(البندقية) مهددة بالاختفاء غرقاً ، تجنيد 1000 شخص وجامعة ومركز أبحاث لإنقاذ المدينة

بيان (2) : اكسبتها المياه التي تعوم فيها منازلها وشوارعها جمالاً فريدا ونادرا ميزها عن بقية مدن البحر الابيض المتوسط, انها البندقية, تلك المدينة العائمة التي عرفت على مدار قرون طويلة بأنها احدى الروائع الهندسية في العالم, وأكثر المدن رومانسية على وجه الارض. لكن هذا الجمال والطبيعة النادرة للمدينة اصبحا مهددين بالاختفاء, فأمواج البحر الادرياتيكي يمكن ان تبتلعها في اي وقت ما لم يتم تدارك نذر الخطر الممثلة في ارتفاع نسبة المياه والاحتباس الحراري. قديما وفي القرن السادس الميلادي بنى أهالي البندقية أو (لاسيرينيسما) كما ينطق اسمها بالايطالية حواجز خشبية دفاعية لمنع البحر من ان ينال بأمواجه جدران ابنيتهم التي اقاموها في هذه المدينة (الطفلة) في ذلك الوقت, وفي القرن الثامن عشر استبدلت الحواجز الخشبية بجدران من الحجارة أكثر متانة لدرء الخطر عن السكان. لكن النوع الجديد من المخاطر والذي يهدد المدينة والذي يتنوع بين الاحتباس الحراري وارتفاع نسبة المياه يعد خطراً غير مسبوق, ويطلق الناشطون في الدفاع عن المدينة صيحة تحذير عالية قائلين (ما لم يبدأ عمل فوري وسريع لانقاذ مدينتهم فان احفادهم لن يتمكنوا مشاهدة احدى اجمل مدن العالم في المستقبل. وسادة الانقاذ واستجابة لصيحة التحذير تلك بدأ تنفيذ مشروع جرىء هدفه رفع أجزاء من المدينة فوق المياه وحمايتها من الأمواج. هذا المشروع المعقد والطموح في آن واحد يشمل وضع دعائم بحيث تشكل وسادة مادية لأجزاء من ساحة (سان ماركو) التاريخية. فالساحة الشهيرة هي النقطة الأكثر انخفاضا في المدينة قاطبة, وتتعرض في الوقت الراهن لمدّ البحر بمعدل أربعين مرة في السنة, ما حدا بأهالي البندقية والسياح إلى الدوران حولها على ممرات خشب. لكن هذه الساحة هي الجزء الأكثر حساسية من الناحية الهندسية في المدينة العائمة. تقضي الخطة برفع مستوى بعض أقسام الساحة لمنع الماء من اجتياز السدود. وفي الوقت نفسه, سيتم تطوير نظام المجاري القديم والمسارب التحتية ووضع قشرة عازلة للماء تحت صفحة الماء لمنعها من الاندفاع عبر هذه المجاري أو التسرب من الجزء السفلي لأرض المدينة. وهناك خطط أخرى وُضعت لمنطقة (ريالتو) التاريخية ولكل من جزيرتي (بورانو) و(مورانو) المميزتين الشهيرتين بصناعة المخرمات والبلور المنفوخ. أما مشروع تدعيم ساحة (سان ماركو) الذي يتطلب تنفيذه ثلاثة أعوام, فمن المنتظر أن يبدأ في موعد مبكر العام المقبل ,2001 وسيتم إنجازه على مراحل, بحيث لا يُضطر القائمون على شئون المدينة إلى إقفال الساحة الشهيرة. وتقول (مونيكا أمبروسيني) الناطقة بلسان (كونسورتيوم البندقية الجديد,) وهو جسم إداري أنشأته الحكومة الإيطالية لمواجهة المشكلة الوحيدة التي تعاني منها المدينة: (الخطة أُقرت, وكل شيء بات جاهزا للشروع في العمل, لكنه تقرر إرجاء ساعة الصفر بسبب العدد الوافر من الزائرين الذين يفدون هذه السنة على إيطاليا والبندقية للاحتفال بسنة اليوبيل). وطبقا للمشروع فان الأبنية على جانبي ساحة (سان ماركو) ستطلى أساساتها بمواد عازلة بحيث لا تتمكن المياه من اختراق الساحة عبر هذه الأساسات. لكن كاتدرائية القديس مرقس القائمة في وسط الساحة بقببها المزخرفة والتي يعود تاريخ بنائها إلى القرن الحادي عشر, لن تُمس, ولا حتى صف أعمدتها أو سردابها التحتي (هذا السرداب يعود إلى القرن التاسع), فهذه هي أكثر النقاط انخفاضا وهي في معظمها تحت الماء. وتقول (أمبروسيني) في هذا الصدد: (البازيليك هو دائما أولى نواحي المدينة التي تتعرض لطوفان الماء, لكن تقرر أنه من المشكلات الصعبة, لذلك سنستعيض ببناء حاجز عازل للماء لمنعها من التسرب). جذور الخطر الخطر الذي يهدد المدينة التاريخية حاليا ليس وليد اليوم وعلى مدى القرن الماضي, ازدادت الفيضانات التي سببها ارتفاع منسوب مياه البحر بشكل لافت, سواء من حيث الوتيرة أو الفاعلية. لكن أقواها كان في الثالث من نوفمبر عام 1966 عندما ارتفع منسوب الماء بمعدل ثلاثة أقدام (قرابة المتر), ما أدى إلى دق ناقوس الخطر, لأنه تبين أن بقاء المدينة لا يمكن أن يكون مكفولا ما لم تُتخذ تدابير جدية لمواجهة مشكلة المياه. وحدثت في ما بعد, وعلى مدى 30 عاما, سلسلة فيضانات استثنائية, شبيهة بكارثة العام 1966 وإن ليس بالحجم نفسه, ولا سيما منها في الأعوام: 1979 و1981 و1986 و.1992. ومازاد في القلق على مصير المدينة, الفيضانات متوسطة القوة التي ألحقت خسائر لا تُقدر بالأبنية. في العام ,1996 ضرب البندقية نحو 100 فيضان بمستوى 80 سنتيمترا أو أكثر. التيارات تضرب اليوم سبع مرات في السنة بمعدل ارتفاع متر واحد. السبب الرئيسي في تواتر معدل الفيضانات في البندقية هو انخفاض مستوى الأرض في المدينة التاريخية. فالتيارات المائية التي لم تكن لتضرب البندقية في مطلع عقود القرن الماضي, يمكنها اليوم أن تسبب فيضانات جدية. منذ العام , 1908 البحيرة الضحلة التي بُنيت عليها مدينة البندقية شهدت تناقصا في الفارق بين مستوى الأرض ومستوى البحر بما يقارب الـ 23 سنتيمترا, كما أظهرت الدراسات. وتقول (أمبروسيني) في هذا السياق: (البندقية كغيرها من المدن مثل أمستردام وشنجهاي ونيو أورلينز, تغرق قليلا في المياه كل سنة مع استقرار قاعدة أرضها.) لكن الارتفاع الطبيعي لمنسوب المياه تسبب في غرق المدينة بنحو 4 سنتيمترات على مدى القرن الماضي. وأدى ضخ مياه ما تحت الأرض لأسباب صناعية, وهي تقنية ظل معمولا بها حتى السبعينيات, إلى رفع منسوب المياه أيضا نحو 9 سنتيمترات في مطلع القرن الفائت. لكن المسئولية الأكبر تقع على ظاهرة الاحتباس الحراري, كما يرى الخبراء. فمستوى البحر حول مدينة البندقية ارتفع بنسبة تُقدر بـ 11 سنتيمترا منذ بداية القرن العشرين والنسبة مرجحة لأن تتزايد مع استفحال ظاهرة الاحتباس الحراري. سيناريوهات المستقبل ويرسم الخبراء سلسلة سيناريوهات في محاولة لتوقع كيف يمكن أن تبدو مدينة البندقية في العقود المقبلة. التوقعات الأكثر تشاؤما, تشير إلى أن المدينة ستغوص نحو 50 سنتمترا في الأعوام المئة المقبلة. وإذا ارتفعت نسبة مياه البحر بنحو 30 سنتيمترا (وهي نسبة مبنية على تطور ظاهرة الاحتباس الحراري), فإن المياه ستصل إلى جدران الأبنية, ما يعني أنها ستتعدى الأساسات الحجر التي وُضعت أصلا لمقاومة الضرر الناتج من ملح البحر. وستلحق المياه المالحة أذى بالغا بالحجر الفخار الذي شُيدت منه المنازل بفعل تآكل سيقضي على الإرث التاريخي ويقوض الأبنية. ومنذ فيضان العام ,1966 حظيت البندقية بنعمة الإعانات الحكومية, وجُندت لها حملات دولية, وشهدت إفراطا في الدراسات. لكن على رغم كل ذلك, فإن أيا من الاستراتيجيات المقترحة لم يتم الاتفاق على اعتمادها لإنقاذ المدينة التاريخية التي هي محمية من منظمة اليونيسكو التابعة للأمم المتحدة. وقد فجر فيضان العام 1966 موجة من الاهتمام الدولي شمل جمعيات من مختلف أنحاء العالم (أكثر من 25 مؤسسة) أُنشئت خصيصا لمنع غرق المدينة. المنظمات, وأكثرها اتخذ من البندقية نفسها مقرا لمركزها الرئيسي, أغدقت ملايين الدولارات على ترميم الأبنية القديمة. لكن كثيرين مازالوا غير مطمئنين نظرا إلى غياب مخطط كامل لإنقاذ المدينة. حالة طوارىء دائمة الكونسورتيوم الجديد الخاص بالبندقية, والمكلف من الحكومة الإيطالية إيجاد خطط لإنقاذها من تهديد المياه المرتفعة أطلق حتى الآن نحو 5 مشروعا مختلفا بكلفة إجمالية بلغت 690 مليون دولار أمريكي. ومنذ إنشاء هذا الجسم الإداري قبل 15 عاما, تحول الكونسورتيوم إلى منظمة واسعة تضم موظفين ثابتين وظرفيين يزيد عددهم على 1000 شخص. وتمّ تكليف أكثر من 80 شركة هندسية إيطالية وجامعات إيطالية وأجنبية ومراكز أبحاث لإعداد اثني عشر بحثا معمقا يتناول درس أوضاع البحيرة الضحلة التي تجثم البندقية عليها واقتراح الحلول المحتملة لهذه الأزمة. لكن الكونسورتيوم ومصير المدينة وقعا أسيري التجاذب السياسي. فأحد المخططات الذي يؤكد واضعوه أنه يمكن أن يحل مشكلة ارتفاع نسبة المياه مرة واحدة ما زال معرقلا لأنه يلقى معارضة حماة البيئة. أُطلق على المشروع اسم (موسى) ويقضي ببناء مجموعة من بوابات متحركة بمفصلات للتحكم بتدفق المياه, مهمتها منع مياه البحر من الوصول إلى حوض المدينة عندما يكون المدّ قويا ومهددا لها (فوق المتر). هذه السدود الحواجز التي تُشغل بالقوة الهيدروليكية عددها 79 ويُمكن تركيزها عند النقاط الثلاث حيث للبحر مداخل طبيعية إلى حوض المدينة. المشروع هذا الذي يكلف نحو مليار و950 مليون دولار أمريكي والذي تطلب أعواما من البحث لبلورته واختباره, يرتكز على تصميم عصري في منتهى الحداثة, يسمح بإبقاء البوابات السدود مخفية في الظروف الطبيعية عندما لا تكون هناك حاجة إليها. أما عندما يتجاوز ارتفاع المدّ مستوى المتر فيعمل النظام على ضخ المياه خارج البوابات واسـتبداله بالهواء المضــغوط ممـا يتيح للسدود أن تعوم إلى سطح الماء. ويمكن بهذه الطريقة منع تدفق المياه وإغلاق الحوض عمليا وجعله في معزل عن البحر طيلة فترة المدّ المرتفع. وبعد أعوام من التأخير, حظي مشروع (موسى) بموافقة مجموعات من الإدارات واللجان بما فيها منتدى من الخبراء الدوليين التقوا لتقويم الوضع ودرس المخطط. لكن المباشرة في تنفيذ الفكرة تأخرت بسبب اعتراضات وزارة البيئة الإيطالية. وسيُتخذ قرار نهائي في شأن المشروع بعد انتهاء الانتخابات المحلية التي تُجرى في البندقية في 16 إبريل والتي من المتوقع أن يكون المشروع المثير للنزاع من النقاط الجدلية الساخنة فيها. ويرى البيئيون أن البوابات السدود ستخنق حوض المدينة من خلال منع تسرب الماء إليه, لكن مؤيدي المشروع يردون بأن هذه العملية لن تحصل سوى ما معدله سبع مرات في السنة. وتقول الليدي (فرانسيس كلارك) رئيسة (الصندوق البريطاني لغوث (بندقية في خطر) في هذا الصدد: (لا أعتقد أن الأمر سيكون مؤذيا كما يُصوّر.) وتضيف هذه السيدة التي طالما نظمت حملات لإيجاد حل لمشكلة الفيضانات التي تتعرض لها المدينة: (عندما يُبنى النظام فلن يظهر للعيان كثيرا.) الليدي (كلارك) التي عاشت في البندقية لأكثر من ثلاثين عاما تعرف كل شيء عن مشكلة فيضان المياه. مقر إقامتها تعرض للفيضان عندما بلغ مستوى المياه 120 سنتيمترا. لكن حتى إذا أُعطي الضوء الأخضر لبناء مشروع السدود المتحكمة بتدفق المياه, فإن على المدينة أن تنتظر عشر سنوات أخرى قبل أن يُركز ويبدأ العمل به. خلال هذا الوقت ستعاني أبنية المدينة مزيدا من الأضرار كما يحذر المسئولون. وتقول (أمبروسيني) في هذا الصدد: (المشكلة الحقيقية ليست في أن البندقية مهددة بالغرق كليا بواقع أنه في أوقات المدّ المرتفع تأتي تيارات الماء إلى حوض المدينة وتغادره مجددا كل ست ساعات, لكن من خلال هذه الحركة تتعرض هندسة الأبنية في المدينة لأضرار. فالمياه المالحة تأكل أساس الأبنية, والطريقة الوحيدة لحل هذه المشكلة هو في إقامة سدود لمنع تدفق مياه البحر. التلوث .. القاتل ويبقى التلوث الخطر الآخر الذي يهدد المدينة. ففي الأعوام الأخيرة, كانت النفايات الزراعية والمدنية الصناعية تحديدا تُلقى مباشرة في حوض المدينة. ومن بين تلك النفايات كميات كبيرة من المعادن الثقيلة الآتية من مرفأ (بورتو مرجيرا) القريب حيث توجد إلى جانبه مصانع الصلب والكيميائيات ومصافي النفط. وما زال هناك نحو 17 مكبّ نفايات عشوائيا في الحوض, يعمل الكونسورتيوم على حظرها واحتواء الضرر الذي تسببه. والنتيجة كانت تراجعا ملحوظا في عدد الحيوانات البحرية والأسماك التي تعيش في حوض البندقية واجتياح أعشاب بحرية لمياهه ما يشير إلى تلوثها. قنوات المدينة تبدو أكثر اتساخا من ذي قبل, ولا سيما في الصيف, ورائحة النتانة التي تفوح منها لا تُطاق. وما يفاقم في المشكلة هو زيارة نحو 12 مليون سائح للمدينة كل سنة, وهؤلاء يخلّفون وراءهم آلاف الأطنان من النفايات. تضاعف عدد الزائرين المتوقع هذه السنة للمشاركة في احتفالات اليوبيل دفع بالسلطات إلى اقتراح تحديد عدد الزائرين وجعلهم يمضون على الأقل ليلتين فيها. في الوقت الراهن, إن غالبية السياح الذين يفدون على المدينة هم من السياح الذين يأتون لتمضية يوم واحد, وكثير منهم لا يترك فيها سوى القمامة. وتقول الليدي (كلارك) معلقة: (من الصحيح أنه يأتي إلينا عدد كبير من الزائرين الذين لا يبيتون في المدينة. وهؤلاء يجلبون معهم زادهم, وما يتركونه وراءهم هو الكثير من الفوضى).

طباعة Email
تعليقات

تعليقات