بعد مرور أربعة أعوام على رحيله ، صلاح أبو سيف أبو الواقعية السينمائية العربية

ت + ت - الحجم الطبيعي

الحياة فيلم كبير, وشاشة سينما واسعة, يمكنها أن تشمل كل حركاتنا, مشاعرنا وجنوننا, لحظات الإحباط المتكرر والسعادة الهاربة. والبعض فقط يمتلكون أدواتهم ونظراتهم الثاقبة ويستطيعون اخراج هذه الحياة أو هذا الفيلم.. يتحكمون في مشاهده وإضاءته وسرعة لقطاته ليسجلوا ما يريدون بأنفسهم وبلغة سينمائية عالية البراعة. و(صلاح أبوسيف) واحد من هؤلاء الفنانين الكبار أصحاب الرؤى الخاصة والمتميزة استطاع أن يدور بالكاميرا ليلتقط أدق تفاصيل حياتنا الداخلية, أرق أرواحنا الصاخبة والمتعبة وهو من خلال 41 فيلما قدمها للسينما العربية استطاع أن يمثل بحق ظاهرة لا تتكرر. هو أبو الواقعية السينمائية لدى العرب أجمعين.. إليه وردة من جمهوره الفقير في ذكراه الرابعة.. ولد (صلاح أبوسيف) في العاشر من مايو عام 1915 في حي (بولاق أبوالعلا) وكان يطلق على نشأته في هذا الحي الفقير مازحا بأنه ولد محظوظا لأنه يتطلع إلى حي الزمالك الراقي عبر النيل ولأنه لو كان من أبناء حي الزمالك فإنه لم يكن ليرى غير حي بولاق والفقر المحيط به. وقد إكتشف أبوسيف في وقت مبكر أن الفقر هو الذي يحكم المشاعر والاتجاهات وهو أساس المشاكل فهو يقول: (مادام الإنسان فقيرا يمكن الاستيلاء عليه بسهولة ولذا فكل أفلامي تدور في عالم الفقراء وتصور الكوارث التي يسببها الفقر) . ولعل كان هذا مدخلا طبيعيا لكي يصبح أبوسيف أبو الواقعية في السينما المصرية والعربية وأحد علاماتها البارزة. وقد بدأ دراسة السينما في فرنسا, وعاد بعدها ليعمل موظفا في ستديو مصر واتجه خلالها إلى فن المونتاج, حتى وأتته الفرصة وعمل مساعدا للمخرج (كمال سليم) في فيلم (العزيمة) عام 1939 وهو الفيلم الذي يعتبره النقاد حجر الأساس للواقعية في السينما المصرية. وفي دراسة (لهاشم النحاس) عن أبوسيف يقول: ربما لا نجد ما نبغيه من واقعية وتنوير في أفلام صلاح أبوسيف الستة الأولى التي بدأت بفيلمه المليودرامي (دايما في قلبي 1946) المقتبس عن الفيلم الأمريكي (جسر ووترلو) رغم تأهيل صلاح فنيا ونفسيا لعمل هذه الأفلام ورغبته في تحقيقها. ويرجع ذلك للجو الاجتماعي والسياسي العام والجو المهني أيضا في مجال السينما الذي لم يكن مهيأ لقبول مثل هذا الطموح في أعقاب الحرب العالمية الثانية. لكن بعد أن تمكن (أبوسيف) من أدواته الفنية والتكتيكية في هذه الأفلام الستة الأولى القى بنفسه واثقا في بحر الواقعية وأعلن عن هويته بقوة وإصرار من خلال فيلمه (لك يوم ياظالم 1951) الذي اضطر إلى المغامرة بإنتاجه بعد أن فشل في إيجاد منتج له. يقول أبوسيف عن هذا الفيلم: (بعد أن كونت نفسي كمخرج, وقدمت ستة أفلام متنوعة جاءتني عروض عديدة لأفلام لم تتوافق معي ولو دخلت فيها لسقطت مثلما حدث مع زملائي.. كان علي أن أدخل مرحلة جديدة, فقررت إنتاج فيلم مأخوذ عن رواية (لإميل زولا) ولكن ستديو مصر رفض انتاج الفيلم وكذلك كل المنتجين الذين عرضت عليهم السيناريو.. وقررت الانتاج فبعت سيارتى, ومصاغ زوجتي وأنتجت فيلم (لك يوم يا ظالم) وقبل العرض بأسبوع لم يكن لدى قوت يومي, حتى الخادم في المنزل كان يرثي لحالي, ونجح الفيلم تجاريا وفنيا. ورغم أن الفيلم مأخوذ عن رواية فرنسية إلا أن (أبوسيف) نجح بشكل مذهل في إضفاء طابع المحلية على الأحداث والشخصيات والمشاهد. ولأول مرة يظهر (الحمام الشعبي) في السينما المصرية لتدور فيه أهم مشاهد الفيلم إلى جانب الحي الشعبي المصري الذي أصبح منذ هذا الفيلم بطلا أساسيا لأغلب أفلام (أبوسيف) . فقراء واقطاعيون وكان الفيلم الثاني في إطار الواقعية (والثامن فى مجمل أعماله) هو فيلم (الأسطى حسن) 1952 وهو تصوير لحياة الفقراء الذين لا يملكون شيئا فى مقابل شريحة الإقطاعيين الذين يملكون كل شيء ويعبثون أيضا بكل شيء ومنها نفوس الفقراء الذين تستدرج احدى النساء الأثرياء واحدا من شبابهم إلى معاشرتها.. والفيلم يضع بدون إدعاءات بذور الفكر الاشتراكى الذى انتمى له أبوسيف حتى نهاية رحلته.. وبعدها يتربع صلاح أبوسيف على عرش المدرسة الواقعية للسينما المصرية بأفلامه الأربعة اللاحقة التى بدأ بإخراجها بعد الثورة 1952 ووصل بها إلى ذروة التعبير عن الواقعية وهى على التوالى (ريا وسكينة 1953) و(الوحش 54) و(شباب امرأة 56) و(الفتوة 57). ويعتبر فيلم (الفتوة) على قائمة أفلام هذه المرحلة بشدة جاذبيته وعمق تحليله لآليات السوق الرأسمالى فى مجتمع متخلف تحكمه سلطة فاسدة مماتضيع معه الحقوق تماما وتأتى نهاية الفيلم المفتوحة لتؤكد أن الفساد قائم طالما أن النظام قائم بغض النظر عن بقاء الأشخاص أو تبدلهم وكانت النهاية بذلك ثورية جديدة سواء على مستوى الفن أو التكنيك وكلاهما يحمل على التحريض لتغيير هذا النظام القائم. وبعد هذه الأفلام عرف صلاح أبوسيف (إحسان عبدالقدوس) واخرج له ثمانية أفلام وهى مجموعة لم يرض عنها النقاد واعتبروها انحرافا من صلاح أبوسيف عن واقعيته التى نالت إعجابهم. وعن هذه الأفلام يقول أبوسيف: (قرأت لإحسان عبدالقدوس ككاتب سياسى وأديب قبل أن أتعامل معه).. والوسادة الخالية هى أول فيلم أخرجه عن عمل أدبى له وتوالت الأعمال بعد ذلك, فأخرجت (الطريق المسدود) , (أنا حرة) , (لا تطفئ الشمس) و(وسقطت فى بحر العسل) و(البنات والصيف) ويرى (هاشم النحاس) بخلاف باقى النقاد أن (صلاح أبوسيف) استطاع بهذه المجموعة من الأفلام أن ينقلنا إلى مستوى آخر من مستويات الواقعية إذا نظرنا إليها بإعتبارها الأسلوب الموضوعى العقلانى فى مناقشة هموم الناس ومشاكلهم وقيمهم بغض النظر أن تجرى أحداثها داخل الحارة والأحياء الشعبية كما أرادها النقاد أو خارجها كما أرادها صلاح أبوسيف فى هذه الأفلام. و(أبوسيف) صاحب رصيد مرتفع من المعارك, خاضها بمفرده فى مواجهة النقاد وبرؤيته الحادة الثاقبة, ولعل من أكثر أفلامه التى أثارت خلافا حادا هو فيلم (حمام الملاطيلى) وهو عن رواية بنفس العنوان للروائى (إسماعيل ولى الدين) وقد واجه نقدا شديدا حتى وصل الأمر بالناقد (حسن إمام عمر) أن يطالب بمصادرة هذا الفيلم.. ويتهمه (سمير فريد) بأنه فضيحة. بينما نجد فى مقابل ذلك الهجوم من يقول أن (صلاح أبوسيف لا يرينا عرى الاجساد فحسب, بل يرينا قبل كل شئ عرى الأرواح فى جرأة فريدة تحتقر النفاق. جرأة قاسية لكن فيها سر الشفاء) . ولعل ما أثار النقاد فى الفيلم مشاهد الجنس المتكرر. وظهور درويش يصرخ مرات كثيرة (إصحى يا مصر) ويحكى بلا مبرر بعض الحكايات التاريخية ذات المغزى. وذلك من خلال قصة الفيلم التى تدور حول شاب من مهجرى الإسماعيلية فى أعقاب حرب 67 جاء إلى القاهرة بحثا عن عمل فيتكشف له فساد المدينة ويرى الحل فى العودة إلى الإسماعيلية رمزا لضرورة الحرب مع العدو وحتميته. ويقول (أبوسيف) عن هذا الفيلم: (الفيلم يقول أننا لم نخذل فى حرب 67 لأننا ضعفاء إنما لأننا نضيع وقتا طويلا فى التفاهات, لذلك توقعت أن الفيلم سيمنع من العرض فى كل البلاد العربية فقررت انتاجه لأتحمل المسئولية وأثار الفيلم ضجة كبيرة فى الرقابة لكنه حقق نجاحا كبيرا.. ثم يأتى فيلم (السقامات) 1977 لينتقل إلى مستوى آخر من مستويات الواقعية وهى مايمكن تسميتها بالواقعية الشعرية والتى تتفق مع واقعية الحارة فى اختياره البيئة (المكان والناس) إلا أنها تختلف عنها فى تجاوز هذا الوصف الخارجى إلى عمق معنوى آخر يتصل بالذات الإنسانية ورغباتها, إشتعالها وانطفائها. ويقول (سمير فريد) عن هذا الفيلم (أنه يعتبر من أفضل الأفلام المصرية ولا يستمد قيمته من تصوير الرومانسية, وإنما من كونه أكثر أفلام أبوسيف شخصية وأعنى بها الأصالة فى التعبير عن عالم الفنان الداخلى وعلاقته بالحياة والمجتمع. (السقامات) هو صلاح أبوسيف بخلاصة تجربته الفنية وأسلوبه فى التعبير عن أفكاره وأحاسيسه.. ويقول أبوسيف عن هذا الفيلم - وهو عن رواية ليوسف السباعى: حاولت تنفيذ (السقامات) فلم يوافق أى منتج على ذلك لأن موضوع الرواية يدور حول الموت. وتجمد المواقف حتى أنشأ يوسف شاهين شركة انتاج وطلب مني أن ينتج هذا الفيلم . وبعد عرضه اعترف (السباعى) فى بادرة غير مسبوقة - بأن الفيلم أحسن من القصة! آخر الأفلام أما (المواطن المصرى) .. فهو آخر الأفلام التى أخرجها صلاح أبوسيف عن رواية الأديب يوسف العقيد (الحرب فى بر مصر) وقد حقق الفيلم نجاحا كبيرا رغم أنه لم يستمر فى دور العرض أكثر من 5 أسابيع لسوء الوقت الذى عرض فيه.. وبهذا الفيلم يكمل (أبوسيف) قائمة أفلامه الناجحة وعددها 41 فيلما لا يمكن أن نذكرها دون أن نتكلم عن (نجيب محفوظ) ومشاركته بكتابة السيناريو لعدة أفلام منها, إضافة إلى روايات محفوظ التى أخرجها أبوسيف. ويقول نجيب محفوظ عن هذه العلاقة: فى عام 1947 قال لى صديقى فؤاد نويره: أن صلاح أبوسيف المخرج يريد أن يقابلنى وعندما قابلته قال لى: فى الواقع أنا قرأت لك (عبث الأقدار) وتبينت أنك من الممكن أن تكون كاتب سيناريو جيد وقال لى أن لديه قصة عنترة وعبلة قلت له: أنا ليس لدى فكرة عن الموضوع فبدأ يشرح لى وأنا أطبق عمليا. وبعد المعالجة علمنى تقسيم المناظر وبعدها أهدانى كتبا فى السينما واشتريت أنا بعض الكتب الأخرى.. حقيقة تعلمت السيناريو على يد صلاح أبوسيف. وهكذا واصل أبوسيف طريقه ليعلم الكثيرين ولم يتخل عن دوره وصمد فى وجه تيارات الابتذال وكان - على حد قول سامى السلامونى - أكثر مخرجينا وعيا سياسيا وقدرة على الفهم والتحليل لعلاقات القوى فى المجتمع منذ الثلاثينيات.. ولم تذهب جهوده هباء, ولم تقتصر أفضاله على من عاصروه, بل امتدت لتشمل كل من جاءوا بعده وتتلمذوا على يديه وأصبحوا يمثلون الموجة الثالثة من المخرجين الكبار أمثال شادى عبدالسلام, رأفت الميهى, محمد خان, أشرف فهمى, عاطف الطيب, على عبدالخالق (داوود عبدالسيد) والذين يتلمذون على يديه فى معهد السينما وغيرهم ـ هؤلاء جميعا مهد لهم (أبوسيف) الطريق وهذا الذى جعل الناقدة والباحثة السينمائية الألمانية (إريكا يتشر) تقول: (لا يمكن أن تتكلم عن السينما المصرية المعاصرة دون أن يكون لصلاح أبوسيف نصيب الأسد فى الحديث, هو أهم فصول السينما الواقعية فى (هوليوود الشرق) مصر.. وفى أفلامه صنع تطورا ملحوظا فى الشكل الفنى والتكتيك للفيلم المصرى. ساعد كل أجيال السينمائيين التى ظهرت بعده.. أجيال سينمائية عديدة كانت ستصطدم بعشرات المتاعب الفنية لو لم يأت (أبوسيف) قبله.

طباعة Email