استراحة البيان : أيام البكارة بقلم ، جابر عصفور

ذهبت الى الاسكندرية منذ أسابيع قليلة لكي أنوب عن وزير الثقافة في افتتاح مهرجان الاسكندرية للسينما. وكنت متحمسا لهذه المهمة, لا لكي ألتقي بالأصدقاء من أهل الفن فهؤلاء التقي بهم في القاهرة, وإنما لكي أجدد عهدي بمدينة الاسكندرية التي أنتسب اليها عن طريق والدي الاسكندراني المولود في حي السيالة في منطقة بحري التي يعدها العارفون أصل اسكندرية المرسي أبي العباس.. وقلت لنفسي: فرصة جميلة لزيارة مرابع الصبا التي تعودت الحياة فيها زمنا, والاقامة طوال أشهر الأصياف البعيدة. وقد ظللت كذلك الى ان دخلت جامعة القاهرة, وشغلتني أحلام التفوق عن زيارة المدينة التي أحبها بعد حبي لأبي. ومرت السنوات, وتقاذفتني تحولات الزمن التي طوحت بي بعيداً عن مصر كلها لأعوام, ولكنني ظللت على حبي لمدينة أبي, وأتذكرها دائما بالكلمات التي تصفها بأنها مارية وترابها زعفران, ولا تفارقني ذكريات مغامراتي فيها مع أولاد أعمامي الذين أصبحوا من الأثرياء لأنهم اختاروا المضي في تجارة المجوهرات التي ورثوها عن آبائهم, وتركوا لي محبة الكتب التي لا تتيح لصاحبها سوى غنى المعرفة الذي ليس فوقه غنى فيما أعزي به نفسي. ولا يعني ذلك أنني انقطعت تماما عن الاسكندرية, فقد عاودت صلتي بها عندما استقر بي المطاف في مصر, لكن تقلب الاوضاع وتغيرات المكان, وانتقال العبد لله الى ما توهم أنه شريحة اجتماعية أكثر ثراء, أبعدني وأسرتي عن بحرى والأنفوشي والسيالة ورأس التين ومسجد سيدي أبي العباس المرسي والى جواره مسجد الأباصيري (وهو الإمام البوصيري صاحب قصيدة (البردة) التي عارضها أحمد شوقي بقصيدته الشهيرة (نهج البردة) التي غنتها السيدة أم كلثوم). حالي في ذلك حال أولاد أعمامي الذين هجروا مساكن آبائهم القديمة في بحري, وانتقلوا الى الاحياء الجديدة من الاسكندرية, وتركوا لبعض الاقرباء البيت الكبير المواجه لحلقة السمك, حيث تعودت أن أرقب الصيادين وهم يفرغون ما جاد به عليهم البحر في باكورة الصباح, وأتطلع في اندهاش الى من كانوا يشربون, دم الترسة (السلحفاة البحرية) لتقوية أجسادهم, ومن كانوا يغسلون بهذا الدم ركبات أرجلهم التي أنهكها الروماتزم, ولكن أولاد الأعمام لم يغادروا مدينة الاسكندرية في امتدادها, وانما انتقلوا من أحياء قديمة الى احياء جديدة, في متغيرات الحراك الجغرافي لتتابع الاجيال. أما أنا فقد فرض على إلحاح الأبناء بعد ان كبروا الانتقال الى الساحل الشمالي, حيث القرى التي أصبحت الاقامة فيها علامة على الوجاهة الاجتماعية. وكانت النتيجة ابتعادي عن موطن أبي القديم, وانصرافي عن زيارة مرابع الذكريات البريئة وغير البريئة بمقاييس الصبا الباكر. وتدريجيا, نسيت شقاوة الصبا في قلعة قايتباى وعلى شواطئها مع ابن عم لي توفاه الله, وكان يصحبني معه في طلعاته لصيد القواقع البحرية (الجراجولا) من تحت الصخور المحيطة بأسوار قلعة قايتباي. وكان بارعا في الغطس والسباحة, وكم حاول ان يعلمني المهارات الاسكندرانية التي كنت أحسده عليها, ولكني كنت أخاف المغامرة بتعلم فن الغطس, وأكتفى بالعوم اليسير على الشاطىء في مناطق الأمان. ومع ذلك فقد أغواني مرة بالتسلل الى القلعة, ولم تكن كما هي عليه الان بعد ترميمها, بل كانت مهجورة, غير مفتوحة للزوار, ومخصصة للمراقبة البحرية التي تقوم بها بعض فصائل القوات المسلحة, المهم اننا تسللنا الى القلعة, وأخذنا نتجول في انحائها, ونصعد أدوارها الى ان وصلنا الى السطح, ووقفنا نتفرج على الميناء الشرقي يحتضن البحر المنبسط أمامنا الى مالا نهاية, تهب علينا نسائمه القويه التي كانت تهزنا هزا. وكان ذلك بعد عام واحد من حرب 1956. ولم ننتبه في براءة الصبا الباكر, واندفاعاته, الى ان القلعة منطقة عسكرية, وأنه محظور علينا الصعود الى سطحها. وكانت النتيجة علقة ساخنة, على يدي جندى الحراسة الذي أدركنا في مكاننا, ولقننا درسا قاسيا لاينسى. ولا أذكر قايتباى إلا وأذكر معها هذا الدرس القاسي