دراسة أدبية ونفسية، الطفل والكتاب ، عرض ـ حسان فلاح أوغلي

يحاول نيكولاس تاكر عالم النفس التربوي المهتم بشئون الطفل ان يقدم للقارئ خلاصة تجربته في هذا الميدان, وقد سبق له ان نشر كثيرا من المقالات اضافة الى اشتراكه في برامج هيئة الإذاعة البريطانية حول كتاب الطفل ومشكلاته . ثمة كتب كثيرة تحدثت عن أدب الاطفال, لكن معظمها حسب رأي المؤلف كان يهتم بالعرض التاريخي لادب الأطفال او بأدب الأطفال في العصر الحديث او بأساليب تقريب الكتاب من ذهن الطفل, ولهذا حاول ان يسير في منحى اخر وتصدّى للبحث عن السؤال التالي: لماذا تكون بعض المواضيع والأساليب في أدب الأطفال مرغوبة جدا لدى الصغار, وما الذي يمكن للأجوبة المحتملة عن هذا السؤال ان تزيد في ما نعرفه عن الأطفال وعن العديد من كتبهم المفضلة؟ يقدم المؤلف في البداية ثلاثة مبادئ اساسية ينبغي للأسرة ان تعيها, الاول ان الطفل منذ ساعاته الاولى انسان كامل الانسانية, وعلينا ان نعامله وفق هذا المنظار ولكن ضمن حدود شخصيته, والثاني ان الكتاب الطفلي يجب ان يتكامل مع الألعاب, فعلى حين تربي الألعاب عنده حسّ الحركة يقوم الكتاب بتمرين ملكة الخيال, وثالث تلك المبادئ ان الطفل عفوي حدسي, يتفاعل مع الصورة والآلة والحكاية سلبا او ايجاباً, فالكتاب يلقنه قيم مجتمعه وتقاليده, ولهذا نرى ان لكل مجتمع كتبه الخاصة التي قد تستفيد من كتب المجتمعات الاخرى شريطة ان توظفها في خدمة بيتها. وقبل ان يعرض المؤلف لكتب الاطفال مقسمة على فئات عمرية يبدأ بمقدمة يبين فيها انه على الرغم من وجود ارضية مشتركة بين مطالعات الكبار ومطالعات الصغار كما هو الحال لدى مشاهدة البرامج التلفزيونية المحببة شعبيا الا ان هناك فروقا مميزة بين احتياجات المطالعة للصغار وبين احتياجات الكبار, فضمن مجالات المهارات الذهنية يفضّل الاطفال كتبا تعالج احداثا محددة اكثر من تلك الكتب التي تضم مناقشات مجردة, كتبا تركز على الحدث اكثر من تركيزها على الأفكار والمشاعر, والأطفال الصغار عموما لا يحبون عالم الغموض في الأدب الخاص بهم, فنوعية الحكم الأخلاقي الذي يمكن لهم المشاركة فيه يجب ان يكون قائماً على مدح الشخصيات او ادانتها على أساس تصرفاتها السطحية الظاهرة, وهم بالتالي لا يرغبون في مناقشة أية تفاصيل دقيقة, ويفضلون تأييد الأحكام الأخلاقية السريعة السهلة المبنية على ردود افعال عاطفية مباشرة, وهذا بدوره يحد من امكانية مؤلف كتب الاطفال لدى محاولته وضع مفهوم اكثر تعقيدا للامور. وعلى كاتب الاطفال قبل ذلك كله ان يتجنب المقاطع الطويلة في الكتابة اذ يفضل الاطفال الاساليب التي لا تشكل لهم صعوبات كبيرة في فهمها, والنقطة المهمة التي يعرض لها نيكولاس تاكر بعد ذلك هي عدم قدرة الكاتب على التنبؤ بالطريقة التي يستجيب بها الاطفال بشكل تخيلي لصوت الكلمات وبشكل معاكس لمحتواها فقد بينت الدراسات مثلا ان تخيل الطفل للكلمة يختلف من حالة الجوع الى حالة الشبع, ويرى المؤلف ان هذه الخبرة لا يكتسبها الكاتب الا بالدرجة والاجتهاد من اجل الوصول الى كتابة مناسبة للطفل محببة اليه. ويختتم المؤلف مقدمته بالقول: ان النظر في اي نوع من الكتب اكثر ملاءمة للطفل من غيره قد يساعد على جلاء بعض الالتباس الذي احاط دائما بالنقد العملي لادب الاطفال ولاسيما ان بعض النقاد الراشدين يعالجون كتب الاطفال من زوايا تثير الحيرة لتنوعها. ينتقل المؤلف بعد هذه المقدمة المهمة ليعرض في ثمانية فصول اراءه حول كتب الاطفال لكل فئة على حدة, فيتحدث في الفصل الاول عن الكتب للاطفال الذين هم دون الثالثة, ويوضح ان الكتاب لا يعني شيئا للطفل المولود حديثا, ولكن الطفل سرعان ما يبدأ بالاندماج في تعلم كل ما له علاقة بالبيئة المحيطة بهم, ولهذا يكون للكتب المصورة اثر واضح في هذه الفترة, وما علينا الا ان نراعي الطباعة الواضحة على ورق املس سميك, وان نحرص على ان تكون الصور كاملة لا نقص فيها, والكتب في هذه الفترة نوعان: نوع يمكن للطفل ان يقلبه بنفسه, ونوع يحتاج الى مساعدة الكبار في تقليبه وفهمه. ثم ينوه المؤلف بأثر الاغاني في حياة الطفل في هذه المرحلة اذ ينجذب الاطفال اليها وتستطيع ان تساعدهم في تقوية العلاقة بينهم وبين الكبار, وقد بينت الدراسات ان الطفل يحب الاغاني ذات الايقاع الرتيب فيما تميل لغة اغاني الاطفال الى ان تكون واضحة ومفعمة بالقوة, وقد لاحظ اصحاب دور الاعلان اهمية قوالب اغاني الاطفال فنسجوا دعايات بضائعهم على تلك القوالب. ثم ينتقل المؤلف في الفصل الثاني للحديث عن القصص والكتب للأطفال الذين تتراوح اعمارهم بين الثالثة والسابعة, حيث يبدأ الاطفال بفهم القوانين الاولية للسبب والنتيجة, وتتطور لديهم امكانية وصف ما يحدث فعلا في الصور في حين انهم كانوا في السابق يسعدون لمجرد التعرف على الأشياء الرئسية في الصور وتعدادها, ومن الطبيعي ان هذا التطور سوف يسهل على الطفل متابعة قصة في كتابه المصور وفهمها عبر استرجاع الصفحات السابقة او تذكرها, ومع ذلك فان القصص في هذه المرحلة يجب ان تكون بسيطة الى حد ما, ويستحسن ان تتركز الاحداث على شخصية رئيسية واحدة, كما يستحسن ان تدعم الحبكة بواسطة ابيات قصيرة تتكرر بانتظام, وعلى الكاتب ان يختار موضوعا جذابا يعتمد فيه على التفاعل بين النص والصور المرافقة, والطريف ان الدراسات قد أثبتت ان اكثر الكتب نجاحا تلك الكتب التي يرسم صورها فنانون او رسامون محترفون يكتبون نصوصهم بأنفسهم, اذ لا يستطيع الكاتب ان يتخيل بدقة كيف ستقوم الصور برواية القصة. ويشير المؤلف الى ان عالم الكتاب المصور عالم غني بالتجاري, وفي كل مرة يقلب الطفل كتابا يستطيع ان يكتشف شيئا جديدا عن اللون والشكل والتكوين والحركة, ويختتم المؤلف هذا الفصل بالحديث عن القصص والمجلات الهزلية التي تستطيع ان تترك اثرا واضحاً في الأطفال في هذه المرحلة, ولاسيما اذا ارتقت هذه المجلات وابتعدت عن الفكاهة المبتذلة وأحسن الابوان اختيارها لأطفالهم. اما الفصل الثالث فقد تحدث فيه المؤلف عن الحكايات الخيالية المرتبطة بالسحر وغيره, وهنا يشير المؤلف الى انه لن يخص هذه القصص بعمر محدد لان الامر يتعلق بالحكاية ذاتها, ويرى المؤلف ان تصديق السحر بأشكاله المتعددة والذي نصادفه في كثير من الحكايا الخيالية قد يكون منسجما مع أسلوب تفكير الصغار انفسهم حول بعض الاحداث المعينة في العالم الخارجي, وهي لا تشوش ذهن الطفل بل قد تساعده على بناء تلك الثقة الفكرية التي تتأتى عادة لدى تلقّي الصغار مادة معدلة تتناسب مع امكانياتهم في تلك المرحلة, ولاسيما ان الدراسات تثبت ان الاطفال يمرون خلال سنينهم المبكرة بمرحلة فكرية تعرف بمرحلة التوحد, وهي مرحلة لا يستطيع الطفل فيها وضع حد بين (الأنا) و(اللاأنا) , وغالبا ما يخلط الاطفال فيها الافكار بالأفعال والآمال بالحقائق حتى ان بعضهم يظن ان لديه او لدى ابويه القدرة على التحكم بالأحداث, ويبين المؤلف ان هذه الحكايات هي التي تعرف الطفل بأنه خلق في عالم فيه الموت والحياة والخير والشر والمغامرة والبطولة, وهذا ما لا يستطيع الطفل معرفته من خلال تجربته الخاصة. ثم ينتقل المؤلف في الفصل الرابع الى الحديث عن الروايات الاولى للأطفال ما بين سن السابعة والحادية عشرة, ويشير الى ان الأدب في هذه المرحلة يصبح انعكاسا لعملية تفحص الصغار لمشاعرهم الداخلية ووعيهم المتزايد بوجود مشاعر مختلطة او مشوشة احيانا, والأدب هو الذي يقوم بتصوير هذه المشاعر المختلطة وشرحها, وهذا كله لا ينفي اثر التشويق الذي تقدمه حبكة تلك القصص او الروايات, وأثر الاسلوب الذي يتم به ارضاء فضول الطفل, فهذه كلها عوامل يجب اخذها بعين الاعتبار عند تقديم رواية ما لطفل في هذه السن, ولاسيما ان الافكار الطفولية تكون قد بدأت بالتلاشي شيئا فشيئاً مفسحة المجال لعملية بناء الادراك الناضج الواعي. اما الفصل الخامس فقد افرده المؤلف للحديث عن المجلات الهزلية الخاصة بالأحداث حيث يسود لدى الاطفال في هذه المرحلة نوع من الهزليات يعرف في عالم الصحافة باسم (سوق الأذن السميكة) , وهو نوع من الفكاهة الفظة لا نجد فيه الحبكة التي نجدها في كتب المغامرات المعقدة, والطريف ان رأي الكبار في هذه المجلات ليس مشجعاً على الرغم من ان كثيرا من الاطفال يذكرون ان آباءهم يتصفحون مثل هذه المجلات في الأوقات التي يكونون فيها منفردين. ويتحدث المؤلف في الفصل السادس عن الأدب الخاص بالأطفال ما بين سن الحادية عشرة والرابعة عشرة حيث يستطيع الاطفال التفكير ضمن دلالات تجريدية واخرى اكثر واقعية, كما يستطيعون الانتقال من مرحلة اكتساب المعرفة وتخزينها الى التفكير بطبيعة هذه المعرفة, وهذا ما يمكن الكاتب من استخدام مفاهيم اكثر تجريدية مدعمة بالتلميحات والتفسيرات العديدة, ففي ذلك ضمان لانتشار اعمالهم بين افراد هذه الفئة. وبعد ان انتهى المؤلف من الحديث عن كتب كل فئة تعرض في الفصل السابع لمسألة مهمة جدا في هذا المجال, وهي قضية الانتقاء والرقابة والتوجيه, وقد عرض فيه المؤلف لكثير من المواجهات التي لاقاها كتّاب ادب الاطفال في غير ما بلد, كما اشار الى الرقابة الداخلية التي يمارسها كل كاتب على نفسه سواء في الطبعة الاولى من كتبه ام في الطبعات التالية, ثم خلص المؤلف الى القول: ان ادب الاطفال يظل على الدوام عرضة للنقد اكثر من ادب الكبار بالنظر لتأثيراته الضارة المحتملة مما يعكس رغبة المجتمع في تربية اجيال مستقبلية تعكس القيم الاكثر ايجابية لهذا المجتمع, وأي ادب للأطفال يقوم بتحدي هذه القيم بتطرف سيكون عرضة لتطبيق الرقابة الصارمة عليه. اما الفصل الاخير فقد جاء بعنوان: من يقرأ ادب الاطفال؟. وهو فصل يضم قراءة تحليلية واحصاءات ودراسات ميدانية, وفيه يشير المؤلف الى ان اطفال الطبقة العاملة يقرأون بمعدل اقل من ابناء الطبقة الوسطى, وان الاطفال الذكور يقرأون بمعدل اقل من الفتيات وهو يعزو ذلك الى صعوبات يواجهها الذكور في تعلم مهارات القراءة خلافا لما هو الحال عليه عند الفتيات, كما يشير الى ان الذكور يبدون اهتماما واضحا بالمجلات الهزلية, على حين تميل الفتيات الى المطالعة الهادئة المستكينة, وتستمر مقارنات المؤلف بين شرائح متعددة من الأطفال تبعا للبيئة الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية. بقي عليّ ان اشير الى امرين: الاول ان المؤلف كان يمثل لآرائه ودراساته بعدد كبير من قصص الاطفال ومجلاتهم الصادرة في الغرب, ومعظمها غير معروف بالنسبة الى الطفل العربي. والثاني ان المؤلف ختم كتابه بإحالات كثيرة الى تلك الروايات والمجلات اضافة الى عدد كبير من الدراسات التي تعالج قضية كتب الاطفال. الكتاب: الطفل والكتاب تأليف: نيكولاس تاكر ترجمة: مها حسن بحبوح الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 1999 الصفحات: 365 صفحة من القطع الكبير

تعليقات

تعليقات