هوليوود العرب في مئة عام تغييب الحقيقة وتكبير للأخطاء

تغيرت ـ او تحسنت ـ في هوليوود, عاصمة (الصناعة الثقيلة) للسينما, صور الزنوج والهنود الحمر والجنود النازيين والروس الحمر والشعوب البدائية, ولكن صورة العرب لم يطرأ عليها اي تغير, فهي مشوهة مسبقا في الافلام التي تنتجها هوليوود او بعض مراكز الانتاج السينمائي والتلفزيوني في اوروبا, وقد لا نجد جوابا مختصرا لسؤالنا المختصر: لماذا؟ والحكاية قديمة تمتد بجذورها الى بدايات السينما الصامتة, وهي مستمرة, مع استمرار نسبة الافلام الضئيلة التي تنصف صورة العربي, او تتعامل معها بحيادية, دون قصد مسبق, بالقياس الى النسبة العالية للأفلام التي طرحت موضوعات اساسية لها علاقة بالعرب, او طرحت شخصيات ثانوية في هذا المجال. (هوليوود والعرب) بحث مطول, تأليف محمد رضا, صدر في مطبوعات مهرجان السينما العربية الاول في البحرين في 240 صفحة من القطع المتوسط, ولا يدعي المؤلف انه رصد كل الافلام القديمة والجديدة التي يشملها العنوان, ولكنه رصد كل ما استطاع مشاهدته منها, وقد تجاوز عددها ثلاثمئة وخمسة وسبعين فيلما, بينها اكثر من مئة فيلم تنتمي الى الفترة الصامتة التي بدأت في منتصف القرن التاسع عشر وامتدت الى نهاية العشرينيات من القرن العشرين. ويقول المؤلف في المقدمة انه استبعد عددا من الافلام التي لم ير داعيا الى استخدامها, كالافلام التي حققها مخرجون مهاجرون عرب في السينما الغربية, والافلام الاسرائيلية البحتة, او التي صنعت بتمويل امريكي على غرار هوليوود, كما استبعد الافلام التي تناولت المسلمين غير العرب, وميز بين العرب والفراعنة او الآشوريين.. كما اهمل الافلام المستوحاة من الانجيل او التوراة, مثل (الوصايا العشر) و (كوفاديس) , حيث تختلط الازياء العربية واللهجات بين المغرب والمنطقة المتوسطية والخليجية دون تمييز. العلاقة بين الغرب والشرق العربي ليست جديدة, ولكنها في المستوى الثقافي والفني علاقة مشوهة, ويؤكد المؤلف ان تقصير العرب في تغيير هذه الصورة كان سببا في استمرارها, في السينما, مع تحسن طفيف في السنوات الاخيرة. وفي البحث عن الاسباب الحقيقية لتشويه صورة العربي في السينما الغربية قد يبرز امامنا سببان اساسيان, يتمثل الاول بنزعة التعصب الاعمى الذي تمتد جذوره الى الحروب الصليبية والخوف من مواجهة مسيحية اسلامية, تشكل خطرا على الحضارة الغربية, اما السبب الثاني فيمثله التعصب الاعمى الاخر, في الصراع العربي الاسرائيلي, والانحياز المسبق ضد العرب في السينما, في موازاة الانحياز المسبق ضد العرب في السياسة, وغيرها. شرور متعمدة ارتبطت حكايات (الف ليلة وليلة) بسحر خاص للحياة العربية, هو مزيج من سحر الصحراء والعشق والمغامرات الخيالية الجريئة والابتكار والبطولة والكرم والوفاء والحكمة, ولكن اكثر السينمائيين الغربيين الذين جذبتهم هذه الحكايات اضافوا اليها عمدا شرورا ألصقوها بشخصية العربي, ومن هذه الشرور الغدر والكذب والاحتيال واللصوصية والتخلف والتآمر والتخريب, اما الذين يحاولون الاقتراب من الحقيقة او انصاف صورة العربي في السينما فإن ابواب الشركات الكبرى للانتاج ستغلق في وجوههم بشكل آلي. لمع اسم نجم السينما الصامتة رودولف فالنتينو في فيلمين صامتين من افلام المغامرات الصحراوية هما (الشيخ) 1921, و(ابن الشيخ) في الفيلم الاول يحب الشيخ احمد امرأة انجليزية (ليدي ديانا) فيخطفها الى خيمته الكبيرة, لكنها تصر على اطلاق سراحها فينفذ الشيخ احمد ورجاله رغبتها, لكن عددا من رجال قبيلة معادية يختطفونها, فيهب الشيخ احمد ورجاله لانقاذها, حيث تكتشف اصالة عواطف الشيخ احمد كما تكتشف حبها له, ولكن المعادلة الصعبة في هذا الفيلم تتمثل في قلة الشخصيات الطيبة وكثرة الشخصيات الشريرة. في عام 1915 اخرج سيسيل ب. دي ميل فيلما بعنوان (العرب) , ويحمل حكاية عن شيخ قبيلة يعاقب ابنه لمشاركته في سلب قافلة, فيقوم الاب ببيع الحصان المفضل لدى ابنه الى تاجر, ويبيعه التاجر الى ضابط تركي يهديه بدوره الى المبشرة الغربية ماري, يبحث الابن عن الحصان فيجده عند ماري التي احبها وحبته, وانقذها مع اهلها من مجموعة من الاشرار العرب, وكان عليه ان يهجر ماري ليصبح شيخا في العشيرة, او يهجر العشيرة ليبقى الى جانب ماري. كانت بداية الثلاثينيات فترة انتعاش للاقتصاد الامريكي الذي عانى من الكساد في نهاية العشرينيات, كما كانت بداية لتأسيس الاستوديوهات الكبرى في هوليوود بعد انتشار السينما الناطقة, فاستقلت هوليوود عن نيويورك, وانتجت في عقد الثلاثينيات حوالي خمسة آلاف فيلم, من بينها افلام تحمل موضوعات او شخصيات عربية. في هذه المرحلة تعيد هوليوود انتاج بعض الافلام الصامتة, ويبدأ جيل جديد من النجوم, والافلام المسلسلة, مثل افلام طرزان, وعلاء الدين وعلي بابا, وقسمة. اما الاربعينيات فقد شهدت موجة من الافلام الحربية والبوليسية تحت تأثير الحرب العالمية الثانية, الى جانب الانتاجات الضخمة, واتسعت دائرة الافلام التي تضم شخصيات عربية, او مدنا عربية, مثل كازا بلانكا وبغداد والجزائر والقاهرة والسويس, وتظهر افلام عن مجرمي الصحراء وغزاة الصحراء, وليال عربية, وسلسلة افلام عن المومياءات, وسندباد, وشهرزاد, والف ليلة وليلة, وفي اغلب هذه الافلام وغيرها يتلازم الشر مع الشخصيات العربية كالعادة, ومع التوسع في الانتاج تعددت نوعية الافلام, ودخلت الشخصية العربية في بعض افلام الكاوبوي والافلام الحربية المستوحاة من المواجهات الحربية في شمال افريقيا. في عقد الخمسينيات انتشرت محطات البث التلفزيوني فجذبت اليها نسبة لا بأس بها من رواد الصالات السينمائية, خصوصا ان هذه المحطات بدأت ببث مسلسلات تلفزيونية وافلام سينمائية, وخشيت شركات الانتاج السينمائي الكبرى من هذه المنافسة, فعمدت الى انتاج الافلام ذات الانتاج الضخم, وتحسين شروط العرض السينمائي باضافة الشاشة العريضة (السينما سكوب). وحفلت هذه الفترة بمزيد من الافلام ذات العلاقة بالحياة العربية ومنها: نسر الصحراء, فانتازيا تجمع بين سندباد وعلاء الدين والفارس عمر الذين يتعاونون للقضاء على شرور الامير مراد الذي يخطط للزواج من ابنة الخليفة شهرزاد. الصقر الذهبي: تجري احداثه في تونس, حيث يصر احد القراصنة على الانتقام لمقتل والدته على ايدي رجال الحاكم, ولكن الحسناء التي تهيم به حبا ترجوه ان يلغي مهمة الانتقام ويهرب معها. لص دمشق: فيلم اسوأ من فيلم (لص بغداد) , حيث نجد ان علاء الدين والسندباد وشهرزاد يديرون صراعا ضد الحاكم واتباعه, وفيه مشاهد قتال مسروقة من افلام تاريخية اخرى. اغنية الصحراء: اشرار نازيون مع حلفاء لهم من العرب يدبرون خطة ضد الحلفاء, فيتعاون الامريكي الغامض مع شخصية عربية هي الطيب يوسف لاحباط هذه الخطة. مدن عربية شهد عقد الستينيات اهتماما خاصا بأفلام الجاسوسية وبداية متنامية لافلام الخيال العلمي, وانتشرت الافلام الملونة بشكل واسع, وانتجت السينما العالمية فيلمين هامين حول القضايا العربية هما (معركة الجزائر) للمخرج الايطالي جيلو بونتكورفو, و(لورنس العرب) من اخراج ديفيدلين, لقي الفيلم الاول ترحيبا عربيا خاصا بمضمونه الفكري ومستواه الفني حيث حصل على جائزة الاسد الذهبي عام 1962 في مهرجان فينيسيا. اما فيلم (لورنس العرب) فقد واجه موقفين عربيين مختلفين حوله, ومنع عرضه في بعض الدول العربية, لما فيه من مغالطات تاريخية تتعلق ببعض الشخصيات الرئيسية, لكنه حصد ست جوائز اوسكار عام 1962 والى جانب هذين الفيلمين انتجت السينما العالمية والامريكية بشكل خاص اكثر من اربعين فيلما تضم شخصيات عربية او تحمل في عناوينها اسماء مدن عربية كالقاهرة وبيروت والخرطوم وطبرق, حيث تجري الاحداث. يقول المؤلف ان السبعينيات كانت تطرح افكارا سلبية او ايجابية حول العرب في السينما الغربية, ولكنها تحاول تثبيت صورة العربي التي تثير السخرية والرثاء, وتحذر من خطر هذا العربي, حينا, وتصور (اسرائيل) كدولة مدافعة عن المصالح الامريكية, وظهرت في هذا العقد بعض الافلام الايجابية, مثل فيلم (الرسالة) لمصطفى العقاد, واعطت العمليات الفدائية فرصة جديدة للسينما الغربية لربط الشخصية العربية بالارهاب وتجاهل القضية الفلسطينية. في الثمانينيات حقق مصطفى العقاد فيلم (عمرالمختار اسد الصحراء) وحقق كوستا جافراس فيلم (هاناك.) وكان انجازا متميزا في مواجهة الافلام المعادية التي تحاول بأساليب متجددة اثبات ان العرب خطر على السلام في المنطقة وفي العالم, لكن من المؤسف, كما يقول المؤلف ان الرأسمال العربي مستعد للاستثمار في كل شيء (حتى لو خسر فيه) لكنه يظل منحسرا, في مجال انتاج افلام تلعب دورا حضاريا واعلاميا واضحا. بانتهاء الحرب الباردة في اوائل التسعينيات وتجزئة الطرف العربي في الصراع الطويل وكارثة حرب الخليج لم تتغير النوايا لدى المنتجين, ولكن لم يعد المشاهدون يرغبون في مزيد من الافلام الهابطة عن العرب, مع استمرار انتاجها, وفي الجانب الاخر حاول بعض المنتجين والمخرجين تقديم افلام لا تحمل اساءة مسبقة, ولكنها ليست مصرة على البحث عن الحقائق المرة. اخيرا يمكن ان نقول ان كتاب (هوليوود والعرب) يحمل طموحا كبيرا في التوثيق والنقد, ولكنه يحتاج الى عناية خاصة لتخليصه من الاخطاء الطباعية واللغوية الواضحة. بقلم: بندر عبدالحميد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات