استراحة البيان، في القطار، بقلم جمال الغيطاني استقر كل منا في مكانه, كل مقعد له رقم, والتذاكر محجوزة, القطار متعدد العربات, طويل, كان منظره عند دخوله البطيء إلى محطة أسيوط متهالكا, يوحي بشيخوخة ما, لا أعرف اسمه, إذ وقع تغير في أسماء قطارات الصعيد, في طفولتي كان أشهرها على الإطلاق (وابور الساعة اتناشر يا مقبل ع الصعيد) - البيان

استراحة البيان، في القطار، بقلم جمال الغيطاني استقر كل منا في مكانه, كل مقعد له رقم, والتذاكر محجوزة, القطار متعدد العربات, طويل, كان منظره عند دخوله البطيء إلى محطة أسيوط متهالكا, يوحي بشيخوخة ما, لا أعرف اسمه, إذ وقع تغير في أسماء قطارات الصعيد, في طفولتي كان أشهرها على الإطلاق (وابور الساعة اتناشر يا مقبل ع الصعيد)

, تردده أغاني ومواويل الحنين التي ينشدها عمال التراحيل الفقراء في غربتهم عبر المدن المصرية الكبرى, قبل أن يتفرقوا في الصحارى العربية, والاهوار العراقية, وكل فج عميق, أصبح للقطارات الآن أسماء عديدة مثل (الأسباني) و(الفرنساوي) وهذا يشير إلى البلد التي صنعت فيها العربات, و(السياحي) و(الشبح) , ومن يسمع وصف الشبح يظن أنه قطار سريع جدا يسبق الريح, ولكنه في الحقيقية يثير الرثاء, وليست كلمة الشبح إلا من قبيل المبالغة المصرية, أذكر بابا مغلقا لحجرة شديدة التواضع في محطة أسيوط, كتب فوقها بحروف عربية قديمة جميلة (استراحة كبار الزوار) , ولم أدر من هم بالضبط هؤلاء الكبار المسموح لهم باستخدام هذا المكان المتواضع, المغلق؟ .. كانت العربة التي جلست إلى أحد مقاعدها تمت إلى بقايا الدرجة الأولى, فالمقاعد رغم وثارتها متسخة, والاهمال واضح على الجدران, وكان هواء التكييف البارد مشوبا برائحة دورة المياه القريبة, استعدت عربات القطار في الخمسينيات والستينيات, كانت مقسمة إلى دواوين نظيفة, مقاعد جلدية وثيرة خضراء اللون, وكانت كل مقصورة مزودة بلوحات نادرة للآثار المصرية, ومعالم بلادنا, لا أحب المقارنة التي تنتهي بتفضيل الماضي, ولكن ما العمل في مواجهة الحقيقة؟ أتطلع إلى مدينة أسيوط من خلال نافذة القطار, يتحرك على مهل, سرعته تتزايد تدريجيا. بعد انتظام الإيقاع, انتبهت إلى ذلك الحوار الذي يدور في الممر, بين مفتش القطار, ورجل صعيدي يرتدي الجلباب, ويمسك بقطعة من القماش, وتذكرة قطار, كان حذاؤه ممزقا, ومنظره كله يجعله غريبا في الدرجة الأولى الفاخرة, المكيفة. كان سؤال المفتش محدودا, يعكس الريبة, والشك والاتهام, (كيف جئت إلى هنا ؟) . يقول الفلاح الصعيدي الذي بدا في الحلقة الثالثة من العمر: ركبت القطار تبدو ملامح سخرية في لهجة المفتش إلى أين؟ مسافر على فين يعني؟ يشير بيده في اتجاه القطار هات التذكرة يتطلع المفتش إليها, يدقق النظر, الركاب يتطلعون بفضول في انتظار إجراء ما التذكرة قديمة وغير صالحة يلوح الصعيدي بيده, كانت إجابات مبهمة, غير محددة, وبدا أن صبر الركاب بدأ ينفد, منتظرين إجراء ما أين بطاقتك الشخصية؟ يدس الرجل يده في صديريته, يضطر إلى الانحناء حتى يمسك بها, يخرجها, يقدمها إلى المفتش لكنه قابض عليها, يضطر المفتش إلى جذبها, يتمعن فيها, في قراءة حروفها المتآكلة. أنت من سوهاج والقطار رايح مصر يعلو صوت الرجل يا نهار أبيض أنا قصدي سوهاج أنا عاوز أقبل من قبلي يهز المفتش رأسه متأنيا, يشير إلى جندي الشرطة الذي وقف يتابع الموقف, والى أحد حراس القطار المرتدي ثيابا مدنية, يمسكان به, يقودانه عبر الممر الفاصل بين العربات, عادت الدرجة الأولى الفاخرة إلى هدوئها, وكنت مستغرقا في التطلع إلى النخيل وإلى الأفق الصعيدي, لكم أنا بحاجة إليه, ويبدو أن الإنسان مع تقدمه في العمر يحن إلى المواضع الأولى, فما البال بأول أرض لامستها رأسي. كنت أتابع المشاهد التي مررت بها جنينا في بطن أمي عندما سافرت من القاهرة إلى جهينة لتلدني هناك, وطفلا صغيرا عندما كنت أمضي إلى القرية لنقضي الإجازة الصيفية, ثم شابا فرجلا يدنو من خريف العمر, تعددت أسفاري, ولكن الاتجاه جنوبا هو عندي جوهر الانتقال, فمنه بدأت واليه أعود, كانت الصور والذكريات عديدة, تتخللها وقفة هذا الصعيدي الغامضة, وحيرته البادية, لابد أنهم يسألونه الآن عن أصله ومقصده, يطرحون احتمالات شتى, هل هو إرهابي ؟ هل يمت إلى جماعة متطرفة؟ هل قصد عملا تخريبيا؟ هل هو أبله؟ يقترب مني زميل السفر الشاعر والأستاذ الجامعي يسري العزب يقول ساخرا: هل تابعت الحوار بين الراكب والمفتش؟ أقول ان الأمر يبدو غريبا, انه يبدو مسكينا وآمل ألا يتعرض للبهدلة, يقترح يسري أن نمضي لنعرف ما جرى, أقوم نجتاز الممر الضيق إلى العربة الأخرى, إلى العربة التالية, لافتة صغيرة مكتوب عليها (ناظر القطار) نلمح في المقصورة الصعيدي الفقير, كان يجلس محاطا بمفتش القطار, والحراس العلنيين والسريين, كان يرشف الشاي, وأحد مساعدي المفتش يمد إليه قطعة جبن ورغيفا من الخبز, وكان مستمرا في حكي تفاصيل لم نستمع إلى بدايتها, ولمحت مفتش القطار يتطلع إليه بحزن ويوشك على تجفيف دموعه, بينما كان الشرطي السري الذي لا يخفي سلاحه الميري يربت على كتف المسافر الغريب بحنو وشفقة. الاثنين : الحقائق لا تتبدل أحن أحيانا إلى بعض النصوص التي طالعتها منذ سنوات, وكأني أحن إلى شخص عرفته يوما, أصغيت إليه وتحدثت, رحت أبحث في القسم الخاص بتاريخ مصر عن مذكرات الزعيم أحمد عرابي, أحتفظ بعدد من المراجع الهامة عن الثورة العرابية, تلك الثورة مصرية الملامح, والتفاصيل, والتي انتفضت خلالها روح مصر, وتداخلت العناصر القديمة بالحديثة (لولا سوء البخت) كما يقول أحمد عرابي, استعيد مذكراته وعنوانها (كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية) , أحب هذه الطبعة القديمة من كتاب الهلال, والتي صدرت في الخمسينيات بتقديم من اللواء محمد نجيب, هذه المذكرات استمرت مدفونة لمدة سبعين عاما إلى أن نشرت بعد ثورة يوليو. أسلوب أحمد عرابي تلقائي, جميل, يفيض وطنية وصدقا, ويبدو متماسكا حتى آخر سطر في المذكرات التي ضمتها في السنة العاشرة من هذا القرن, أي بعد عودته من المنفى الذي أمضى فيه تسعة عشر عاما في جزيرة سيلان على بعد ثلاثة آلاف ومائتي ميل من أرض الوطن, يقول في السطور الأخيرة من مذكراته تحت عنوان الخلاصة: (لما قويت شوكة الاستبداد, وكثر الظلم والجور, وضيق الخناق على الأمة المصرية, أراد الله جلت قدرته أن ينقذ عباده المصريين من جور