الأخــذ بالأســباب عمــل بالقــدر

ان الانسان في هذه الحياة له قدرات محدودة تحيط بها قدرة الله التي لا تحد ومن هذه القدرة الالهية يستمد الانسان القوة والعون في الحياة وارتباط الانسان بهذه الحقيقة هو اساس التوكل على الله. حين يهم الانسان بأمر من الامور فيعد عدته ويستكمل اسبابه فما عليه بعد ذلك إلا ان يتوكل على الله في بلوغ هدفه وان يفوض امره الى الله في تحقيق غايته يقول تعالى (فاذا عزمت فتوكل على الله). فالعزم اولا ثم التوكل ثانيا, عليك ان تعمل اولا ثم تفوض امرك الى الله فهو وحده الذي يرعى عملك ويكتب لك النجاح والتوفيق. وحين تتعرض الأمة للشدائد والمحن او تواجه تآمراً من قوى الشر والبغي والعدوان فإن الايمان بالله والتوكل عليه يمده بطاقات لا تنفد من الصبر والصمود فلا تجزع ولا تتزعزع ولتكن نفسك مؤمنة بنصر الله وتأييده بقوله تعالى (الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم). ولقد ظن قوم ان التوكل لا يستلزم الاخذ بالاسباب ومن هؤلاء الاعرابي الذي ترك ناقته طليقة خارج المسجد فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم اعقلها وتوكل. ومنهم من يقرأ قوله تعالى: (وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها) فيقول (ما لي وللسعي والكد في طلب الرزق وقد كفل الله لي نصيبي منه فهو يأتيني به حيث اكون ولو لم انقل قدما او ابذل جهدا في سبيل تحصيله, ولو تدبر قوله تعالى لعلم ان الله كفل الرزق لكل دابة اي لكل مخلوق يدب على الارض فهو يسعى في طلب رزقه ويعمل لتحصيل معاشه فلا يعود من سعيه إلا وقد اصاب رزقه وجنى ثمرة عمله, يؤكد هذا المعنى ويوضحه قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتجىء بطانا). لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم ان الله يرزق الطير وهي قابعة في اوكارها ولكنها تغادر اوكارها في الصباح جائعة خاوية فتنطلق وهي تضرب بأجنحتها هنا وهناك بحثا عن ثمار الاشجار وسنابل الحقول وحشرات الارض والماء ولاتزال تجمع من هذا وذاك حتى تمتلىء حواصلها فتعود الى اعشاشها وقد اصابت رزقها ورزق افراخها الصغار. انها لم تزرع ولم تحصد ولكنها سعت في طلب الرزق فكان لها رزقها من هذا الزرع والحصاد, وكذلك الانسان حين يتوكل على الله حق توكله في سعيه وكفاحه مؤمنا ان الله هو الرازق ذو القوة المتين لا يتكالب على الدنيا ولا يذل نفسه في الطلب ولا يسلك الطرق غير المشروعة لقضاء مصالحه, اذا فعل الانسان ذلك فتح الله امامه ابواب الرزق ويسر له اسباب الخير ورزقه كما يرزق الطير التي لا حول لها ولا قوة إلا اجنحة صغيرة تضرب بها في الهواء. ولقد كان التوكل على الله في حياة الانبياء والرسل مقترنا دائما بالعمل على تبليغ الرسالة والصبر على الاذى ومجاهدة الباطل واهله. انظر الى نوح عليه السلام وقد كبر على قومه ان يستجيبوا لدعوته فهو يواجههم بالتحدي مستمدا قوته من التوكل على الله. (واتل عليهم نبأ نوح اذ قال لقومه يا قوم ان كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا امركم وشركاءكم ثم لا يكن امركم عليكم غمة ثم اقضوا الي ولا تنظرون). وكانت الرسل تتعرض للاذى في سبيل الدعوة الالهية فتقابل ذلك بالصبر والتوكل على الله: (ومالنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون). والتوكل على الله بهذا المعنى لا يتعارض مع الاخذ بالاسباب ورسم الخطط وتدبر الامور. ان الرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر من مكة الى المدينة فرارا بحياته ودينه من المشركين لم يمنعه توكله على الله من ان يختفي في الغار ثلاثة ايام, ثم كان التوكل على الله من وراء كل عمل ومع كل عمل يقوم به صلى الله عليه وسلم في السلم او في الحرب. ومن الاخذ بالاسباب حين يمرض الانسان ان يلتمس لنفسه الدواء وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الدواء هل يرد من قدر الله شيئا فقال: (هو من قدر الله) وقال: (تداووا عباد الله فإن الله خلق الداء والدواء). وما كان التداوي ليمنع التوكل على الله في التماس الشفاء ولكن ترك التداوي بزعم التوكل على الله في ذلك مخالفة لما امر الله به اذ يقول: (ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة). ان التوكل على الله هو الذي يمنح القلب الطمأنينة والثبات في مواجهة الاحداث

طباعة Email
تعليقات

تعليقات