الذي لم تمحه ذكريات معهد الأحياء المائية أمام القلعة, تتهادى أمامه مراكب الصيد الصغيرة والكبيرة الى ان تلقى مرساها على الشاطىء, وينقل الصيادون صيدهم الوفير الى الشاطىء القريب من حلقة السمك, مرددين أغانيهم البحرية التي تتحدث عن البحر وبنات بحري اللاتي يتناثرن على الشاطىء كالوعود المغوية. كل ذلك كدت انساه للأسف, بعد ان تباعد العهد بالاسكندرية القديمة, وبعد ان استبدلت بشواطئها الأولى شواطىء بعيدة في اتجاه الشمال النائي, كما لو كنت استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير, وأنسى, أو أكاد, ما اعتدته من زيارة مسجد أبي العباس المرسي الذي كنت أصلي فيه الجمعة بصحبة والدي رحمه الله, وكان يحب مقام ذلك المتصوف الذي هاجر من مدينته مرسية في الأندلس بحثا عن الأمان والسلام, تماما كما فعل عشرات وعشرات مثله من الذين تركوا قبورهم على امتداد الطريق الساحلي من طنجة في المغرب الأقصى الى الاسكندرية, حيث يقابل المرتحل على امتداد هذا الطريق مقامات تاريخية لأهل الصلاح الذين يبدأ كل اسم من اسمائهم بصفة (سيدي) , وهي الصفة التي تجمع بين (سيدي بوسعيد) في تونس مثلا (وسيدي عبدالرحمن) بالقرب من الاسكندرية. ولا أعرف هل ينطبق ذلك على (سيدي كرير) المجاور للعجمي أم لا؟ ولا تنفصل ذكرياتي عن مسجد المرسي أبى العباس عن ذكرياتي في مسجد الإمام البوصيري الذي ينطقه أهل بحري (الأباصيري) , وهو المسجد المواجه الذي قرأت على جدرانه بعض أبيات البردة الشهيرة, وظللت أتابع قراءتها كل صيف أقضيه في الاسكندرية, الى ان عثرت على ديوان صاحبها الشاعر المصري الذي ولد في مدينة بوصير التي تقع بين الفيوم وبني سويف في صعيد مصر, والذي عاش في القرن السابع للهجرة ما بين سنتي 608 ـ 696 للهجرة, وترك قصيدته الشهيرة للأجيال المتتابعة تنشدها في حلقات الذكر أو تعارضها بقصائد على النهج نفسه. وأذكر أنني ظللت أباهي أولاد أعمامي بمعرفة الأصل الصحيح لاسم هذا الشاعر, وأفتخر عليهم بمعرفتي أنه صاحب القصيدة التي ينشدها الذاكرون في حلقات الذكر التي كانت تقام منذ سنوات بعيدة في الساحة المواجهة لمسجده, حيث توجد مقامات أهل التقوى من المتصوفة الذين تتلمذوا على المرسى أبي العباس وتحلقوا حوله مثل سيدى ياقوت العرش وأقرانه. ومازلت أذكر رجع أصوات الذاكرين المنشدين لأبيات البردة التي تبدأ بتذكر محل من المحلات في أرض ذي سلم, وما يثيره التذكر من الشجن الذي سرعان ما ينقلب الى حزن يمزج الدمع الذي يجري بالدم. وما كنت أشغل بالي في ذلك الوقت بالمبالغة التي يقوم عليها البيت الأول, خصوصا مزج الدموع بالدم تأكيدا لحرقة الوجد, فقد كان الأهم هو الشعور الرومانتيكي بافتقاد الحبيب الغائب الذي يتذكره الشاعر في مطلع القصيدة, الحبيب الخيالي الذي أسقطنا عليه أحلام الصبا ورغبات المراهقة, وجسدنا منه وهما لايتحقق قط. ومضينا نطارد هذا الوهم على امتداد شواطىء الاسكندرية, ابتداء من شاطىء (الأنفوشي) وليس انتهاء بشاطىء سيدي بشر, ولم نعثر على شيء يستجيب الى أحلامنا أو يطابق أمانينا, وظللنا على ما نحن عليه الى ان فارقنا عامنا السادس عشر كما قال أحمد حجازي في قصيدة من قصائده, ففارقنا الحنين الغامض الى ذلك الحبيب الغائب, والشجن الهائم بغروب الشمس, وسط مياه البحر, بعيدا في المدى اللانهائي من دورة النور والظلام, وأدركنا فجأة أننا قد تغيرنا كثيرا, وتركنا عامنا السادس عشر, وانتقلنا الى عالم الشباب الباحثين عن التفوق الجامعي, ومنه الى عالم الرجال مسرعي الخطو نحو الخبز والمؤونة, وفقدنا البراءة القديمة في عراكنا مع الأيام, ذلك الفقد الذي يدفعنا بين الحين والحين الى ان ننشد مع صلاح عبدالصبور أحلام فارسه القديم الذي يقول: يا من يدل خطوتي على طريق الدمعة البريئة يا من يدل خطوتي على طريق الضحكة البريئة لك السلام لك السلام أعطيك ما أعطتني الدنيا من التجريب والمهارة لقاء يوم واحد من البكارة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات