المونتيرة السينمائية انطوانيت عازرية: مقياسي في العمل عيني على المخرجين الاقتناع بأنني لست منفذة

لاتزال الفنانة انطوانيت عازرية تعمل على مدى خمسة وعشرين عاما تقريبا كمونتيرة في المديرية العامة للسينما, وهي تقدم افكارا نيرة تساعد الفيلم السوري في اكتساب سمة خاصة تحمله الى مراتب عليا وتخرجه الى النور من عتمة المونتاج التي تعد الوسيلة الاكثر اهمية في خلق الصورة الاداعية. معها دار الحوار التالي: * بدأت دراستك الجامعية في الادب العربي ثم انتقلت الى دراسة المونتاج السينمائي, ما السبب؟ ـ في فترة الدراسة الثانوية كانت لدي ميول ادبية مثل بقية الناس في مرحلة معينة, وفي الوقت نفسه كان لدي حب شديد للمواد العلمية من جبر وهندسة. لا أعلم كيف تركت القسم العلمي وانتقلت الى الادبي. بعد ذلك سافرت الى بيروت لدراسة الادب العربي وبقيت هناك سنة كاملة, لكنني اكتشفت انني اتمتع بحاسة بصرية قوية, وهذه لم تكن صدفة لأنها موجودة في داخلي منذ زمن بعيد, فأنا بطبيعتي احب السينما كثيرا, وكنت اعتبرها التسلية الوحيدة لي اثناء الدراسة لدرجة انني كنت اهرب من المدرسة للذهاب الى السينما. ولكن عندما اصبحت في بيروت بدأت اطلع على السينما من خلال قراءاتي المكثفة العديدة, وعندها قررت التخلي عن الادب العربي والسفر الى القاهرة لدراسة السينما. * ولماذا لم تتجهي الى التخصص الاكثر بريقا وهو الاخراج؟ ـ كنت قد قرأت حول السينما قبل اختياري الاختصاص, وكنت اعلم مسبقا قبل ذهابي الى مصر ان الدراسة هناك تستمر خمس سنوات: سنتان دراسة عامة (تصوير سينمائي, مونتاج, ادارة انتاج) وسنتان للاختصاص يلازمهما المونتاج والاخراج, والسنة الاخيرة هي مشروع التخرج. اخترت المونتاج لأنني اعلم ان المخرج الجيد هو في الاساس (مونتير) جيد. ولذلك فكرت بالاستفادة من هذين الاختصاصين بدراسة المونتاج. ولكن عندما انهيت مشروع التخرج في السنة الخامسة شعرت ان حبي للمونتاج زاد كثيرا وبالتالي استطيع تحقيق ذاتي من خلاله لأنه يشكل حالة ابداعية مميزة. لذلك عندما يقال ان المونتاج هو اخراج ثان فهذا صحيح, وانا اشعر بمتعة حقيقية في عملي هذا, وهذه المتعة التي اعيشها في المونتاج لم تجعلني افكر فيما بعد في الاخراج. * المونتاج هو اخراج ثان وبالتالي فالمونتير هو المخرج الثاني. لماذا فضلت الوقوف في المرتبة الثانية؟ ـ لا اعتبر نفسي في المرتبة الثانية لأن كل اختصاص هو في المرتبة الاولى, المخرج مرتبة اولى, وكذلك المونتير ومهندس الديكور مرتبة اولى في الديكور, ومهندس الصوت كذلك. ومن الممكن ان يكون هذا الامر هو الذي يخيفني لأنه اذا عملت في الاخراج اخاف الا اكون في المرتبة الاولى. * الى اي مدى تساعدك دراستك الاكاديمية في اضافة نكهة ابداعية جميلة الى العمل؟ ـ من الناحية التقنية يمكن ان يتعلم المونتير هذه المهنة بالخبرة ولكن لا الناحية التقنية تعتبر اساسية ولا الدراسة الاكاديمية وحدها تعتبر المسألة الرئيسية. فاذا لم يكن لدى الانسان ثقافة واطلاع شاملين في اي مجال مهما كان, فإنه لن يتمكن من ابداع فيه. وبرأيي ان اولئك الذين ينفذون العمليات التقنية يقوم المخرج بمساعدتهم في معرفة الصح من الخطأ, لأنهم لا يستطيعون معرفة ذلك وحدهم ومعرفتهم تكمن فقط في التنفيذ, وفي هذه الحالة هم منفذون وليسوا مبدعين. وبالنسبة لي اذا لم اكن افهم في الفن التشكيلي, في البناء الدرامي, في زوايا الكاميرا التي تخص المخرج او مساعد المخرج في الاضاءة, فأنا لا اعتبر نفسي مونتيرة مبدعة. * المخرج يقوم بعملية مونتاج اولي لفيلمه عن طريق (الديكوباج) للفيلم. الى اي حد يستطيع المونتير التدخل وفرض وجهة نظره؟ ـ ليس للديكوباج علاقة بالمونتاج. الديكوباج بالعربي هو التقطيع الفني, فكاتب السيناريو يكتبه من الناحية الادبية, اما التقطيع الفني فإنه يحول الادب الى صورة, انه ينقل لقطة طويلة مثلا, لقطة متوسطة للممثل الذي يسير من هنا الى هناك, لقطة قريبة لوجه الممثل تحمل تعبيرا ما.. من هنا يبدأ عملي, من هنا تبدأ علاقة المونتير وليس المنفذ, حيث تتم قراءة السيناريو ومن ثم ابداء الرأي في مناقشته, وهذا طبعا يتعلق بطبيعة العلاقة بين المخرج والمونتير. * مع من تحبين العمل من المخرجين خاصة وانك عملت مع كبار المخرجين السوريين؟ ـ شعرت بالراحة مع جميع الذين عملت معهم, وانا لست مضطرة للعمل مع مخرج لا احب عمله. فالمخرج الذي سيعمل معي عليه ان يقتنع انني لست منفذة بل انني سأضيف شيئا جديدا الى الفيلم وبالتالي سأساعده في بناء الفيلم. هذا الكلام طبعا لا يقلل من اهمية المخرج لأنه في النهاية هو المسئول الاول. ولكنني سأقول انه حتى الان لم اشارك في فيلم شعرت بأن حقي قد هضم فيه. * ما الاساس الذي تعتمدين عليه في عملك؟ ـ مقياسي في العمل هو عيني. احب عمل الايقاع مثلا بعيني وليس بالصوت, بمعنى اخر انا لا استخدم الصوت ولا ادع اي مؤثر صوتي او موسيقي يحدد ايقاع عيني. عيني هي عين المتفرج اولا واخيرا. وعين المتفرج عين متدربة اي اصبح لديها شيء من الخبرة من خلال مشاهدتها افلاما كثيرة. واؤكد انه عندما يمتلك المونتير مادته بشكل جيد فإنه يستطيع التأثير بشكل او بآخر على ما لديه, بينما لا يجرؤ المنفذ على القيام بذلك الا بإرادة المخرج. * يقول فيرتوف: (ان عملية المونتاج تبدأ اصلا قبل بدء التصوير عبر اختيار زوايا التصوير نفسها) . هل تعملين بهذا الرأي؟ ـ لست ضد فيرتوف, لكن هل استطيع ان اضمن ذلك في موقع التصوير؟ بل كيف اضمن الا يتم التغيير اثناء التقطيع الفني من الديكور الى الاكسسوار الى اللون.. طبعا المخرج لا يبتعد عن الفكرة لكن الاخراج الحقيقي ـ باعتقادي ـ يكون في موقع التصوير. * هل ساعدت في نجاح افلام سينمائية؟ ـ لا استطيع قول ذلك, لكن عندما املك مادة جيدة استطيع ان اخلق منها شيئا جديدا, ولا مجال للابداع في حالة كون المادة سيئة. انا لست ساحرة لأن اخلق مادة جديدة وجيدة من لا شيء. * عملت مونتيرة لأفلام تسجيلية وافلام روائية طويلة. ما الفرق بينهما في العمل؟ ـ في الفيلم الروائى هنا الديكوباج الذي تتم مناقشته لتبدأ فيما بعد امور لها علاقة بالتصوير بالمكان, بالمثل, اي هناك حوار دائم حتى نصل الى نتيجة. في الفيلم التسجيلي هناك فكرة لدى المخرج, ولا يمكن بناء لقطة ما او التدخل فيها وبالتالي لا يمكن للمخرج ان يبدع مشهدا في لحظة. هنا توجد مادة خام وعلى المونتير ان يعرف كيف سيبني هذه المادة مع المخرج, لأن الانسجام بين ما يحمله كل من المخرج والمونتير من افكار يعد الشيء الاساسي في العمل. * حصلت على ثلاث جوائز كأفضل مونتاج لعام 1976 عن فيلم (حكاية ما جرى في مدينتنا) للمخرج محمد كامل القليوبي, وفي العام 1988 في مهرجان قرطاج السينمائى عن فيلم (نجوم النهار) لأسامة محمد وعام 1996 عن فيلم (اللجاة) لرياض شيا في مهرجان الاسكندرية.. ماذا تعني لك هذه الجوائز؟ ـ افرح كثيرا لشعوري ان هناك من يقدر مجهودي وعملي. والجائزة تشكل بالنسبة لي دافعا بعدم التوقف عند حد معين بل يتوجب علي ان اطور ذاتي بشكل افضل. وانا اقول دائما انني لست محترفة بل هاوية, وسأبقى هاوية تبحث عن الشيء الأفضل في سبيل تطوير عملها. لكن لا يمكن هنا عند ذكر الجوائز اغفال سورية, بلدي, التي كرمتني مرتين: في مهرجان دمشق السينمائي ,1995 وفي عيد الفنانين هذا العام. * حسب رأيك كمونتيرة ما أهم المشكلات التي تعاني منها السينما العربية عامة والسينما السورية خاصة؟ ـ المشكلة الكبرى هي تحصيل الانتاج. وفي سوريا يمكن القول ان مشاكلنا تحل بعض الشيء من الناحية الانتاجية بفضل وزارة الثقافة والمديرية العامة للسينما, لكن هذا لا يكفي لأن المؤسسة العامة للسينما مؤسسة اقتصادية بمعنى انها تمول نفسها بنفسها, وهي لا تستطيع انتاج اعمال كثيرة. وبرأيي ان الحل الامثل يجب ان يكون على غرار السينما الهندية او الايرانية, فهذه الاخيرة تطورت كثيرا بسبب ان التمويل الاساسي للسينما يأتي من قبل الدولة, ومن اجل ذلك هناك في ايران نحو خمسمئة صالة عرض. اما بالنسبة لما يسمى بالسينما السورية, فأنا لست مع هذه التسمية, لدينا فيلم سوري وهو عبارة عن مدرسة قائمة بحد ذاتها تقوم على طرح افكار جديدة وآراء حرة وطبعا هذا لا يكفي من ناحية الكم ولا يشكل ما يسمى بالسينما او الثقافة. * كيف تنظرين الى دخول الكمبيوتر عالم المونتاج؟ ـ لا استطيع الكلام عن هذه التجربة لسبب بسيط هو ان اجهزة الكمبيوتر قد وصلت الينا حديثا, ولم يبدأ العمل عليها حتى الان. * لماذا لا نشاهد لك تجارب عملية في التلفزيون؟ ـ لا توجد اية علاقة بين السينما والتلفزيون من حيث الابداع. فالذين يعملون في التلفزيون هم من القطاع الخاص الذي يسعى الى الربح التجاري. انا هنا لا انفي ان السينما تجارة واقتصاد وصناعة وفن ولكن في الدرجة الاولى هي عمل فني ابداعي. لكن التلفزيون تغلب عليه التجارة الرابحة ولا يهمهم ان كان مشهد ما سيؤثر على العمل ايجابا ام سلبا. اعلم انني استطيع العمل في الفيديو وجني ارباح طائلة في السنة الواحدة, لكنني لن اشعر عندها انني احقق ذاتي. فأنا اخترت السينما بمحض ارادتي رغم المعاناة التي اعانيها, لكن المونتاج عشش وتملكني وليس بمقدوري التخلي عنه. * لديك مقولة: (من لا يخاف لا يتطور) .. هل لازلت خائفة؟ ـ طبعا. عند العرض الاول لأي فيلم اشعر ان يدي باردتان وترتعشان, ويستمر هذا الاحساس الى ان يصل الى اذني ردود فعل الناس في الصالة, وهنا فقط اشعر بالارتياح. اذكر مرة عندما كنت في باريس في المهرجان السينمائي في معهد العالم العربي, كان سيعرض فيلم (الترحال) لريمون بطرس. دعاني المخرج لقول كلمة حول الفيلم, لكنني اعتذرت وقلت انا ارتعش الان لا استطيع ان اقول اية كلمة. هذا الموقف لاقى احتراما كبيرا لدى اغلبية الموجودين هناك وعلى رأسهم نضال الاشقر. دمشق ميادة بيلون

تعليقات

تعليقات