة الاحتواء التي اتبعها المتطرفون الملاويون عن طريق حشد القوى الواعية ضد سياسات التمييز العرقي, ولكن بدون جدوى. وفي عام 1965 لم نجد أمامنا سوى الانفصال. بعد الانفصال مباشرة توليت منصب رئيس الحكومة. وكان كل شيء حولي ينذر بالانهيار والكارثة. فنسبة البطالة تقارب 15%, والدولة الجديدة تكاد تخلو من كل شيء. القوة العسكرية الوحيدة كانت كتيبتين من الجنود الماليزيين, البنية التحتية متخلفة للغاية, قوات الشرطة عملياً غير موجودة, المدارس والجامعات أقل من الحاجة بكثير, الغليان العنصري والديني يهدد بالانفجار في أي لحظة, التهديد ا لخارجي لم يتوقف, وماليزيا تنتظر فشلنا على أحر من الجمر لتستخدم القوة في إعادة سنغافورة إلى الحظيرة الملاوية. وكانت المهمة الأولى التي لا تحتمل أي تأخير هي تحديد الأولويات وسرعة المباشرة في التنفيذ. وقد وجدنا أن الأولوية المطلقة يجب أن تعطى لبناء قوتي دفاع وشرطة لمواجهة الخطر الخارجي وضمان الاستقرار في الداخل. وبطبيعة الحال كان لا بد لنا أن نقرر مصادر التسلح وأية سياسة نسلك لنضمن عدم انتقال الحزازات العرقية إلى داخل مؤسستي الجيش والشرطة. وقد نجحت خطة بناء الجيش بعد أن قمنا بشراء أسلحة متنوعة ومدرعات خفيفة مجددة. كما أن عملية بناء قوة الشرطة أثبتت هي الأخرى نجاحها عندما اضطرت ــ على الرغم من حداثتها ــ إلى التدخل في الاضطرابات العرقية التي تخللتها في مناسبات عدة اصطدامات دموية واعتقال المتسببين فيها وإحالتهم إلى القضاء. وكان بقاء قوات بريطانية رمزية في سنغافورة أمراً مطمئناً إلى حد ما, على الرغم من أننا نحن الذين تحركنا ضد الوجود البريطاني, وخاصة منه القوة الجوية. قد اكتشفنا متأخرين تزايد المشاعر الرسمية لأي وجود عسكري بريطاني شرقي قناة السويس, بعد أن خسرت لندن معركة 1956 ضد مصر. لكن بريطانيا وجهت إلينا ضربتين غير متوقعتين, أضعفتا موقفنا الضعيف أصلاً, وزادتا من هشاشة وضعنا. وتجلى ذلك في تخفيض قيمة الإسترليني وقرار سحب قواتها من المنطقة بأكملها بحلول ,1970 وأجبرنا على تسريع خطى تأسيس قواتنا المسلحة الخاصة على الرغم من مواردنا الشحيحة آنذاك. وضاعف من حدة المشكلة أن نفقات القواعد البريطانية كانت تشكل 20% من ناتجنا الوطني العام وتؤمن ثلاثين ألف فرصة عمل. قلب بلا جسد أدى الانسحاب البريطاني فعلياً إلى تجريد سنغافورة من دورها المركزي الذي لعبته تحت الاحتلال البريطاني, حيث كانت المحور الإداري والتجاري والعسكري للإمبراطورية البريطانية جنوب شرق آسيا. ولم يكن أحد يتصور أننا قادرون على البقاء دونما شراكة عميقة مع ماليزيا. كثيرون آنذاك شبهوا سنغافورة بدون ماليزيا بأنها قلب بلا جسد. ولم يكن ارتفاع معدل البطالة بالنسبة إلينا مجرد رقم, بل كان يعني اضطرابات وقلاقل اجتماعية بعيدة الأثر. وكنا قد عانينا الأمرين من ذلك, منذ أن توليت رئاسة حكومة 1959 التي انتزعت الاستقلال من بريطانيا, وبعدها خلال الوحدة مع ماليزيا, فكيف ونحن نقف وحدنا وسط بحر هائج من العداوات؟ ولم يكن أمامنا أن نبدأ إلا بالسياحة. أدى ذلك لنجاح جزئي, لكنه غير كاف للقضاء على البطالة. وقد كان من الطبيعي ألا تقتصر خططنا على جانب واحد من الاقتصاد. فشجعنا بناء المصانع الصغيرة, وخاصة منها مصانع تجميع المنتجات الأجنبية, على أمل أن تبدأ بتصنيع بعض قطعها محلياً. وقد عرفنا الكثير من الفشل سواء لنقص الخبرة أو عدم الحصول على الاستشارات الصحيحة. وكلفنا ذلك الفشل غاليا , لكننا استفدنا من الدروس المكتسبة وعملنا على أن لا نقع أبداَ في الخطأ الواحد مرتين. لقد بذلنا الكثير من الجهد والعرق في سبيل كل نجاح حققناه في تلك الفترة, ولذلك قمنا دائماً باختيار العنصر الأفضل لأية مهمة أو واجب, مهما كانت انتماءاته أو أصله أو دينه. كنا نهتم بالنتيجة فقط, وكنا نعلم تماماً أن فشلنا سيعني حروباً أهلية واندثار حلم. وهكذا, ما إن جرى استكمال انسحاب قوات بريطانيا والكومنولث عام , 1971 حتى كانت البطالة قد انعدمت تقريباً. وقامت اللجان التي شكلناها والتي عملت من ضمن مكتبي في رئاسة الحكومة باستلام كل القواعد والأراضي والمباني التي كانت قوا ت الاحتلال تستخدمها, وتحولها فوراً للاستخدام المفيد والفعال. وكان من بين أهم إنجازاتنا تلك الفترة إكمال منطقة جورونج الصناعية التي تبلغ مساحتها 9000 فدان, وهي المنطقة التي شهدت نجاحاً ضئيلاً للغاية فيما يتعلق باجتذاب الاستثمارات الأجنبية حتى منتصف الستينيات, ثم أخذت الحياة تدب فيها بسرعة بعد ذلك. وقد عانينا بالتأكيد من الأزمات العالمية, وكان من أعمقها حظر النفط العربي وتضاعف سعر النفط أربع مرات عام 1973 لكننا كنا ننجح بفضل التخطيط الحكيم والحصيف بتجاوز تلك الأزمات بأقل ما يمكن من الخسائر. وما إن اقتربت مرحلة السبعينيات من نهايتها حتى كنا قد وضعنا حداً نهائياً لمشكلة البطالة, وأتاح لنا ذلك الانصراف إلى مشكلات أخرى, مثل تحسين نوعية المنتجات ورفع مستوى التعليم, بحيث لا يقل عن أفضل المستويات العالمية. وليس هناك شك في أن التقدم التقني المتسارع الخطى, والذي أخذنا على عاتقنا أن نواكبه أولاً بأول, قد سمح لنا بأن نحول القلب الذي ليس له جسد إلى قلب ذي جسد. لقد سمحت لنا المواصلات والاتصالات الحديثة بأن يكون جسدنا موجوداً في أمريكا وأوروبا واليابان. سنغافورة والمال لم يكن أحد يتصور بعد انفصالنا عن ماليزيا أن سنغافورة يمكن أن تصبح مركزاً مالياً في يوم من الأيام. أما نحن فكنا نخطط لمحاولة تحقيق ذلك الهدف خلال 10 سنوات. لكن الخطة تسارعت, عندما أوضح لنا أحد كبار رجال الأعمال البريطانيين أن هدفنا ممكن ليس في عشر سنوات, بل في خمس سنوات فقط. والحقيقة أن موقعنا الجغرافي المتوسط بين اليابان وأوروبا سهل الأمر. لكن ذلك لم يكن ممكناً من دون الجهود المتواصلة. لقد اتبعنا في مجمل سياساتنا المالية سبيل عدم المساومة في أي شيء يتناقض مع مبادئنا, واعتمدنا النزاهة والاستقامة والأمانة المهنية سبيلاً لنا. لقد اتبعنا سياسة تتسم بالمحافظة والبعد عن التسرع في الأمور الاقتصادية والمالية. وهذا ما أكسبنا ثقة العالم المالي بمجمله, وحمانا في الوقت نفسه من الأزمات المالية التي اجتاحت العالم عامي 1987 و1997 وقد غدا معروفاً أن أزمة 1997 التي حطمت القواعد التي ترتكز عليها العديد من عملات جنوب شرق آسيا, وتسببت في انهيار مئات المؤسسات المالية والمصارف وألوف الشركات, لم تتسبب في تردي وضع أي من مصارفنا. وعلى العكس, فإننا استفدنا من الأزمة بأن اعتمدنا سياسة شفافة تماماً في القطاع المصرفي, فألزمنا المصارف بالكشف عن الديون المتجمدة (أو الميتة عملياً), كما ألزمناها برفع نسبة مخصصات الديون الميتة إقليمياً في ميزانياتها. وأسهم ذلك في تعزيز الثقة العالمية بمصارفنا ونظامنا المالي. ثقة الشعب بقي حزب العمل الشعبي في السلطة منذ عام ,1959 أي أكثر من أربعين عاماً, فاز خلالها بعشرة انتخابات عامة من دون أن يضعف أو يخسر شيئاً من مكانته. فكيف حدث هذا؟ لا شك أننا تعلمنا الكثير من أسلوب العمل الحزبي الشيوعي الذي كان يقدم في مناطق انتخابية عديدة خدمات جلىة لعامة الناس وليس لأعضائه فقط. وكانت تلك الخدمات تشمل توفير الدراسة الليلية المجانية, المنتديات الفنية والثقافية, والمنشورات التثقيفية في شتى مجالات الحياة, وليس السياسة فقط. وقد قررنا أن نعتمد الاسلوب نفسه, ونبذل جهوداً أكبر لتوسيع تلك الخدمات ورفع سويتها ونشرها ليستفيد منها عدد أكبر من الناس. إن الناس تقيس النجاح بالشواهد والأرقام. وما من شك في أننا سجلنا أرقاماً مذهلة, لم يكن أحد يتصور أنها ممكنة قط, فقد دخلنا إلى السلطة والبطالة تناهز 14%, وأمكننا القضاء عليها في حوالي عقد واحد. دخلنا والبلاد تعاني من توقف النمو تقريباً, فأوصلناه إلى نسبة 14% سنوياً لأعوام عديدة وعلى الرغم من جميع الظروف. قبل كل هذا اعتمدنا على الكفاءات والمواهب في الأمور العامة. وهذا يعني أن لا يحتل إنسان منصباً, مهما كان عادياً أو رفيعاً, إذا لم يكن مؤهلاً له كلياً. وكان لدينا مواهب لا تحصى بسبب التعدد الإثني الذي قمنا باستغلال جوانبه الإيجابية لأقصى الدرجات, مما أتاح لنا اختيار أرفع المستويات. كما عملنا في الوقت نفسه على اعتماد نظافة اليد والضمير أساساً لانتقاء الموظفين للحفاظ على حكومة خالية مما يعيب. وكانت سياستنا في هذا المجال عدم السماح للفساد بالحدوث, ومحاربته على الفور فيما لو حدث وتسلل بأي صورة. ولم أكن أنا بالذات مستثنىً من ذلك. فقد حدث أن اتهمت بتوفير بعض المال من شراء أراض وعقارات لأن شقيق زوجتي كان مديراً لشركة تطوير حكومية. وما إن ظهر أول تقرير عن الأمر حتى بادرت بحساب المبلغ المزعوم, ودفعت للخزينة أكثر منه (حوالي مليون دولار سنغافوري) وعندما أعيد لي المبلغ بعد أن ثبت في التحقيق بطلان الاتهامات تبرعت به لجمعيات خيرية. وقد كنت أطلب دراسات وإحصائيات عن جميع الأمور والقضايا. وكان بينها على سبيل المثال دراسة تشير إلى أن الخريجين الذين يتزوجون نساء أدنى منهم علماً لا يحقق أبناؤهم نسباً طيبة في إنهاء التعليم الجامعي. ولذلك كنت دوماً أحض على الزيجات المتكافئة علمياً وأشجع النساء الخريجات على إنجاب طفلين أو أكثر. وكنت على الدوام أدعم كلامي بنشر إحصائيات عن الخلفية العائلية لأفضل عشرة طلاب في شتى المراحل التعليمية. وكان الأمر مجدياً لأن الجميع كان يدرك أن الأفضل تعليماً هو الأفضل دخلاً. كما أنني اتخذت خطوة أخرى كان لها أثر بالغ في توحيد لغة البلاد. فقد كنا نعاني كثيراً من تعدد اللكنات الصينية ووجود ثلاث لغات رسمية أخرى في البلاد إلى جانب اللغة الصينية الماندارينية, وهي الملاوية والهندية والتاميلية. وقد فرضت على المدارس مهما كانت لغة الدراسة فيها أن تتبع نظاماً تعليمياً باللغة الإنجليزية على أن تكون اللغة الثانية فيها واحدة من اللغات الرسمية الأربع. وهكذا أصبح للشعب لغة واحدة على الرغم من تعدد ألسنته. وأسهم ذلك إلى حد كبير في نزع فتيل العصبيات العرقية وغيرها من أسباب الشقاق. إلى العالم الأول بعد أربعة عقود من العمل الجاد, تحقق الحلم, وانتقلت سنغافورة من العالم الثالث إلى العالم الأول. كان هذا بالنسبة إلينا نصراً لا يثمن. فهو يعني مستويات دخل فردية مرتفعة, انعدام الأمية, ارتفاع معدل الأعمار, تحقيق معدلات نمو قوية, الاستقرار, الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان وكثير غير ذلك. لقد نجحنا قبل كل شيء في كسب احترام العالم لهذا البلد الصغير الذي لم يكن في الأصل يمتلك مقومات الدولة, فإذا به يسبق معظم دول العالم. ونجحنا في محو العداوات التي قامت بيننا وبين جيراننا لأسباب شتى, فغدونا أصدقاء لماليزيا وللصين وإندونيسيا. وعرفنا كيف نحافظ على أصدقائنا القدماء ونرسخ صداقاتنا معهم. ولم يأت كل ذلك الإنجاز من فراغ, بل نتيجة عمل فريق واحد لا يهتم في النهاية سوى بخدمة شعبه. وقد سعيت طوال الفترة التي توليت فيها مقاليد الأمور في سنغافورة أن أقيم علاقات متينة مع العالم الخارجي والدول الكبرى فيه على وجه الخصوص, فقمت بزيارات رسمية لكثير من الدول. وكان أحد أهدافي الرئيسية البحث عن كل ما يمكن لنا أن نتعلمه من الغير إذا كان سيعود بالنفع على البلاد ويدفع بها إلى الأمام. ويمكنني القول أنني على الرغم من إعجابي بالدور الذي لعبته أمريكا عسكرياً وسياسياً لوقف المد الشيوعي في جنوب شرق آسيا, إلا أنني أخذت على الأمريكيين قناعتهم بأن أموالهم قادرة على حل كل المشاكل. كما أنه من الصعب التنبؤ بمنحى سياساتهم. وهذا ما يذكرني بما اعتاد أصدقاء الولايات المتحدة أن يهمسوا به في أذني: إن سياسة واشنطن الخارجية لا تمليها مصالحها القومية الإستراتيجية, بل وسائل إعلامها. وفي كل حال, لست بنادم على الاتفاق الاستراتيجي الذي وقعته مع الولايات المتحدة في 1989 والذي يسمح لها باستخدام القواعد العسكرية السنغافورية عند الضرورة, ودون أن تتحول تلك القواعد قواعد أمريكية. مواصفات القادة الآن, عندما أنظر إلى ما حل بقادة آخرين مثل الرئيس الإندونيسي سوهارتو, وكيف أجبروا على الاستقالة, أشعر بالرضا لأنني استقلت طوعاً في نوفمبر ,1990 بعد أن أمضيت 9 سنوات في إعداد من سيخلفني في السلطة, وهو جوه تشوك تونج الذي أصر على الاحتفاظ بي في حكومته وزيراً أول, مما أتاح المجال أمامي لإعطاء اهتمام أكبر ووقت أطول للقضايا الشائكة وإيجاد الحلول الجذرية لها. لقد علمتني التجارب أن الحكومة الجيدة تحتاج إلى أشخاص جيدين. فمهما كان نظام الحكم متقدماً ومتطوراً, فإن الحاكم السيئ سيجلب الضرر لشعبه. ولقد شاهدت كيف أن أكثر من 80 دستوراً قامت بريطانيا وفرنسا بصياغتها لمستعمراتهما السابقة انتهت أسوأ نهاية. المشكلة الحقيقية كانت دوماً عدم توفر الظروف الضرورية لقيام أنظمة ديمقراطية هناك. فجميع تلك المستعمرات السابقة كانت تفتقد المجتمع المدني والناخبين المتعلمين. وهذان شرطان لا بد منهما لوصول الشخص المناسب إلى السلطة. إن النزاهة والأمانة الشخصية ونبذ الأنانية هي من أهم صفات ذلك الشخص. والقادة الذين يضعون مصالحهم الشخصية فوق مصالح شعوبهم, ومصالح أحسابهم فوق المصالح العامة, يتسببون بتراجع الدول التي يحكمونها عشرات السنين مهما كانت دساتيرها متطورة. ولست أنسى أن وزير ماليتي سوي سين الذي كانت له اليد الطولى في تحقيق النمو واكتساب ثقة المستثمرين الأجانب أبلغني ذات يوم عام 1974 أنه يريد ترك منصبه عما قريب. لماذا, سألته والدهشة تغمرني لأنه لم يكن قد بلغ الستين بعد. أجابني: المستثمرون الذين اكتسبت ثقتهم يشعرون بالقلق لأنهم لا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات