أبجديات تكتبها عائشة ابراهيم سلطان

سألني بعض الرفاق بعد عودتي من بيروت: كيف كانت الزيارة؟ وكيف حال لبنان؟ قلت الزيارة جيدة ولبنان عظيم كعادته. وماذا رأيت: أجبت: كل شيء, لكنني لم أر شيئا! وسألتني صديقة لبنانية جنوبية: كيف وجدت الجنوب؟ فاستعدت رحلة الباص المرهقة من شارع الحمرا حتى بلدة (قانا) مرورا بكل مناطق وأقضية الجنوب بدءا بصيدا وعندها أجبتها: وجدته ضميركم - أيها اللبنانيون - ضميركم النازف أهلا وشعبا وأرضا خصيبة خضراء, كما وجدته أرضا وأناسا يسكنون منطقة تطل على الرعب والخوف وكأنهم يعيشون كل دقيقة على حد الخنجر دون ملل. هذا هو لبنان الذي قضيت فيه يومين فقط, دخلت خلالهما إلى غرف استقبال ثلاثة قصور رئاسية, وصافحت ثلاث سيدات هن زوجات لثلاث قمم رئاسية تتقاسم السلطة السياسية في لبنان وتتوزع على طوائفه بكل تناقضاتها, بدءا بـ (اندريه لحود) الى (نازك الحريري), وانتهاء بـ (رندة بري). وبذلك فكأنك تمر على الميثاق الوطني اللبناني في ظرف (24) ساعة, دون أن تدري بأنك تصافح أحد أخطر المواثيق الوطنية في العالم العربي, ولكنها الحقيقة الماثلة للعيان والمعاشة يوميا هناك. ولذلك أقول رأيت كل شيء في لبنان ولم أر شيئا, فليس من السهولة أن تزور لبنان وأن تراه في ظرف مقداره (48) ساعة. اننا وضمن وفد اعلامي برلماني لا اتذكر عدده وخلال (48) ساعة دعينا الى حفل عشاء فاخر في بيت رئيس الوزراء السباق وتغدينا على شرف الاسيرات في المعتقلات في سجون الاحتلال ( في الوقت الذي تلاقي فيه الاسيرات صنوف وألوان التعذيب) وتناولنا افطارا لبنانيا جنوبيا في ضيافة قصر مصيلح عند (رنده بري) وبالكاد قطعا من الشيكولا طاف بها علينا شاب أنيق في صينية فاخرة من الفضة. وهنا يبدو تقديم الطعام وألوانه وكمياته وبروتوكولاته شكلا اخر لثقافة المجتمع اللبناني يتفاوت بين قاطني البيوت وساكني القصور ودليلا ايضا على مغزى الوضع الديني والمادي. وبعد الطواف على مدن الجنوب واستنشاق رائحته والتمتع برؤية اخضراره وبساتينه, وبعد قراءة هذا الكتاب الجنوبي المفتوح على صفحات التاريخ والزمن تفاجأ وانت تلتقط انفاسك في غرفتك بالفندق بأنك مدعو الى اشهر المسارح اللبنانية واكثرها عراقة, مسرح كركلا الغنائي الراقص. بعد العرض تخرج متفاجئا بازدياد البرودة في الخارج, ومن علو شاهق تطل عليك منطقة الجبل مزدانة بالاضواء والحركة, وتنظر حولك فاذا الحضور من نساء ورجال لبنانيين وقد ظهرت عليهم الاناقة اللبنانية المعهودة, يتبادلون الضحكات والتعليق على المسرحية, وايضا الكثير من السجائر والدعابات كعادتهم في الامعان ضحكا حبا للحياة وتشبثا بها.

تعليقات

تعليقات