المجلات الثقافية الجديدة في مصر ، تجمع بين التراث والتعبير عن الأجيال المعاصرة والاستقلال

تشهد حركة المجلات الثقافية بمصر حالة من المد والجزر لم تشهدها منذ سنوات طويلة, حيث استقبلت الأوساط الثقافية مؤخرا أربع مجلات ثقافية جديدة هي العصور الجديدة, وأمكنة, وتكوين ,2000 والجيل, والتي تشكل مع مجلة وجهات نظر التي صدرت في العام الأخير من القرن الماضي طرحا جديدا لواقع المجلات الثقافية سواء من ناحية المحتوى أو الشكل, وتحاول تقديم نفسها للقارئ العربي في ثوب جديد يتناسب مع قرن جديد, فبعد مجلة الرسالة والمجلة والكاتب والقاهرة وفصول ـ والاخيرتان تجرى محاولات إعادة إصدارهما ـ والأدوار الهامة التي قدمتها تلك المجلات, تأتي هذه المجلات الجديدة لتقدم نفسها بشكل مستقل بعيدا عن أية مؤسسات رسمية. البيان تتعرف على واقع هذه المجلات الجديدة وكذلك على واقع المجلات الثقافية بشكل عام. تأتي مجلة العصور الجديدة في مقدمة المجلات الثقافية الجديدة كمحاولة للإحياء فمنذ أكثر من 70 عاما صدرت مجلة تحمل نفس الاسم ولكنها توقفت عام ,1930 وبعد مرور كل هذه السنوات أعيد إحياء هذه المجلة من جديد. ويقول الشاعر مهدي مصطفى المسئول عن تحرير المجلة أن العصور الجديدة جاءت لتعبر عن طليعة الشباب المستنير وتجاربهم في الكتابة والإبداع وتعد منبرا هاما يجد فيه القارئ نفسه بين سطور الماضي والحاضر وبشكل يعيد الأصول إلى رونقها الجوهري كي نرى من جديد ثوابتنا وقيمنا بجلاء ووضوح, ومن هنا لا تأتي المجلة لكي تكون مجرد زينة في إطار المشهد الثقافي ولا إضافة غير مرغوب فيها. وعن الفارق بين الإصدار القديم والحديث يقول مهدي مصطفى: الفارق الجوهري يكمن في الارتباط والتعبير عن العصر الذي نعيشه فالمجلة الحالية تبحث لنفسها عن أفق رحب لا يرى الماضي كله جميلا, ولا الحاضر سيئا, إنها تحاول أن تستبصر ما تراكم في نهر الحياة من إنجازات ومآس دون جلد للذات أو تضخيم لها, والمجلة في الماضي كانت تبحث عن التراث وإجلائه وتهتم بالدراسات المتعمقة, وعلى ذلك تعد المجلة الحالية امتدادا مع إضافة التعبير عن التجارب الجديدة في الكتابة والإ بداع وتقديم الشباب (هم كما هم) دون تزويق فإن أحسنوا فلهم وإن قصروا فتلك إمكانياتهم وظروفهم, ومجلة العصور القديمة كان يصدرها إسماعيل باشا مظهر من عام 1927 حتى عام 1930 ونادى فيها بأن يعاد النظر في كل المعتقدات بشكل أكثر دقة وتحررا, ومن هذا المنطلق حفلت مجلة العصور الجديدة منذ إصدارها وحتى الآن بالعديد من الدراسات التاريخية والبحث في العقائد بجانب الاهتمام بالإبداع والفنون والانفتاح على الأجيال الشابة. جهد شعراء أما مجلة تكوين 2000 فهي تعتمد بالدرجة الأولى على جهد مجموعة من الشعراء الشباب ويدير تحريرها الشاعر سامي غباشي الذي يرى أن المجلة نافذة يطمح من خلالها إلى إلقاء الضوء على المشهد الشعري المعاصر والاهتمام بوجه خاص بشعراء التسعينيات.. هذا الجيل الذي يكتب ـ والكلام لغباشي ـ قصيدة مثقلة باللحظة الراهنة قد تزاحم عليها الأدعياء وأساء إليها الكثيرون باسم التجاوز والتجريب. ويضيف سامي غباشي: ان هذا الجيل يتميز بأن إنتاجه مبعثر, قصيدة هنا ودراسة هناك مما يؤدي إلى التشتت والتسطيح, الأمر الذي يفرض ضرورة وجود مجلات الهامش لتعبر عن أزمة هذا الجيل تعبيرا كاملا مثل الجرائد والكتابة الأخرى, وكذلك تكوين 2000 التي تعد مرصدا حقيقيا لهذا الجيل. * ولكن ماذا عن عقبات التمويل وخاصة أن المجلة تعتمد على جهود أفراد وليس مؤسسات؟ ـ أعتمد في تمويل المجلة بالدرجة الأولى على عائدات البيع والاشتراكات والإعلانات ومساهمات الأصدقاء غير أن رهاني الأول على القارئ وأنا متفائل بهذا الجيل وبما يمكن أن تحدثه المجلة من حوار ثقافي موضوعي يجذب إليه الكثيرين بعيدا عن التشنجات الايديولوجية. ثقافة المكان أما مجلة (أمكنة) فقد صدرت في خواتيم القرن العشرين تحمل عبق البحر الأبيض المتوسط حيث فريق عمل من أبناء الإسكندرية عكفوا على إصدارها وهدفوا لأن تعنى المجلة بثقافة المكان بالدرجة الأولى. ويقول علاء خالد أحد المسئولين عن تحرير المجلة إنها إصدار مختلف وذات إخراج فني راق يعني بقيمة الصورة وأهميتها. ويضيف : ان المجلة لم تحصر نفسها في الإبداع الأدبي وعرض النصوص الشعرية والقصصية حيث ان ذلك يحصر المجلات الثقافية بوجه عام في أفق ضيق ويجعلها تجنح إلى الاستعمال والادعاء, أما مجلة أمكنة فهي باختصار بحث عن المكان في التاريخ والذاكرة والطوبوغرافيا وعن الإنسان والروائح والأشياء في بوتقة واحدة فمثلا تصدر عددا خاصا عن الصحراء كثقافة وأدب وأشعار وتاريخ وجغرافيا وبشر كما صدر عدد عن السوق الفرنساوي وهو مكان بالإسكندرية يشغل مساحة كبيرة ومسقوفة ويوجد به العديد من المحلات التجارية التي كان يديرها اليونانيون والأرمن وجنسيات أخرى وقد تعلم بعض المصريين على أيدي هؤلاء, وتحدث المصريون عن أسرار هذا السوق وعن الأجانب الذين كانوا يديرونه ليكون هناك تاريخ للمكان وتاريخ للبشر أيضا, ولا شك أن هذا الاختيار والتخصص المتميز يكفل لنا الاستمرارية والتفرد أيضا, كما أن المجلة تسد فراغا هاما في المجلات الثقافية بتخصصها هذا. في بداية السنة الماضية في القرن الماضي فاجأ الناشر إبراهيم المعلم صاحب دار الشروق الأوساط الثقافية بإصدار مجلة بعنوان وجهات نظر وبالفعل صدرت المجلة في قطع كبير وغير مألوف بالنسبة للمجلات الثقافية وبثمن غير مألوف أيضا وهو عشرة جنيهات للعدد, واعتبرها البعض مغامرة وتوقع آخرون أنها لن تستمر بسبب ارتفاع سعرها مقارنة بالمجلات الثقافية الأخرى, ولكن وجهات نظر استمرت برئاسة تحرير الكاتب الصحفي سلامة أحمد سلامة واعتمدت في توزيعها على المقالات السياسية الساخنة للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل ورغم تحفظ الكثيرون على حجمها إلا أن المجلة تقدم باقة من المقالات المتخصصة والمتنوعة أيضا, ففي بعض أعدادها نشرت مقالا عن الفنانة الكبيرة فيروز وآخر عن مدينة القسطنطينية منذ ألف عام ومدينة القدس واحتفال ماركيز بجائزة نوبل, وكأنها وجهات نظر تسعى للجمع بين الحس الصحفي السياسي وبين الطابع الأدبي في توليفة تتسم بالإخراج الفني الراقي. أما مجلة الجيل فهي إصدار ينتظر الميلاد, فمنذ فترة صدرت الجيل كمطبوعة صحفية ولكنها توقفت وحاليا تجرى محاولات حثيثة لإحيائها كمجلة ثقافية. مجلات خارج الزمن من ناحية أخرى شهد واقع المجلات الثقافية توقف بعض المجلات الكبرى وتجري حاليا محاولات إعادة إصدارها من جديد مثل مجلة القاهرة وفصول, فقد تعثرت مجلة القاهرة منذ وفاة رئيس تحريرها الناقد الكبير غالي شكري حتى توقفت تماما, وطوال العام الماضي جرت محاولات متعددة لإحياء تلك المجلة مرة أخرى فقيل ان مجلة القاهرة سوف تصدر بشكل مختلف برئاسة تحرير أنيس منصور ثم قيل انها ستصدر كمجلة متخصصة بإشراف الناقدين رجاء النقاش وطلعت الشايب غير أن وزارة الثقافة قررت مؤخرا إصدار القاهرة كجريدة أسبوعية عامة وليست مجلة, وتهدف الجريدة إلى تعريف القارئ المصري والعربي والأجنبي بكافة الأنشطة الثقافية في المجتمع المصري سواء التي تنظمها وزارة الثقافة أو غيرها من الوزارات من ندوات أو محاضرات أو عروض أو مطبوعات في مختلف فروع المعرفة الإنسانية. أما مجلة (فصول) فقد فاجأ الدكتور جابر عصفور أمين عام المجلس الأعلى للثقافة جميع المثقفين باستقالته من رئاسة تحريرها بعد أن كانت المجلة تعد واحدة من المنابر الثقافية رفيعة المستوى بما ينشر فيها من أبحاث ومقالات متخصصة وبذلك دخلت (فصول) نفقا مظلما وقد تراوحت الأقوال حيالها فيقال انها ستصدر برئاسة تحرير الدكتورة هدى وصفي وتارة يقال انها ستصدر برئاسة تحرير الدكتور صلاح فضل, ويدور الجدل بين جميع المثقفين حول جدوى المجلات الثقافية خاصة التي تصدرها الدولة وأهمية أن يعاد النظر فيها لأنها أصبحت مجلات بلا قارئ, الأمر الذي أدى بالبعض للقول بأن العهد الذهبي للمجلات الثقافية العميقة والمؤثرة قد مضى, ويؤكد الأديب سعيد الكفراوي بأن واقع المجلات الثقافية في مصر مزعج ومؤلم ولا يعبر عن مضمون ما يدور في الثقافة المصرية, ويتفق مع ذلك الأديب يوسف أبورية بقوله إن المجلات الثقافية بمصر راكدة وأعتقد أن عرش المجلات الثقافية قد ولى في ظل انتشار وتطور وسائل الإعلام والتكنولوجيا وسيادة الثقافة السطحية فقد حدث فارق كبير بين دور المجلات الثقافية في الماضي عن الحاضر حيث كانت الثقافة الجادة هي السائدة. ويرى الشاعر الدكتور حسن طلب أنه لابد من الربط بين المجلات الثقافية والحياة الثقافية بشكل عام, فالحياة الثقافية راكدة وغير فاعلة بمعنى أن الثقافة أصبحت على هامش الاهتمام وخاصة الثقافة الجادة وليس ذلك على مستوى المجلات الثقافية فحسب. ويعلق الناقد د. مدحت الجيار أن المجلات الثقافية بشكل عام في مصر لاتزال تحتاج إلى دماء جديدة بعدما تغيرت الأجيال وتغيرت مناهج التفكير والكتابة حتى يكون لفعلنا الثقافي مكان لائق في القرن القادم, لعل المجلات الجديدة تسد هذا النقص. القاهرة البيان محمد الصادق

تعليقات

تعليقات