الشيبة الوالد علي الرميثي يروي ذكرياته ، ايام الغوص كنايدا واحدة في كل شيء ، بدأت تبابا وبعد سنوات اصبحت نوخذة وعملت بالقلافة والصيد

(كنا يدا واحدة متعاونين بكل شيء) بهذه الكلمات البسيطة وصف الشيبة الوالد علي بن حسن الشيخ الرميثي مستشار التراث بنادي تراث الامارات حياة الامس في عالم الغوص والصيد والاسفار. وبدأ يسترجع شريط ذكريات سبعين عاما عاصر فيها مراحل بناء الوطن، ورغم مشقة حياة الامس في طلب الرزق الا ان احداثها باقية في ذاكرته لانها كانت تتميز بتعاون وتماسك ابناء الفريج فلا يكاد احد يعيش بروحه كما يقول الوالد علي الرميثي. بدأت تبابا: ويتنهد الوالد علي الرميثي وهو يتذكر صفحات بداية عمله في عالم الغوص والصيد. ويقول: لا عيب من ان يبدأ الانسان صغيرا ثم يكبر نعم فقد بدأت عملي في الغوص تبابا.. واستوقفناه سائلين: ماهو التباب؟ ويقول: (التباب) هم الصبية الصغار الذين لاتتجاوز اعمارهم الثانية عشرة ويقومون بالاعمال البسيطة على المحمل مثل تقديم القهوة والماء وغسل الاواني. ويمضي قائلا: كان موسم الغوص ايام زمان يبدأ عادة في الوقت الذي تصبح فيه مياه البحر دافئة ويستمر لمدة تزيد على اربعة شهور تقريبا حتى دخول فصل الشتاء حيث كانت بداية الموسم تختلف من عام لآخر وخاصة اذا دخل شهر رمضان في بداية الموسم ففي هذه الحالة يتأخر ذهاب المحامل الى عرض البحر لبعد العيد. ويضيف: وكنا قبل الانطلاق للمغاصات نقوم باعداد المراكب والمحامل فنقوم بدهن المركب بالزيوت بزيت الحوت ونعد ادوات الغوص ونأخذ احتياجاتنا من الحبال والاوعية والمجاديف, كما كان يجري تزويد المركب بالماء والطعام لغذاء الغواصين والعاملين بالمحمل. وسألنا: كيف كان يتفق النوخذه مع الغواصين؟ ويقول: كان النوخذة يوقع معهم (بدوه) اي عقد كما يسمونه اليوم ويعطيهم بعض المال لشراء ما يحتاجون اليه هم وعائلاتهم فيشتري الغواص ما يكفي اهل بيته من المؤن حتى يعود. لحظات لا تنسى ويستطرد الوالد على الرميثي في تقليب صفحات ذكريات الامس ويقول: كانت لحظات لا تنسى عندما تخرج الديرة كلها صغيرها وكبيرها لوداعهم والدعاء لهم بسلامة العودة ونفس اللحظات كانت تكرر عند العودة حيث كانت عودة المحمل للديرة بمثابة يوم عيد ونسأله: كيف كانت تتم عملية الغوص بها؟. ويقول: كان الغواص ينزل من السفينة ويظل على سطح الماء ويضع على انفه (فطاما) وهو يشبه الملقاط ليمنع التنفس او دخول الماء للانف وعند خروجه من الماء يرفع الفطام حتى يتمكن من التنفس ولدى نزوله الى القاع يربط باحدى رجليه الحصاة وهي عبارة عن حجر ليسرع به الى القاع فاذا وصل اليه نزعها من رجله ليسحبها السيب بواسطة الحبل المسمى (الزيبن) ويصحب الغواص مع (الديين) وهو عبارة عن السلة المصنوعة من حبال (الكمبار) ويكون بها علقة يضعها الغواص في عنقه ليجمع فيها المحار ويكون الغواص مربوطا من وسطه بحبل يسمى (الجداء) او (اليدا) والسيب يمسك به وهو بالماء وعندما تصله اشارة يهز اليد ليسحبه عندما تنتهي مهمة الغواص بالقاع ويضيف وكان الغواص يقوم باقتلاع المحار ويضعه في الديين ويمشي على يديه في القاع تاركا رجليه مرفوعتين لاعلى واذا امتلأ الديين او تضايق نفس الغواص هز الجداء برجله حتى يسحبه السيب وكل مرة ينزل الغواص للقاع تسمى (تبه) وتظل عملية الغوص الى غروب الشمس ويصمت الشيبة علي الرميثي قليلا ويشرد بذاكرته في بحار ايام الامس ثم يقطع صمته قائلا: واجهتنا الكثير من المخاطر وبفضل الله عز وجل تغلبنا عليها لقد كانت (الهيرات) عميقة وكانت كثير من الاسماك تؤذي الغواصين واخطرها الجرجور وقد كانت من المشاهد العادية ان يقوم الغواص بالغوص ويرى الجرجور امامه وبجواره والحمد لله وبفضل ذكر الله في نفسي اثناء الغوص لم اتعرض لمهاجمة (الجراجير) . وسألناه: عندما كنت غواصا ما هي الادوات التي كنت تستخدمها؟ ويقول: كنت استعمل ادوات خاصة صنعتها بنفسي ومن هذه الادوات: الفطام ويقوم الغواص بتثبيت الفطام على انفه عندما ينزل القاع ليمنع تسرب الماء الى انفه و(الخبط) وهو قفاز لحماية اليد اثناء التقاط المحار و(الديين) وهي سلة تستخدم لجمع المحار و(الزيبن) وهو حبل تربط فيه حصاة من الحجر او الرصاص وهي ثقيلة لدرجة انها تزن بين عشرة واربعة عشرة رطلا ويجعلها الغواص بإحدى قدميه لتسهيل نزوله الى قاع البحر وكذلك (الجداء) وهو حبل يربطه الغواص لرفعه من الماء. وسألناه: كيف تدرجت في العمل على المحمل حتى اصبحت نوخذة؟ ويقول: عملت تقريبا في كل مهن المحمل فمثلا عملت كـ (سيب) والعمل الرئيسي للسيب هو انزال وكب الغواص من القاع والتجديف من هير الى آخر وعند وصول السفينة الى البر بعد (القفال) يظل السيب يعمل في تنظيفها وترتيبها كما يقوم السيب بغلق المحار لاستخراج اللؤلؤ منه وكان السيب الجيد مصدر فخر للغواص لانه يساعده بشكل كبير في عمله. وكذلك عملت رضيفا عندما اصبحت فتى ثم عملت كنائب نوخذة او (قعدي) ووظيفته انه في حالة غياب النوخذة فإن امور المحمل ترجع اليه ولابد ان يكون (القعدي) عارفا بمواضع الهيرات الى المغاصات ويتمتع بجميع مواصفات ومميزات النوخذة. وسألناه: عندما اصبحت نوخذة هل كنت تملك المحمل اي السفينة؟ ويقول: لا لان النواخذة ايام الغوص كانوا انواعا منهم (الخلوي) وهو الذي لا يستدين من احد وانما يجهز السفينة بجميع لوازمها من ماله الخاص والثاني نوخذة يعينه صاحب السفينة وهذا يتم في حالة ما اذا كان صاحب السفينة لا يباشر عمل الغوص بنفسه لكونه ذا منصب او غنيا فيعين من قبله نوخذة على السفينة ولا يحق للنوخذة ان يتصرف في الداخل من اللؤلؤ بالبيع او غيره حتى يرجع إليه ويسلمه اللؤلؤ وهو الذي يتولى بيعه للتجار والنوع الثالث من النواخدة هو (العميل) وهو الذي يستدين من احد تجار اللؤلؤ ويمول سفينته وبحارتها من مال التاجر. عملت قلافا مهنة القلافة كانت من اشهر المهن في عالم الغوص فالقلاليف صنعوا السفن بكل انواعها. البوم ـ الشوعي ـ الجالبوت ـ السنبوك وقوارب الصيد الهوري والشاحوف, وكل هذه الانواع قمت بصناعتها فقد عملت قلافا وكنت ماهرا بهذه الصنعة هكذا تحدث الوالد الشيبة علي الرميثي عن ذكرياته مع هذه المهنة العريقة ويمضي قائلا: وكذلك صنعت قارب الصيد الشاشة ولقد كانت كل هذه الانواع السابقة من المحامل والقوارب تختلف من حيث المواصفات والاستخدام والصناعة فمثلا الجالبوت سفينة متوسطة الحجم طول قاعدتها 45 قدما وحمولتها تتراوح ما بين 25 الى 30 رجلا اما الشوعي والسنبوك فهي من سفن الغوص وتسير بواسطة الاشرعة والمجاديف وتتراوح حمولتها ما بين 60 الى 70 شخصا اما سفن التجارة ومحامل الاسفار فهي تتميز بضخامة الحجم ومقدرة كبيرة على النقل. وسألناه: هل كانت هناك اعراف واخلاق تحكم مهنة القلافة؟ ويقول: نعم لقد كانت هناك اعراف واخلاق تحكم هذه المهنة وكانت العلاقة بين (القلاليف) انفسهم تحكمها روح التعاون فمثلا في وقت الشدة والازمات اذا وجد احد القلاليف ان ليس امامه وقت كاف لانجاز السفينة التي تعاقد على بنائها خلال مهلة محددة سارع الى طلب العون من ابناء مهنته الذين يلبون الدعوة على الفور ويطلق القلاليف على هذا الموقف القرعة حيث يسارع الجميع الى العمل سويا حتى يتم تسليم السفينة في الموعد المحدد وكانت هذه القرعة تحكمها ايضا تقاليد مجتمعنا العربي الاسلامي فليس هناك اجر يأخذه القلاف نظير مساعدة زميله وانما في حالة الفزعة فقط يتكفل اصحاب السفينة بإطعام القلاليف الذين يباشرون صناعة السفينة فيكون افطارهم عبارة عن خبز وحلوى ووجبة الغداء عبارة عن (ذبيحة) . وما هي المواد التي كان القلاليف يستخدمونها في بناء السفن؟ يقول الوالد علي الرميثي : كان القلاف يستخدم خشب (الساج) الهندي حيث كان يستخدم كألواح لهيكل السفينة لمقاومته الماء وكذلك مقاومته لكافة الظروف الجوية وهناك ايضا خشب (الجنقلي) وهو خشب هندي كان يستخدم كقاعدة للسفينة وكنا نضع المسامير اما الصواري الكبيرة والتي كانت عبارة عن جذوع الشجر فقد كان النواخذة والتجار يذهبون بأنفسهم الى الهند لاختبارها وحين كان احد التجار او النواخذة يريد بناء سفينة شراعية له كان يقوم باستيراد الخشب اللازم لها بنفسه ثم يختار قلافا مشهورا ويطلب منه بناء سفينة ويعطيه مواصفات السفينة او المحمل الذي يريد بناءه. تدريس التراث: وحتى لا تغيب معالم تراث عالم الغوص واللؤلؤ وتقاليد واعراف ومهن عريقة وكذلك ليتعرف ابناء الغد على قصص كفاح الاجيال الاوائل جيل التضحيات من الاباء والاجداد يقترح الوالد علي الرميثي ان يتم تدريس التراث كمادة دراسية على طلبة المدارس الصغار بالمراحل الاعدادية. ويتساءل لماذا لا تتعلم بناتنا الصغيرات غزل الصوف حتى يترسخ في نفوسهن حب العمل اليدوي؟ ولماذا لا يتعلم الابناء كيفية بناء قارب مثل الشاشة من سعف النخيل ويقول: المرأة على ايامنا كانت تجيد الكثير من اعمال غزل الصوف وخاصة لدى البدو فكانت النساء يعملن اشكالا متنوعة من اشغال الصوف والسجاد المختلفة الاشكال والاحجام والالوان كما كانت المرأة تجيد عمل الخوص. والخوص عبارة عن اوراق سعف النخيل تجمع وتصنع باليد وهو نوعان الاول لبة وتتميز بصناعة بياضها وصغر حجمها وسهولة تشكيلها والنوع الثاني وهي اوراق النخيل العادية الخشنة التي يتم غمرها بالماء لنظيرتها حتى يسهل تشكيلها. وكانت النساء يعملن السلال والمهفة وهي تستخدم كمروحة صغيرة والرود التي تستعمل كمفارش كما كانت تستخدم السلال في حفظ الثياب كما كانت تصنع ايضا سجادة الصلاة من الخوص ولونها في الغالب ابيض. وينتقد الوالد علي الرميثي اجيال اليوم من الشباب ويقول: يريد الشباب الصغار اليوم اموالا بلا تعب ويرغبون فور تخرجهم بالعمل في الوظائف الكبيرة ويكرهون العمل اليدوي. ويتوجه لهم بنصيحة ابوية تربوية قائلا: ابدأوا كما بدأنا بالوظائف الصغيرة وتعلموا الحرف البسيطة حتى وان درستم الجامعة واتركوا الاسراف وحب المظاهر والتفاخر. النعمة الكبرى ويتحدث الوالد علي الرميثي عن احوال الديرة بعد تولي قيادتها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة ويقول: زايد الوالد القائد هو النعمة الكبرى من الله عز وجل التي خص بها أهل ديرتنا, لقد منحنا والدنا العظيم الحنون زايد كل شيء المال والسعادة فالجميع استفاد من المعاشات والوظائف والتعويضات وحصل ابناء الديرة على المزارع والمساكن والاراضي والحمد لله وفر لنا والدنا زايد التعليم والعلاج وحتى الزواج يسره لابنائنا واحفادنا نتمنى من الله عز وجل ان يحفظ لنا قائدنا وباني نهضتنا من كل سوء ويمد في عمره ويجزيه عنا خير الجزاء. حوار سمير الزعفراني

تعليقات

تعليقات