استراحة البيان ، يكتبها اليوم جمال الغيطاني

أي رقابة في لبنان مضيت إلى لقاء فنانة تشكيلية لبنانية اتصلت بي, قالت أنها تحمل معها عدة كتب أرسلها أصدقاء أعزاء من بيروت. بعد بدء الحوار اكتشفت أننا نعبر عن الهموم ذاتها, وأن المشاكل التي تؤرقني تشبه ما يشغلها وأن تنوعت قليلا في الشكل أو المضمون, لكن ما فوجئت به حقا قولها أنها أحضرت معها بضعة نسخ من كتب تريد أن ترسلها بالبريد المسجل من القاهرة إلى بعض البلدان الأوروبية, ذلك أن إجراءات إرسال كتاب لبناني الآن بالبريد معقدة وتقتضي موافقة الرقابة. تساءلت باستنكار: رقابة؟ رقابة في لبنان! نعم.. لم يعد ممكنا إرسال كتاب بالبريد إلا بعد مروره على الرقابة, ولم يعد ممكنا طبع كتاب إلا بعد الحصول على موافقة الرقابة, عندئذ قلت لنفسي (سبحان مغير الأحوال) , في الستينيات وحتى منتصف السبعينيات كانت الأوضاع معكوسة, فأي عربي يضيق به الحال ويعجز عن نشر قصة أو قصيدة يرسلها إلى لبنان, كان لبنان واحة حقيقية للحرية, ولتنفس المبدعين من شتى أنحاء العالم العربي, فماذا جرى حتى تعود الرقابة إلى لبنان في مطلع القرن الحادي والعشرين؟ ما أطول مشاكل الكتاب مع الرقابة, ولكن أن يصل الوضع إلى لبنان فهذا نذير. تذكرت انطباعي السلبي عن حركة النشر القادمة من لبنان في معارض الكتب التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة, ثمة انحسار في العناوين الجديدة كما وكيفا, إذا ما قورن الأمر بالوضع في الخمسينيات والستينيات, إذ تميزت الحياة الثقافية اللبنانية عامة وحركة النشر خاصة بحيوية هائلة, كانت بيروت بالنسبة لنا ملاذا آمنا, ننشر فيه ما لا يمكننا نشره في أقطارنا العربية, يمكن القول أنه ما من أديب عربي إلا وهو مدين لبيروت بشكل أو آخر, سواء بالنشر في مجلاتها الثقافية العريقة مثل الآداب, والأديب, وغيرهما, أو دور النشر الكبرى, وبعد انتهاء دور مجلة الرسالة المصرية التي كانت مركزا ثقافيا هاما للثقافة خلال الستينيات, أي سنوات المد القومي, كانت بيروت واحة حقيقية تفيض حيوية, فيها كل الاتجاهات, وتعرف بأحدث التيارات, والغريب أن القاهرة في ذلك الوقت كانت تبث رسالتها القومية سياسيا وإعلاميا, لكنها لم تهتم بالرسالة الثقافية التي كانت تتم بشكل أعمق في النصف الأول من القرن, عندما لم تكن هناك وزارة ثقافة, ولم يكن هناك دعوة قومية مثل الستينيات, ولم تكن هناك وسائل اتصال حديثة ومتطورة كما هو الوضع الآن, كانت الحركة الثقافية نابعة من المجتمع, مدعومة بمؤسساته المدنية والاقتصادية, خاصة بنك مصر الذي أولى النشاط الثقافي أهمية كبرى من خلال دعم استوديو مصر, وإنشاء مطبعة مصر التي كانت دارا كبرى للنشر أيضا. مع ظهور الأنظمة الوطنية التي اعتمدت القبضة المتشددة في الحريات السياسية, وأولت الحياة الثقافية عنايتها الخاصة من حيث فرض اساليب رقابية متشددة, ومصادرة حرية المبدعين وتضييق الخناق على النشر وحرية الحركة, بدت بيروت كواحة حقيقية في قلب العالم العربي, يلجأ إليها كل من يلحق به اضطهاد أو عسف, اما بابداعه أو بجسده ونفسه إذا كان مطاردا من قومه, كان ممكنا للشيوعي والأخواني والقومي وصاحب كل اتجاه أن يجد مكانا, وأن يعبر عن نفسه. فشلت الحرب الأهلية في أن تضع حدا لتلك الواحة الحقيقية, وان كان من المؤكد أن أحد أهدافها ضرب هذا الدور الثقافي في جوهره الذي كان يقوم به لبنان, ولكن الأمر لم يكن سهلا واحتاج إلى سنوات طويلة لتجميع هذا الدور, والغريب ألا يتم ذلك خلال الحرب الضروس التي استمرت عدة سنوات بين أبناء الوطن الواحد, وإنما بعد انتهائها, لا شك أن الحرية التي كانت متوفرة في لبنان أحد مصادر الإزعاج لقوى عديدة, بدءا من الأنظمة الدكتاتورية إلى إسرائيل, وقيل في فترة معينة أن حرية الصحافة اللبنانية كانت سببا من أسباب الحرب الأهلية, مع أن العكس هو الصحيح, فعندما تنتفي حرية الصحافة يظلم الواقع ويصبح ممهدا لكل الاحتمالات. في سنة ثمانين, أي منذ واحد وعشرين عاما, سافرت إلى بيروت بدعوة من ناشر لبناني رأى طبع كتبي التي كان معظمها غير متوفر في الأقطار العربية, وهنا نلاحظ خاصية هامة تميزت بها حركة النشر اللبنانية, مرونة الحركة والقدرة على الوصول إلى مختلف البلدان, ليس فقط في الوطن العربي, إنما أمريكا اللاتينية وأستراليا, قال لي نجيب محفوظ إن الفضل في وصول مؤلفاته إلى المغرب وتونس والجزائر يرجع إلى الموزعين اللبنانيين, ولا أعتقد أنه توجد حركة نشر في الوطن العربي تتمتع بهذه الحيوية والقدرة على الوصول بالكتاب إلى مختلف الأماكن مثل لبنان. في الصيف البعيد لعام ثمانين أمضيت أسبوعا في بيروت, عدت بعده وأنا شديد الأعجاب بحيوية هذا الشعب العريق, كانت المدينة مقسمة إلى غربية وشرقية, وداخل بيروت الغربية نفسها كان العبور من منطقة إلى أخرى فيه مخاطرة, نشاط القناصة مكثف, والقصف ممكن أن يبدأ في أي وقت, وفي وسط هذه الحرب المجنونة, كانت مبان حديثة تقوم وهدير خلاطات الأسمنت لا يكف, والأوناش الضخمة ترفع الجدران سابقة التجهيز, وعلى البحر مواقع سياحية جديدة, أذكر أنني كنت أدخن النرجيلة وقتئذ, وكان من الأماكن الجميلة المقامة على البحر مباشرة مجمع ضخم (ماري لاند) , أقيم مكان مقهى شهير قديم اسمه الفلاييني, هذا المجمع وضع فيه لبناني مهاجر ما أدخره عن عمر كامل, أي (تحويشة العمر) كما نقول في مصر, بدأ بناء هذا المجمع خلال الحرب, وعندما استفسرت, علمت أن الأوضاع معقدة, وأن ثمة وسائل للتأمين نابعة من ظروف الخطر, لا أذكر بعضها الآن حتى لا أغضب أطرافا في لبنان أو خارجه الآن, أيا كان الأمر فقد كانت الحيوية أمرا ترصده العين العادية, وفي مجال النشر دور جديدة ظهرت خلال الحرب, وعناوين هامة صدرت, ومراكز أبحاث ظلت تواصل أعمالها وتعقد مؤتمراتها, وفي ذروة الحرب, كانت بيروت تواصل دورها كملاذ للمثقفين العرب, التقيت فيها بالعديدين من جنسيات مختلفة, اما مقيمين أو زائرين, وممن تصادف وجودهم في نفس الفندق الذي أقمت فيه الشاعر الكبير الراحل عبد الرحمن الخميسي, الذي قدم من موسكو لحضور حفل تكريم أقامه له الحزب الشيوعي اللبناني, ولي بالخميسي صلة وثيقة ترجع إلى بداياتي الأولى, واستمرت إلى الأيام الأخيرة من حياته, إذ شاء القدر أن ألقاه في موسكو عام سبعة وثمانين قبل ذهابه في غيبوبة الموت بيوم واحد. خلال سنوات الحرب, كان الحاج محمد مدبولي الناشر المصري الشهير يتردد بانتظام على بيروت, وكانت مكتبته أحد منافذنا على العالم, وفي كل مرة يعود أسأله عن الأحوال هناك, فيجيبني معجبا, منبهرا, مؤكدا أن النشاط متواصل, والنشر لم يتأثر, والحيوية متواصلة. كان أحد أهم الأدوار الإيجابية لبيروت سرعة الحركة والمبادرة, سواء في تقديم التيارات الجديدة في العالم, أدبية أو فلسفية, والتنوع في تقديم هذه الاتجاهات, إضافة إلى القيام بدور الجسر في الوطن العربي بين أقطاره المختلفة, غير أن السنوات الأخيرة حملت إلينا مؤشرات مزعجة عن عودة الرقابة, تعود الرقابة إلى بيروت, ويبدو أنها رقابة ثقيلة الوطأة في الوقت الذي تخف فيه خلال بعض الأقطار العربية التي كانت تنوء بثقل المصادرات, ويبدو أن الرقابة التي تعطل الدور اللبناني ليس مصدرها الأجهزة الحكومية فقط, إنما بعض التيارات المتعصبة, ولقد أصغيت إلى محدثتي بدهشة وهي تخبرني عن تفاصيل معركة حدثت قريبا عندما أقامت جمعية خاصة للفن التشكيلي معرضا مفتوحا للنحت والتصوير على شاطىء البحر, احتج البعض عندئذ بحجة أن عرض التماثيل حرام, وتم تعطيل المعرض, لكن القوى المدافعة عن الثقافة موجودة وفاعلة, تصدت الصحف اللبنانية وفي مقدمتها الملحق الثقافي لـ (النهار) الذي يشرف على تحريره الروائي الكبير الياس خوري, أحد ضمائر الثقافة العربية في عصرنا هذا, من ناحية أخرى لاتزال أصداء الضجة التي أثيرت حول الفنان مارسيل خليفة قريبة, يلفت النظر فيها موقف المثقفين اللبنانيين من جميع الاتجاهات, والنتيجة الإيجابية التي أنتهى إليها الأمر, أنني لا أدعو إلى التضامن مع المثقفين اللبنانيين فهذا مفروغ منه, لكنني أود التأكيد على أن الشأن اللبناني في الثقافة ليس محليا, إنما يمتد إلى كل جزء من وطننا العربي, وكما كانت بيروت ملاذا آمنا للمثقفين العرب طوال العقود الماضية يهمنا أن تظل كذلك, وأن تستمر بحيويتها التي نعرفها والتي اسهمت بشكل أساسي في تكويننا الروحي, ولذلك من حقي أن أبدي انزعاجي وألمي, عندما أجد صديقا لبنانيا أو صديقة, تجيء إلى القاهرة أو أي مكان غير بيروت لترسل نسخة كتاب مطبوع في بيروت لأن إرساله من لبنان صعب بسبب الرقابة, الرقابة التي تهدد الدور الثقافي الذي قامت به لبنان على امتداد القرن الماضي يجب أن نقف جميعا ضدها حتى تختفي تماما.

تعليقات

تعليقات