المستبدين وعسفهم, فجعل من الضعف قوة تكبح جماح الظالمين, وقدر الله سبحانه وتعالى أن أكون زعيم هذه الحركة الوطنية المباركة لما للأمة من ثقة بالجيش, فسرت بالأمة على بينة من الأمر إلى أن نالت الحكومة نيابية, وقوانين عادلة تضمن لها الحرية والعدل والمساواة بين عموم المستوطنين بوادي النيل. ويمضي أحمد عرابي ليقول عن الإنجليز : (ومضى على احتلالهم غير الشرعي 29 عاما فما بالهم لا يوفون بوعودهم وينجلون عن البلاد المصرية وهي هادئة ساكنة, نعم ان الإنجليز كباقي الأمم لا ينجلون عن بلاد احتلوها برضى أنفسهم أبدا, لكنهم سينجلون عن كنانة الله رضوا بذلك أو غضبوا, قريبا أو بعيدا, فإن الهكسوس احتلوا مصر ومكثوا بها 100 سنة ثم خرجوا منها عنوة وقسرا) . ويمضي أحمد عرابي في تعداد الأمم التي تمكنت من أرض مصر وبادت, ثم يوجه حديثه إلى الناشئة قائلا: (فعلى الناشئة المصرية أن تجد وتجتهد وتعمل ليلا ونهارا على استيراد مجدها واستقلالها وحريتها المسلوبة منها ومطالبة الإنجليز بالجلاء حتى ينكشف عنها هذا البلاء) . لم تنشر مذكرات عرابي في حياته, ولم تكتف العائلة المالكة الحاكمة بضرب ستار من النسيان على سيرة عرابي ورفاقه, إنما ظهرت الكتب التي تشوه سيرتهم وتنال منهم, وشارك في ذلك سياسيون وصحفيون, ومؤرخون, بعضهم كبار مثل عبد الرحمن الرافعي الذي غلب عليه انتماؤه الحزبي, كان الدفاع عن عرابي أو الإشارة إلى ثروته بشكل إيجابي كفيل بإثارة المتاعب لكل من يقدم عليه, وعندما أقدم محمود الخفيف على إصدار مؤلفه القيم (عرابي المفترى عليه) صودر الكتاب على الفور, كان ذلك سنة ثمانية وأربعين, إلى أن أقدم الأستاذ رجاء النقاش على إعادة طبعه في الستينيات, طبعا تبدل الموقف من أحمد عرابي ورفاقه بعد ثورة يوليو, لكن .. هل خبت سيرة عرابي أو نالها الوهن في ذاكرة الشعب المصري؟ لقد ظلت ماثلة, وظل رمزا للوطنية في أفئدة الفلاحين الذين استشهد آباؤهم في جيشه, وفي وجدان النساء المصريات اللواتي بعن حليهن وأرسلن إليه التبرعات نقدا, وعينا, وظل هذا التعبير الجميل الدال متداولا عن (قومة عرابي) أو (هوجة عرابي) أو (وقفة عرابي) . الحقائق الكبرى في تاريخ الشعوب لا يمكن تزييفها, ولعل الإقبال الأسطوري على فيلم (ناصر 56) يؤكد من جديد هذه الحقيقة. الخميس رحت أتابع الفيلم الذي تبثه قناة ألمانية فرنسية مشتركة بدهشة وغيظ وعجبا معا, الفيلم عن القدس, يبدأ بامرأة يهودية تعد الإفطار لأولادها الصغار, تتحدث عن أجدادها الذي عاشوا هنا منذ ثلاثة آلاف سنة, مع أن ملامحها أوروبية, ثم يظهر زوجها الذي يرتدي الجينز ويضع الطاقية الشهيرة على رأسه, يقول بتأثر أنه يخشى كل يوم هذه اللحظة التي يخرج فيها بصحبة أولاده إلى المدرسة, في الخارج يتربص بهم المسلمون الفلسطينيون قتلى الأطفال (هكذا!), ثم يستمر الفيلم المعد بدقة ليلتقي بأسرة مسيحية وأخرى مسلمة, لكن الحوار المعد, والشخصيات المختارة تؤكد ما قاله الإسرائيلي في البداية, محور الفيلم أن العرب دخلاء, مستعمرون, واليهود هم أصحاب المدينة, وهم الراغبون في الحياة, وهم الذين يواجهون الخطر القادم من الفلسطينيين الأجانب . الملاحظ من خلال متابعتي لمحطات التلفزيون الأجنبية تزايد هذه النوعية من الأفلام والمواد الإعلامية والثقافية التي تستهدف مؤازرة إسرائيل خلال تلك الفترة التي يكشف فيها العالم الوجه الحقيقي للدولة الصهيونية, الوجه العدواني, الرافض للسلام, المتعطش للدماء, ومنذ سنوات بحت أصواتنا من ترديد مقولة ضرورة الحفاظ على الذاكرة الوطنية والقومية في مواجهة كيان عدواني, يقوم وجوده على إلغاء شعب آخر من التاريخ والجغرافيا والواقع, وللصهيونية ولليهود خبرة تاريخية هائلة في تزييف الواقع, بدءا من الزمن القديم الذي زيفوا فيه تاريخ أعظم حضارة إنسانية, بل أصلها وأبجديتها, اعني الحضارة المصرية الفرعونية, ولعدة قرون ظلت أكاذيبهم عن الفراعنة هي السائدة خاصة مع تطور الأزمنة وتعاقبها ونزول الستار على حقائق الحضارة الفرعونية, وعندما بدأت الحقائق تتكشف بعد فك ألغاز اللغة الهيروغليفية اتضح أن معظم نصوصهم المقدسة مسروقة من نصوص فرعونية, هذا ما كشف عنه العلامة الأمريكي جيمس هنري برستد في مؤلفه المطبوع بداية القرن والمترجم خلال الخمسينيات إلى اللغة العربية كتابه (فجر الضمير) , في هذا الكتاب نجد صفحات مقسومة إلى نصفين بالطول, إلى اليمين أناشيد اخناتون وهي الأصل, والى اليسار مزامير داود. ومنذ سنوات يواصل المفكر المصري الدكتور سيد القمني سلسلة أبحاث على جانب كبير من العمق والدقة, تكشف أكاذيب هؤلاء القوم وتفضح أصولهم أفكارهم, غير أنهم للحق خبراء في تزييف الواقع والتاريخ ونسج الأكاذيب, انهم يخلقون ذاكرة من الفراغ, من قلب الحقائق, وعندما أقدمت حكومة نتانياهو على حفر النفق فلم يكن ذلك إلا عملا فكريا إلى جانب أنه عمل مادي, يستهدف إعلان الحق ليس فيما يوجد على سطح الأرض فقط, إنما ما يوجد في باطنها أيضا. في مواجهة ذلك ابتلينا نحن العرب بمجموعة من المثقفين المرتزقة والمشبوهين الذين يقدمون بدأب على تزييف الواقع وتدمير الذاكرة الوطنية وتشويه مراحل النضال الوطني, فحرب الاستنزاف لم تكن إلا خسارة, والعروبة تتحول على أيديهم إلى شرق أوسطية, بل تختفي تضحيات الشعب الفلسطيني نفسه من خطابات بعض قاداته, ولعنا نذكر المشهد الشهير في حديقة البيت الأبيض عندما وقف رابين يتحدث عن التضحيات وآلام رفاقه في الحرب وجهادهم والشهداء الذين سقطوا في تحرير القدس, حتى خيل للمشاهدين أنه هو الضحية وياسر عرفات هو القاتل المفترس, وتأكد هذا بعد إلقائه خطابه الذي لم يذكر فيه تضحيات الشعب الفلسطيني الذي قدم ما لم يقدمه شعب في العالم من دماء وضحايا, قال لي شاعر فلسطيني كبير ان البعض اتصلوا به عقب الخطابين وتساءلوا عما إذا كان هو الذي كتب خطاب رابين ؟! .. وكان الخطاب قطعة خطابية رفيعة المستوى. دائما .. يستهين بعضنا بالكلمة مع أنها الأصل, والصهاينة يدركون قيمتها, وكيف تتحول الحروف والمعاني إلى مستوطنات, وجيوش جرارة, وليكود ومستوطنين متعصبين, وأحقية في الأرض, ولعل ما يجري الآن من تعصب صهيوني وبروز الروح العدوانية يكون درسا ينبه إلى ضرورة الحفاظ على الحقائق الثابتة في الواقع, والتي يجب ألا يغيبها أي اتفاق أو خطوات سياسية قد تتم اليوم وتنفذ غدا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات