خصخصة الانترنت في مصر بين الرفض والقبول

بيان 2: القاهرة ــ مكتب (البيان): منذ عدة أيام, أعلن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصرى عن بيع الوصلة الرئيسية لشبكة الانترنت والتى ظلت منذ عام 1994 ، ملكا للحكومة ممثلة في مركز المعلومات واعطت من خلالها التراخيص لأكثر من 60 شركة خاصة للعمل كمزودين لخدمات الانترنت للمواطنين, المركز أعلن عن مزاد علنى لبيع هذه الوصلة الرئيسية والذى فسره الخبراء على أنه بداية لخصخصة مركز المعلومات ونقل ادارته للشركات الخاصة على أن تظل سيطرة الحكومة تدريجيا على أنشطته.. ويقول د.رأفت رضوان رئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار: أنشئ مركز المعلومات منذ تسع سنوات وبالتحديد في عام 1992 وذلك بمبادرة من مجلس الوزراء وذلك بهدف خلق جهة يمكنها تجميع المعلومات عن كافة أوجه نشاط الحياة في مصر.. اقتصادية واجتماعية وسياسية وكذلك معدلات التصدير والاستيراد والاحتياجات الأساسية من السلع واعداد السياح القادمين والمغادرين.. وغيرها من الاحصائيات والأرقام الهامة.. ويعتمد مركز المعلومات على أفرعه المنتشرة داخل الوزارات والتى تقوم بجمع هذه المعلومات وصبها داخل المركز الرئيسى الذى يتولى تحليل دلالات هذه الأرقام والاحصائيات ووضعها أمام متخذي القرار في كل جهة وكذلك على أعلى المستويات سواء رئيس الحكومة أو حتى رئيس الجمهورية. فمثال اذا اكدت الاحصائيات ان الاستيراد يزيد بصفة مطردة على التصدير فهذا يعنى ضرورة أن يعى أصحاب القرار تراجع التصدير وأسبابه التى قد تتمثل في عدد من العيوب الموجودة داخل الصناعة المصرية والتى تؤدى لمحدودية الأسواق التى يتم التصدير اليها, أو ضد توجه عيوب في نظم التسويق مما يؤدى لعجز المنتجات المصرية عن دخول أسواق جديدة أو المنافسة القوية في الأسواق الموجودة فيها بالفعل. دور هام وقد قام المركز عبر السنوات الماضية القليلة بدور هام في تقديم المعلومة الصحيحة لأصحاب القرار وذلك لكى يكون القرار سليما, وكانت هذه المشكلة تمثل عقبة كبيرة امام المسئولين بسبب غياب المعلومة الصحيحة, والتى كانت تؤدى بدورها الى قرارات خاطئة خاصة في المجالات الحيوية, فمثلا حدث ذات مرة أن وقعت أزمة في احدى السلع الأساسية والسبب أن صاحب القرار لم تكن تتوافر لديه معلومة صحيحة عن حجم المخزون من هذه السلعة في مصر الأمر الذى أدى الى عدم اتخاذه قرارا صحيحا باستيراد كمية اضافية منها. هذا عن الشق الأول من الدور الذى يقوم به مركز المعلومات.. أما الشق الثانى فهو قيامه بإدخال خدمة الانترنت الى مصر وذلك في عام 1994 عبر الوصلة الرئيسية عبر البحر المتوسط التى أنشاتها مصر بدعم من الحكومة الفرنسية.. وقد ساهمت هذه الوصلة في ربط مصر بشبكة المعلومات الدولية حيث قمنا بعد ذلك بإتاحة الفرصة لأكثر من 60 شركة خاصة بالقيام بدور مزودى الخدمة أو مايطلق عليه ISP , وقد نجحت هذه الفكرة بصورة كبيرة حيث استفاد منها مليونا شخص قاموا بالاشتراك في خدمة الانترنت عبر هذه الشركات, بينما قام المركز بتزويد الهيئات الحكومية والجهات البحثية بخدمة الانترنت بلا مقابل, لكن في الفترة الأخيرة أكدت التقارير والاحصائيات أن عدد مستخدمى الانترنت في مصر لا يتجاوز 5% من عدد السكان, وهو رقم ضئيل جدا لا يتناسب مع مكانة مصر العلمية والثقافية.. ومن هنا بدأ التفكير في بيع هذه الوصلة الرئيسية للربط بالانترنت أملا في أن يزيد عدد المشتركين بالانترنت حيث ستقوم الشركة بتقليل الاشتراك الشهرى لمعدلات كبيرة مما سوف ينعكس بالتالى على عدد المشتركين. فرصة للقطاع الخاص وقد دفعنا ذلك الى التفكير بجدية في اتاحة الفرصة للقطاع الخاص لدخول مجال المساهمة مع المركز في جمع المعلومات واتاحتها للآخرين مقابل سعر محدد, فمثلا هناك الكثير من المستثمرين الذين يرغبون في الاستثمار في مصر ويهمهم التعرف على كل شئ داخلها سواء مجال المنافسة أو حالة السوق, وبالتالى فتوافر المعلومات عن ذلك شئ هام جدا لهم, لكن لا يزال ذلك محل دراسة بحيث اذا تم الموافقة عليه وأكدت الدراسات جدواه الاقتصادية فسوف يتم تطبيقه. * ولكن هذا يعنى تراجع الدور الرقابى الذى يقوم به المركز على مزودى الخدمة للانترنت مما سيؤثر على مستوى ادائهم الذى قد يتجه نحو الأسوأ؟ ـ يقول د.رأفت رضوان: غير صحيح, سيظل المركز مشرفا على هذه الشركات من خلال رقابة واعية تراعى مصلحة المستهلك, وهناك تجربة أمامنا سوف نسير على أساسها وهى خصخصة خدمة التليفون المحمول في مصر حيث تقوم بالمراقبة على أعمال شركتى المحمول جهاز تنظيم الاتصالات الذى يراقب اداء الشركتين ويتدخل في حالة ما اذا شعر بوجود خلل ما وذلك لصالح المستهلك. * وماذا عن خصخصة قطاع المعلومات هل يؤثر ذلك على الأمن القومى لمصر بإتاحة معلومات هامة في أيدى شركات خاصة؟ ــ يجيب د.رأفت: العالم لم يعد يعترف الآن بسرية المعلومات لأن الحدود سقطت بين الدول والمعلومات أصبحت متاحة للكل.. لكننا في هذا المجال لن نقدم المعلومات الحساسة التى تهم الأمن القومى مثل المعلومات العسكرية والأمنية بل المعلومات التى يمكن أن يهتم بها أى مستثمر أجنبى. * ولكن ماهو رأى خبراء التكنولوجيا والانترنت في هذه الخطوة. د.هشام الشريف الرئيس السابق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار وهو حاليا يعمل رئيسا لشركة (نايل أون لاين) المتخصصة في خدمات وحلول الانترنت يعلق على هذه الخطوة قائلا: أتصور أن هذه الخطوة جاءت في وقتها تماما لأكثر من سبب, الأول أن مركز المعلومات قام بدوره خلال السنوات الماضية ولم يعد ممكنا استمرار سيطرة المركز على أنشطة الانترنت والمعلومات, بل كان من الضرورى اتاحة الفرصة امام الشركات الخاصة لفتح مجالات أكثر بالسوق المصرى وتشجيع المزيد من المواطنين على الاشتراك بخدمات الانترنت وهو ماكان صعبا في ظل سيطرة المركز على هذه الأنشطة حيث كنا نقوم بدفع مقابل مادى كبير سنويا للمركز مقابل القيام بدور مزودى الخدمة مما كان يعنى صعوبة