استراحة البيان، على جناح نورس، يكتبها اليوم محمد الخولي

النورس.. هو الطائر البحري الذي ينساب صوته في اجواء الموانىء وفرضات المرافىء وقد شابته رنة من انين.. تسمع هذا الصوت ملتاعا يمس شغاف القلب ويثير بين الحنايا اشواق الوطن وعذابات الغربة ولواعج السفر وآلام الفراق. لا عجب ان يقول الشاعر المجدد الراحل صلاح عبدالصبور مخاطبا محبوبته : لو اننا كنا جناحي نورس رقيق وناعم لا يبرح المضيق محلق على ذؤابات السفن يبشر الملاح بالوصول ويوقظ الحنين للاحباب والوطن النورس عند اهل البحر وسكان الثغور.. وعند الصيادين والسماكين والغواصين والملاحين, هو المرادف, المعادل الموضوعي كما كان يقول الشاعر اليوت للكروان عند اهل الريف.. وخاصة في دلتا وادي النيل تسمع الكروان عند الغروب وكأنه يودع شمس النهار ويستقبل بايقاع اوتاره المفعمة بالشجن.. مقدم الليل الحافل بالاسرار. ومن عجب ان يرفض عباس العقاد التغني بطائر البلبل وفتنة شدوه.. حيث قال العقاد ان بلادنا لا تعرف البلبل او العندليب الطائر الذي صاغ له الشاعر الانجليزي الرومانسي كيتس رائعته الشهيرة بعنوان (انشودة الى البلبل) . ولقد عاب العقاد على حافظ ابراهيم ان قال يوما: عجبت للنيل يدري ان بلبله صاد ويسقى ثرى مصر ويسقينا وكان حافظ يقصد احمد شوقي اذ كان شوقي منفيا بامر الانجليز المحتلين الى اسبانيا في عام 1917 وقد وصفه رفيقه حافظ بانه بلبل النيل الصادي ـ العطشان الى مياه النهر العظيم.. وعاب العقاد على شوقي ان انشد قصيده الجميل وقد تغنى به عبدالوهاب في عامية توازي الفصحى بلاغة واقتدارا في (بلبل حيران) هنالك قال العقاد ان مصر لا تعرف البلبل واضاف: والعهدة عليه وقد كان واسع العلم في مثل هذا الباب, ان البلبل هو من طيور الشمال في اوروبا, وان الطائر المنشد الغريد في ربوعنا هو الكروان. ولذلك اصدر العقاد ديوانا بعنوان (هدية الكروان) .. وكتب طه حسين روايته الشهيرة التي اتسعت شهرتها بعد تحويلها الى الفيلم السينمائي بعنوان (دعاء الكروان) . مع ذلك يظل للنورس مكانه ومكانته في خيالات الشعراء, وفي افئدة امثالنا ممن يتابعون الجمال والفن عبر اختلاف المغاني وعلى تباين المكان والزمان, كم يرق القلب وانت تطالع مسرحية تشيكوف بعنوان (النورس) وهي من الاعمال الدرامية الجليلة للمبدع الروسي الكبير. ثم تعرف ان (النورس) لم تصادف نجاحا ولا قبولا لدى جماهير المشاهدين حين عرضت على المسرح الموسكوفي لاول مرة عام 1896 يومها عاد تشيكوف الى بيته المتواضع وقد حفت به مشاعر الاحباط والفشل لدرجة انه كاد يفقد الثقة فيما وهبه الله من روح الالهام ونبوغ الابداع, ولكن حين حلت سنوات هذا القرن العشرين.. وجدت مسرحية (النورس البحري ـ سي جل) مكانها بين اعمال تشيكوف الكلية الاحترام ومنها كما قد تعلم مسرحية (الخال فانيا) واشهرها مسرحية (بستان الكرز) الدراما رفيعة الرقي وبالغة الدلالة في رثاء عالم الزراعة وعشق النبات لحساب عالم الصناعة والمداخن والآلات يحل على اصقاع العالم ويغير قوانين الحياة والكسب والسلوك وكأنه قدر محتوم. * لماذا أحدثك عن (النورس) ؟ لان امامي وانا اكتب هذه السطور ديوان شعر يحمل العنوان الذي طالعته عند مستهل هذا الحديث على جناح نورس ولا عجب فالشاعر من ابناء العروبة الذين فتحوا عيونهم على ارض ليبيا المطلة على شواطىء البحر المتوسط ولقد كان العرب منذ ايام الجاهلية يحتفلون اذا ما نبغ بين صفوفهم شاعر, ناهيك ان ينال الشاعر النابغ اجازة القريض في اسواق عكاظ او ذي المجاز من مبدع جليل في قامة النابغة الذبياني مثلا حين يستمع الى قصيد هذا اليافع او ذاك وحين تهزه نشوة الابداع يقول النابغة لليافع اذهب يا ابن اخي.. فأنت شاعر. وربما يطيب لنا ان نتمثل هذا التراث المحمود فنسعد كثيرا حين يتناهى الى علمنا غناء شاعر موهوب فنان مطبوع نبغ بين صفوفنا, ولم تصرفه انواء الحياة وشواغل الدنيا ونوب الدهر عن ان يغني يحب ويطرب يأسى ويشجو يداعب الصديق ويهفو الى عبير الوطن وهو بين هذا وذاك يحمل قيثارته وكأنما هي كل متاعه اذ يحل او يرحل اذ يضحك او يرسل الدموع والزفرات. على جناح نورس مطبوع انيق صادر في ليبيا ـ العروبة تكاد صفحاته تصل الى 400 ولكنه يحمل اسم صديقين اولهما الشاعر صاحب الديوان الدكتور عبدالمولى البغدادي وثانيهما ناقد الديوان الدكتور سعدون السويح. وانا لم اسعد بمعرفة الشاعر رغم انه من ابناء جيلي.. ورغم انه قرأ في الازهر الشريف ونال من جامعته درجتي الماجستير والدكتوراه ولكنني سعدت في تغريبتي الامريكية الراهنة بمعرفة الدكتور سعدون السويح الذي انضم مؤخرا الى اسرة الدائرة العربية في مقر الامم المتحدة في نيويورك, ولقد تسنح الظروف يوما كي احدثك عن هذه الدائرة التي تمثل مجمعا اكاديميا يتسم بكل الصفات العروبية القومية اذ تضم نخبة من انبغ المترجمين والمثقفين المحررين المختارين عبر امتحانات دولية على الفرازه كما يقولون لكي ينقلوا الى لغتنا العربية الشريفة كل ما يصدر عن المنظمة الدولية من وثائق وتقارير ودراسات واحصاءات ومعلومات من اللغات الخمس الاخرى التي تستخدمها الامم المتحدة رسميا وهي فضلا عن العربية ـ الانجليزية والفرنسية والاسبانية والروسية وربما عن الصينية في بعض الاحيان, جلسة عابرة او جلستان مع قهوة الصباح وبعدها تحقق اخي سعدون ان كلينا ادركته حرفة الادب, وربما استنشدني بعض ابيات لشاعر اليمن الكبير الراحل عبدالله البردوني فعمد الى رد الجميل بأن وافاني بنسخته الاثيرة, الوحيدة التي يحتفظ بها من ديوان صديقه الشاعر عبدالمولى البغدادي بعنوان على جناح نورس. وانت تقلب صفحات الديوان فكأنك في حيرة من امرك هل تعجب بأبيات الشاعر ام تعجب بسطور الناشر؟ الاول يبدع القصيد والثاني يكشف اسرار النغم ويفتق اكمام المعاني ويغوص مثل ملاح ماهر حاذق في اعماق البحور والقوافي والاوزان بحثا عن الدر الكامن في المعنى او في الصياغة او في السبك المحكم والبناء. وانا من الذين يطربون كثيرا.. ازاء هذه الرفقة الفكرية بين اثنين من اصحاب المواهب وحملة الاقلام.. راعني وانا بعد في فترة الطلب الاولى ان اقرأ كتابا بعنوان (القصر المسحور) تعاون في تأليفه الصديقان الكبيران طه حسين وتوفيق الحكيم. وظللت اتأمل بمزيج من الاعجاب والاكبار رفقة الصديقين العقاد والمازني وهما يعكفان في فورة الشباب على وضع كتابهما الشهير بعنوان (الديوان) في عام 1920 يحاولان به نقد اساتذة الشعر الكبار شوقي وحافظ ومطران او اساتذة النثر الكبار من امثال مصطفى لطفي المنفلوطي, واتسع الاعجاب وتعمق خلال سني الدرس الاكاديمي حين قرأت عن نفس الشراكة الادبية عن اثنين من رواد الكتابة الصحفية الانجليز هما جوزيف اديسون (توفي عام 1719) وريتشارد ستيل توفي عام 1729). ثم ها نحن نفتح الديوان فاذا بواحد من صاحبيه وهو (سعدون) يطالع القارىء بمقدمة هي دراسة اضافية ونراها في غاية الاهمية, لا للشاعر ونشأته كمثقف فرد, ولكن للحياة الادبية والعلمية والفكرية في ليبيا منذ النصف الاول من القرن الحالي.. هي لمحات موجزة حقا, ولكنها استغرقت الصفحات الستين الاولى من الديوان. واذا كان الصديق سعدون السويح يختم مقدمته بأبيات للشاعر عبدالمولى البغدادي, حول رؤيته لمكانة الشعر في حياة الناس فها نحن نختم بها حديث هذا الاسبوع لكن او بالادق نستفتح بها حديث اسبوع قادم باذن الله, والابيات تصدر عن روح تجمع بين رصانة الكلاسيكية وعنفوان الكبرياء تقول: لو سرت في العروق عاصفة الشعر كنار تشع في الظلماء. وتعالى النشيد حرا طليقا مفعما بالشموخ والكبرياء لاختفى القيد, واختفى حامل القيد ودب الرجاء في الارجاء. و.. الى حديث موصول.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات