من الواقع ، الدنيا دولاب والزمان قلاب

لأن سنة الحياة لا تعترف بالثوابت والدوام الا لله جل وعلا, ولأن الدنيا دولاب والزمان قلاب.. ولأن صاحبنا المسئول السابق لم يدرك صحة المعادلة التالية (لو دامت لغيرك ما وصلت اليك) وجد نفسه بين ليلة وضحاها قابعا في بيته الذي تخال ان لا أحياء فيه.. ساحته خالية من السيارات الفارهة.. هاتفه صامت. . خدمه بلا حراك مرتاحين, مسرورين في سرهم فلا ولائم بعد اليوم.. مرض لم يزره أحد.. غاب لم يسأل عنه أحد.. سافر لم يستقبله أو يودعه احد.. قابل عددا من مرائيه السابقين صدفة فأنكروه جميعا.. حاول اختبار الاصحاب في طلب المساعدة فاعتذر بعضهم بلباقة وصده آخرون بتشفي وكراهية. قاطع الأماكن العامة تحسبا من الاشارات الملغومة والاحاديث الجانبية. لكن بعض أصدقاء زمان اصبحوا يديرون جلسات خاصة يسخرون فيها من صاحبهم القديم وما آل اليه حاله, فأصبحت قصته كاللبان في الأفواه. هذا المسئول السابق كان قد اعتلى, قبل بضع سنوات خلت, منصبا رفيعا في وظيفة مرموقة, فأصبح محط أنظار الجميع, وغدا يقابل بالاجلال والتعظيم, بات يحسب له ألف حساب في المؤسسة التي يعمل بها وخارجها, فالجميع يشيد بذكره ويعدد مناقبه, كان يرصد كالهدف في رادارات الموظفين في كل خطوة يخطوها فاذا ما تحرك او عطس يعلم الجميع بذلك.. متى يتناول طعام الافطار وماذا يتناول, ما هو مشروبه المفضل من ساخن وبارد, وفي أي ساعة يتناول غداءه وما هي الأصناف, وهل استرخى أو غفا في القيلولة, موعد سفره وعلى أي طائرة والى أين ومتى ولماذا؟ وكل شاردة وواردة عنه يعرفها موظفوه فقد أمسى بريقه نجما وأشهر من نار على علم. كان له أصدقاء واصحاب من كل الجنسيات وفي كل الاماكن.. واينما حل يستقبل بالحفاوة والتكريم مثلما يودع, هواتفه لا تتوقف عن الرنين.. وخدمه لا يجدون وقتا للراحة من اعداد الولائم وهو يوزع وقته وابتسامته وعباراته المرحبة للقادمين. وفجأة انتهى كل شيء, ضاع كل شيء, وفقد كل من كان حوله. حقيقة يصعب علينا مهانة الرجال, ولكن في نفس الوقت نلوم هذا المسئول السابق فهو لم يحسن اختيار الاصدقاء كما يجب, ولم يحاول مجرد التفكير في حجم الهالة التي يعيشها والتي ترسم عادة لأصحاب المناصب الرفيعة من قبل المتسلقين, ليستطيع التمييز بين الغث والسمين, بين المخلص والمراوغ, وكأنه كان يقنع نفسه بأن من يرتقي المقاعد العالية لا بد وأن يلبسه البعض جوخا, معتبرا ان ذلك من المزايا التي يجب ان تطالها الايدي الطويلة لمسحها وتلميعها. ومن جهة اخرى فان من يراعي الله في أي موقع كان بالاستقامة والعمل الجاد والالتزام والاعتدال والعدل وبالتواضع والترفع لا بالغرور والتكبر, وبعمل الخير لا بالأذية, وبتحمل المسئولية بأمانة لا باستغلال المناصب لمنفعة او جاه او مكسب, بحيث اذا ما فرغ من منصبه يكون نظيفا ابيض ناصعا, فيحفظ قدره وينال احترامه الفعلي ويحوز على محبة الناس الحقيقية له, ليعيش بالتالي بقية عمره معززا مكرما, والاهم من ذلك كله ان يقتنع بأنه ارضى الله في كل عمل كان يقوم به, وان يكون ضميره مرتاحا, ومقتنعا بأنه لم يسبق وان ظلم أحدا. محمد خليفة

تعليقات

تعليقات