استراحة البيان: حار جاف، يكتبها اليوم سعيد حمدان

أشعر اننا في (البيان) (تورطنا) في شراء خدمة مكلفة ماديا ولا فائدة منها. ذلك ان الجريدة سعياً منها في تقديم خدمة متطورة ودقيقة لقارئها العزيز, حصلت على حقوق نشر حالة الطقس من مؤسسة عالمية متخصصة في هذا المجال, وهذه النصف صفحة التي تنشرها (البيان) كل يوم عن حالة الطقس تتغير فيها مؤشرات الحرارة والمد والجزر والرطوبة بشكل يومي في مختلف بقاع العالم التي تغطيها الخريطة, الا منطقة الخليج العربي, فانها ثابتة اليوم مثل الامس, والصيف مثل الشتاء, فلا فصول عندنا, ولا نحتاج الى مؤشرات دلالية, فالجو ثابت مستقر على الدوام. الخسارة ان الجريدة تقدم خدمة متطورة وهامة, الا ان حالة الطقس عندنا تسببت في عدم جدوى مثل هذه الخريطة ومؤشراتها والتي تعتبر ضرورة هامة, ويأتي ترتيبها قبل أية خدمة اخبارية عند مختلف شعوب العالم, الا نحن. عندما تغادر البلد, صيفا او شتاء وتزور أية بقعة في هذا العالم, تشعر ان الحياة لها طعم مختلف, هذا الطعم مصدره الطقس, مهما كانت تقلباته رياحه او سخونته, الا ان تبدله يوحي لك ان الطبيعة لها ألوان, لا لوناً وحيداً هو الذي تعرفه, وان تحولات طبيعة المناخ تؤثر في الارض والمخلوقات التي تعيش عليها, ومنها الانسان. نفسية الانسان المهاجر المسافر تختلف: حالات الكآبة والضجر, القلق, العصبية وغيرها من علات يكون الطقس عاملا رئيسا فيها او في تزايدها, هذه النفسية تهدأ, ويعود لها بريقها وسكينتها في حالات السفر, وتغير المناخ. عندما تسافر وتشاهد بلدانا منحها الخالق سحر الطبيعة المتمثل في منظر الماء والشجر والمناخ, تشعر مقدار أهمية هذه النعم المفقودة عندك, وانها قد تكون سر ابداع واستقرار الانسان الذي يسكنها. في هجرتك الموسمية, او سفراتك المتقطعة, حالة الطقس التي تعيشها في لحظة السفر, تجعلك لا تتخيل ان هناك اجواء اخرى مغايرة, وقد تتوقع الاختلاف, اما ان يكون التباين الى درجة ما بين الجحيم والنعيم, فلا يتقبل عقل الزائر لنا ان يكون الفارق هكذا, ويحدث اننا نحن أهل البلد لا نصدق ان تكون سخونة ارضنا بهذا الارتفاع عندما نغادرها ونبتعد عنها قليلا. نقول تأقلمنا ان يكون صيفنا حاراً حاراً, وتراضينا معه ان نعيش بعضه, ونهرب منه كل عام عندما يزيد ويشتعل. لكن ان يتحول العام كله الى صيف طويل, هذه (المصيبة) التي لامهرب ولا فكاك منها! نشتكي اذا انخفضت برودة مكيف المنزل او المكتب او السيارة, مع انها آلات تعمل طوال النهار وتواصل عملها بالليل, لا تتوقف دقيقة واحدة طوال ايام وليالي الصيف الطويل. فكيف حال هذه الآلات الصماء, اذا طالبناها ان تكمل دورتها وتشتغل في الشتاء ايضا وبكل طاقتها؟. هذا عن حال الآلات الجامدة, حال الانسان اشد واسوأ. اذا تقبل الكبير الواقع, كيف يقتنع الطفل الصغير, ان السنة كلها يمكن ان تكون فصلا واحدا, وكيف له ان يتحمل هذا المناخ الثابت, ومدى الضرر الذي ستلحقه المبردات والجو المعلب على صحته؟ في كتب التراث قرأت مناظرة لابن حبيب الحلبي, اجراها بين فصول العام, انصف ابن حبيب الصيف, لكنه كان يتحدث عن فصل من بين اربعة فصول, محدد بموعد لقدومه وانتهائه, لو ذاق الحلبي مثل صيفنا في حره وطول بقائه لقال عن الصيف وصفاً آخر. يقول الصيف في مناظرة ابن حبيب (انا الخل الموافق والصديق الصادق والطبيب الحاذق, اجتهد في مصلحة الاحباب وارفع عنهم كلفة حمل الثياب, واخفف اثقالهم, واوفر اموالهم, واكفيهم المؤونة واجزل لهم المعونة, واغنيهم عن شراء الفرا, واحقق عندهم ان كل الصيد في جوف الفرا. نصرت بالصّبا, واتيت الحكمة في زمن الصبا. بي تتضح الجادة, وتنضج من الفواكه المادة, ويزهو البسر والرطب, وينصلح مزاج العنب, ويقوى قلب اللوز, ويلين عطف التين والموز. وينعقد حب الرمان فيقمع الصفراء, ويسكن الخفقان, وتخضب وجنات التفاح, ويذهب عرف السفرجل مع هبوب الرياح, وتسود عيون الزيتون, وتخلق تيجان النارنج والليمون, مواعدي منقودة, وموائدي ممدودة, الخير موجود في مقامي والرزق مقسوم في ايامي..) نملك ان نستغني عن جميع المزايا والمغريات, التي عددها الحلبي في مناظرته مقابل ان يرحمنا الصيف ولو لشهور معدودة لنذوق فصولا اخرى, اي فصل, شتاء, او ربيع او حتى خريف, المهم فصل مختلف عن الصيف.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات