الواقع الاستهلاكي للعالم الاسلامي

جاء الاسلام بضوابط وحدود لو تمسك بها الانسان والمجتمع والدولة لسعدت الأمة وحققت لنفسها ولأجيالها المستقبلية كل خير وتقدم وهناء, ولقد انعم الله تعالى على الأمة الاسلامية بنعم لا تعد ولا تحصى، ولكن بعد المسلم عن دينه ومبادئه دفع به الى هذا الضعف والاستكانة والفقر, فالاستهلاك الشره للمواد الغذائية والتبذير والاسراف عوامل داعية الى اهتزاز المجتمع والوصول به الى مرحلة البطر وغمط النعم وعندما يصل أي مجتمع اسلامي الى هذه المرحلة تنتهي علاقته بقيمه ويبتعد تدريجيا عن مبادئه ومثله وتكون النتيجة غضب الله وسخطه وما نراه وما نعلمه من فقر وحاجة ومن شبع وبطر مظاهر حتمية لذلك. وكاتب (الواقع الاستهلاكي للعالم الاسلامي) لمؤلفه زيد بن محمد الرماني محاولة لاعطاء القارئ فكرة عن ظاهرة الاستهلاك الشره والفاقة المتناهية واتساع الهوة بين افراد المجتمع الواحد ثم البحث عن حل مناسب لها للخروج منها باذن الله. والكتاب من اصدارات رابطة العالم الاسلامي بمكة المكرمة الشهرية التي تخرج تحت عنوان (دعوة الحق) ويحمل رقم الاصدار او الكتاب (148) ويقع في حوالي 90 صفحة من القطع المتوسط بدأه المؤلف بمقدمة تحدث فيها عن ظاهرتين أو مظهرين من مظاهر الواقع الاستهلاكي في العالم الاسلامي يتعلق الأول بظاهرة الفقر واهمال الحاجات الاساسية ويتعلق الثاني بظاهرة الاسراف والتبذير لكنه قبل ان ينخرط في الحديث عنهما يقدم توضيحا لمفهوم العالم الاسلامي والاسباب التي تدعو الى دراسة اوضاعه ثم يذكر صورا مما يعانيه العالم الاسلامي المعاصر في واقعه من مثل المأزق الاستهلاكي وبعض الظواهر السلوكية الاستهلاكية ويشير الى بعض الدراسات التطبيقية للانفاق الاستهلاكي في بعض دول العالم الاسلامي ويختتم المؤلف البحث بايجاز الملامح العامة للحل الاسلامي الذي يعالج مشكلات الواقع الاستهلاكي خاصة والسلوك الاستهلاكي عامة للعالم الاسلامي المعاصر. حمى الاستهلاك يؤكد الكاتب ان العالم كله بكافة دوله متقدمة كانت او نامية يسوده حمى الاستهلاك أو النهم الاستهلاكي, فقد أصبح الانسان المعاصر مجرد أداة استهلاكية لا هم له الا ان يقتل نفسه جهدا ليزيد دخله ويحصل على ما يشتري من أدوات استهلاكية مادية غير ضرورية تفرضها على تفكيره وسائل الاعلام وفنون الاعلام بزعم أنها مقاييس للمكانة الاجتماعية ومصادر للهناء الفردي, وقد ادى ذلك الى تداعي القيم الخلقية وانتشار القلق وتزايد العنف وارتفاع معدلات الانتحار فضلا عن شيوع اسلوب البذخ وامراض التخمة والسمنة وكل هذا ضياع للفائض وتبديد للثروة. واقع المسلمين المسلمون في القرن العشرين يعانون من التضخم والترف والاسراف والبطالة وضعف الهياكل الاقتصادية لبلادهم التي لاتزال تحت ضغوط التبعية الاقتصادية لغير المسلمين وحركات الاخلال بالعلاقات الاقتصادية الدولية لمعدلات التبادل الدولي والاحتكارات الدولية والأسواق واستثمارات الموارد واسعار صرف العملات والمديونية الخارجية بغية نهب ثروات العالم الاسلامي. وبعد ان يعدد المؤلف صورا من واقع العالم الاسلامي كالتخلف الصناعي والزراعي والتجاري والاسراف والتبذير والجهل بالموارد الطبيعية وانتشار الجرائم المختلفة والامراض القاتلة وهجرة العلماء يتحدث عن المأزق الاستهلاكي حيث يقرر انه من المدهش ان معظم الدول النامية كانت دولا مصدرة للغذاء حتى منتصف الاربعينيات من القرن الحالي ثم تحولت منذ نهاية الحرب الثانية في مجموعها الى دولة مستوردة له. المأزق الاستهلاكي وعن أسباب وجود المأزق الاستهلاكي في الدول الاسلامية يقول المؤلف: ــ افتقاد السلوك الرشيد لدى الافراد كمستهلكين. ــ عزوف الافراد كمنتجين عن مؤازرة الاقتصاد الوطني. ــ الافتقار الى وجود تخطيط او تنظيم رشيد للاستهلاك مع التوسع في برامج التنمية. ــ الفاقد والضياع في الموارد المتاحة من المنتجات الغذائية. ظواهر سلوكية استهلاكية يقرر المؤلف ان العالم الاسلامي تسوده ظواهر سلوكية استهلاكية واضحة ومنها: ــ ظاهرة المجتمع الاستهلاكي: وهو مجتمع يسوده المال وذلك من ناحيتين من حيث يلهث فيه المرء وراء الكسب ليتمكن من استهلاك اوفر ورفاهية افضل ومن حيث ان حركة الاستهلاك موجهة بالفعل ومخطط لها بشكل مدروس ومبرمج. ــ ظاهرة الشراء النزوي (التلقائي): ويقصد بها شراء سلع لم تكن في ذهن المشتري قبل دخول المتجر. ــ ظاهرة حمى الشراء او النهم الاستهلاكي: لان الادمان على الشراء لا يقل خطرا ودمارا نفسيا عن خطر الادمان على الكحول أو المخدرات. ــ ظاهرة الاستهلاك الترفي: وهو انفاق على سلع كمالية وفي مناسبات غير ضرورية. ــ الانفاق الاستهلاكي: كنتيجة طبيعية لضعف الالتزام بقواعد النظام الاقتصادي الاسلامي وقد ادى ذلك الى ارتفاع الميل الحدي للاستهلاك وزيادة الاتكالية والاعتماد على الخدمات الحكومية والزيادة المفرطة في الاستيراد للسلع والخدمات الترفية والانفاق الاغراقي البذخي, وكان من نتيجة هذا المسار الانفاقي المغلوط اضافة الى المسار التنموي المغلوط في البلاد الاسلامية ان لجأت الى محاولة سد العجز بالاعتماد على الاحتياطي العام وعلى الاستثمار الخارجي. أخطاء تخطيط التنمية في الدول النامية: ــ يذكر المؤلف هنا ببعض اخطاء تخطيط التنمية في بعض البلاد الاسلامية ومنها شغف المسئولين بالأرقام وتهذيب الحسابات الوطنية دون النظر اذا كانت الخطة جوفاء أم لا, اضافة الى الافراط في الضوابط والتشبث بوهم الاستثمار دون الاهتمام بمستواه من الناحية الفعلية علاوة على اغفال الموارد البشرية. ماذا عن الفقر في دول العالم الاسلامي ــ يمثل عدم اشباع الحاجات الأولية اكثر مظاهر الفقر وضوحا, وهي بدورها تقاس بمستويات الاستهلاك وتوافر الخدمات الأساسية وتؤدي الى اثار خطيرة على الفرد والامة منها: الخطر على العقيدة خاصة عند الفقير المدقع, ثم الخطر على الاخلاق والسلوك وامن المجتمع اضافة الى تسببها في احداث البطالة وتدهور الصحة العامة والصحة النفسية. أسباب الاسراف والتبذير: يعدد المؤلف الأسباب الباعثة على الاسراف والتبذير ومنها: ــ جهل المسرف بتعاليم الدين ونشأته الأولى على الإسراف والبذخ والغفلة عن طبيعة الحياة الدنيا, ويسار الانسان بعد عسره والغفلة عن الآثار المترتبة على الاسراف والتبذير. وفي ختام البحث يجمل الباحث الحلول في نقاط رئيسية على النحو التالي: ــ لابد من العمل لما بعد الموت متمثلا في مراعاة رفاهة الآخرين وهو ما يعبر عنه بالرشد الاقتصادي في مجال الاستهلاك. ــ لابد من الارتباط الشامل بين القيم الدينية والمعايير الاخلاقية وبين قرارات الحياة اليومية. ــ تكييف الهيكل السلعي للطلب العقلي في المجتمع لصالح الحاجات الضرورية أولا. ــ توجيه جانب يتجدد بصورة دورية للفئات منخفضة الدخل ذات الميل الحدي المرتفع لاستهلاك الضروريات. ــ استغلال الموارد وتخصيصها لانتاج التوليفة التي تشبع احتياجات المجتمع في اطار الضوابط الشرعية. ــ الالتزام بالاخلاق الاسلامية والتزهد في الحياة ومن ثم تؤثر درجة التقوى على ما يستبيحه المستهلك المسلم. ــ الواقعية في الانفاق وتحديد مستوى من المنفعة يتامشى مع درجة التقوى التي يتحلى بها المسلم. * كلية الشريعة ــ الرياض

طباعة Email
تعليقات

تعليقات