تخفيض خدمة الانترنت للمواطنين وبالتالى صعوبة المنافسة وقلة عدد من يستخدمون الانترنت, وفى رأيي انه لا يوجد شئ اسمه الرقابة على الانترنت لانها شبكة عالمية لا يمكن أن تأخذ منها جزءا وتترك الباقى, بل لابد أن تأخذها كلها كما هى بمميزاتها وعيوبها. كما انه من الضرورى أن يقوم المركز بدور الاشراف على الانترنت ومنع المنافسة غير الشريفة بين الشركات. * وهل كنتم ستوافقون على هذه الخطوة, في حالة مااذا تمت في فترة ر ئاستك للمركز؟ ـ يقول د.هشام: أريد أن أقول لك أن هذه الخطوة ليست جديدة.. بل هى جزء أساسى وضعناه في اعتبارنا عند بدء انشاء المركز منذ سنوات وكنا نهدف الى أن تتحول خدمات المركز (القطاع الخاص) بعد أن يقوم بدور بارز في نشر خدمة الانترنت بمصر ووضع اللبنة الأساسية في هذا المجال. وهى خطوة ستنعكس في النهاية لمصلحة مستخدم الانترنت الذى سيجد أن تكلفة استخدام الشبكة سيقل أربعة أضعاف عما هى عليه الآن مما يجعل تكلفة الاتصال بالانترنت تقترب من الأسعار العالمية في هذا المجال, وهى الآن تبلغ خمسة أضعاف تكلفتها في أمريكا, وأوروبا, هذا غير السرعات العالية التى سوف يتميز بها استخدام الانترنت بعد التطوير الكبير الذى سيدخل على وصلة الربط هذه. المتخوفون أما د.طارق كامل رئيس الجمعية المصرية للانترنت ومستشار وزير الاتصالات والمعلومات فيقول: أكبر ضمان يمكن أن يتحقق للمتخوفين من هذه الخطوة هو اشتراطه مركز المعلومات في عرض بيع هذه الوصلة, حيث أكد ضرورة أن يتقدم لشرائها شركة مصرية مئة في المئة لا توجد مساهمات أجنبية بها مع امكانية وجود مساهمات عربية وذلك لضمان عدم سيطرة أى جهة أجنبية على هذه الخدمة بمصر.. وفى تصورى أن خدمة الانترنت سيصبح سعرها لا يتجاوز خمسة قروش في الساعة الواحدة في حين تصل حاليا الى جنيه للساعة. لكن هناك اعتراضات كثيرة على هذه الخطوة يأتى أهمها من أساتذة الاتصالات بالجامعات المصرية الذين يرون في هذه الخطوة بداية لعصر الاحتكار الخاص لشبكة الانترنت المصرية. من أهم أعضاء هذه الجبهة د.أحمد الصاوى أستاذ الاتصالات والانترنت بكلية الهندسة جامعة القاهرة الذى يقول: مالا تراه الحكومة في هذه الخطوة هى انها تعطي لشركة واحدة أن تسيطر على خدمات الانترنت في مصر.. وهو أمر خطير يعنى نهاية لدور الحكومة في حماية مستخدم الشبكة.. صحيح أن الشركة الخاصة سوف تقوم في البداية بخفض أسعار الاشتراك في خدمة الانترنت وذلك لجذب الملايين نحو الانضمام لقائمة المستخدمين, لكنها بعد ذلك سوف تتحكم في أسعار الخدمة كما تشاء وأعتقد انها سوف ترفعها لمعدلات عالية جدا خاصة انها متأكدة من أن المواطنين لن يجدوا وسيلة أخرى للاتصال بالانترنت ألا عن طريقها وأن الحكومة قد تخلت بإرادتها عن دورها في الرقابة على اداء الشركة مما يعنى عدم قدرتها على التدخل ومنع الشركة من استغلال المواطنين لذلك أدعو الحكومة للتفكير الجيد في هذه الخطوة قبل اتخاذها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات