استراحة البيان: قوائم ملكية للعشاء، بقلم جمال الغيطاني

عند نزولي مدينة سوهاج, حيث جهينة مسقط رأسي, أحرص على زيارة الملكة ميريت في مدينة أخميم, حيث أؤدي مراسم الاعجاب لجمالها الباقي بعد مرور ما يقرب من أربعين قرنا على غروبها الأبدي, ومدينة أخميم تقع على البر الشرقي للنيل, وقد جبت العالم شرقا وغربا فلم أر حضورا للمكان , وجمالا للطبيعة كما أرى وأعاين في جهينة وأخميم وسوهاج, النخيل الكثيف, واللون الأخضر المتنوع ذو العمق الزمني, والنيل مهيب الصمت, هنا لاتزال الأزمنة القديمة لم تكشف لنا عن أسرارها بعد, المقابر المنحوتة أعلى الجبل حيث ميلاد الحروف وفن الكتابة, الآثار التي لاتزال تحت الأرض, أين ذهبت أعمدة أخميم الضخمة؟ يقولون هنا ان مغربيا جاء عبر الصحراء يحمل عودا أخضر, راح يشير به إلى الأعمدة وسرعان ما اختفت, لكن شكل الأرض بارتفاعها ومنخفاضتها تدل على ما يرقد تحت, تماما كما أخفت الأرض جمال الملكة ميريت حتى تم الكشف عنها منذ حوالي عشر سنوات فقط, محافظ سوهاج الحالي اللواء محمد حسن طنطاوي رجل حالم, طموح, تجاوز البر المحصور بين جبلين, الشرقي والغربي, وبإمكانيات المحا فظة المحلية شق بداية طريق وعر في الجبل الشرقي ليصل في النهاية إلى البحر الأحمر, عمل يذكرنا بإرادة أجدادنا الفراعنة العظام, والآن تستقر قرية صغيرة, جميلة, اسمها الكوثر فوق قمة عالية نطل منها على مشهد الوادي العريق, الجميل, والمفروض أن يتم تطوير المشروعات التي يحلم بها المحافظ, نقل مدينة أخميم القديمة بكاملها إلى المدينة الجديدة للكشف عما تخفيه الأرض, تطوير المقابر الفرعونية العتيقة, وهذه مهمة المجلس الأعلى للآثار, وضع أخميم بحريرها اليدوي وأنوالها الخشبية وملكتها ميريت وآثارها الفنية على خريطة مصر السياحية. قال لي فوزي العمدة عضو مجلس الشعب السابق ان إمكانيات أخميم خاصة وسوهاج عامة يمكن أن تفوق الأقصر. ما أتمناه تحرك الدكتور ممدوح البلتاجي وزير السياحة إلى سوهاج, أطلب منه زيارة موقع الملكة ميريت, خاصة ان جهوده في إنقاذ الحركة السياحية وتنشيطها وتطويرها تثمر الآن, سوهاج كلها أرض بكر طال إهمالها, وتطوير مواقع آثارها, وفنونها, لن ينعكس فقط على أهلها الأشداء, الاصلاء, إنما على سائر عموم الوطن. الجمعة: زهرة زوزو في أحد شوارع مدينة طهطا الضيقة لمحت لوحة معلقة إلى جدار دكان ترزي بلدي, اللوحة منشورة بغلاف (أخبار الأدب) منذ شهور للفنان العالمي سلفادور دالي, امرأة شابة جميلة تطل من النافذة. سلفادور دالي في طهطا.. اذن نجحنا, منذ صدور أخبار الأدب ودار أخبار اليوم تقدم إلى القراء ثلاث لوحات ملونة من الفن العالمي والمصري على الأقل أسبوعيا, وكم يكبدنا ذلك من جهد, فلا يتعلق الأمر بأي لوحة, بل لابد من اختيار دقيق يراعي الجمال وظروف الطباعة, وبذلك نثري الذاكرة البصرية حسب تعبير أستاذنا كامل زهيري, ونسهم في محو أمية العين, مازلت أذكر أول لوحات وقع عليها بصري, كان الوالد رحمه الله يصحبني دائما في غدواته وروحاته, وكان يتردد على كل دكان لمسح الأحذية وتصليحها قريب من الجامع الأزهر, كنت أجلس إلى مقعد خلفه, ويتعلق بصري بلوحات أجنبية ملونة, إحداها لصراف أمام خزانة يعد نقودا, والأخرى لشمشون يهدم المعبد, لوحات منتزعة من لوحات أجنبية كانت تصور في بداية القرن, وكان خيالي ينشط, أتصور هذه الشخصيات تتحرك وتنطلق بعد إغلاق الدكان, أتأمل الألوان, علاقة الأحمر بالأزرق, والأصفر بالأخضر, لاتزال تلك اللوحات موجودة, لكن غبار كثيف غطاها, والحاج أصابته شقوق لم تلتئم, كأنها جراح العمر. غير أن ذاكرتي البصرية كان لها روافد أخرى, منها إعلانات الأفلام خاصة لوحات ليلى مراد وسامية جمال وتمثال محمد عبد الوهاب الخشبي في مدخل محل اسطوانات بيضافون في شارع الموسكي قرب ميدان العتبة. وتلك اللوحات الزرقاء الجميلة بالخط النسخ الأبيض التي تحمل أسماء الشوارع والأزقة, كتبها أحمد هواويني الخطاط الشهير ونال عنها رتبة البكوية, للأسف الشوارع الحديثة لا تحمل مثل هذه اللافتات المميزة لشوارع القاهرة, وعلى ما أذكر كانت لافتات الإسكندرية خضراء, أما اللافتات القديمة فبدأت تختفي, لافتة زقاق المدق الشهير سرقت منذ عدة سنوات ولم توضع أخرى مكانها, خطوط هذه اللوحات ربما كانت حجر الزاوية في عشقي للخط العربي, أما اللوحة التي لا أنساها, فتلك الفتاة الشقراء المرسومة على علبة زهرة زوزو. كانت زهرة زوزو تباع من أجل الغسيل, عبارة عن علبة عليها هذا الرسم الجميل الذي أثار خيالي, وداخلها مكعب صغير أزرق يذاب في الماء الدافئ ليكسب الأقمشة البيضاء لونا سماويا رائقا, كنت أطيل التأمل في ألوان العلبة ورسم الفتاة الباسمة عندما أحملها إلى أمي من دكان عبد الهادي البقال. في الأسبوع الماضي أمضيت مع الفنان محيي اللباد المهتم جدا بثقافة العين, وله كتب هامة جدا في هذا المجال, والفنان جوده خليفة, ورحنا ثلاثتنا نحاول أن نتذكر ملامح علبة زهرة زوزو, واكتشفنا أنها اختفت تماما منذ سنوات عديدة ولم ننتبه إلى ذلك. الأربعاء: قوائم ملكية قوائم ملكية, كيف وصلت إلى متجر الورق القديم في حارة الوطاويط بالجمالية؟ لا أدري, مازلت أذكر يوم عثوري عليها, وانبهاري باللون الأزرق الفاتح, والشعار الملكي, ورق سميك ناعم الملمس, حروف زرقاء غامضة, يعود تاريخ بعضها إلى عام أربعة وأربعين, وخمسة وأربعين, انها قوائم الطعام التي كانت تطبع يوميا وتوضع فوق المائدة الملكية, ليعلم جلالته وضيوفه ترتيب الأطباق وما تتضمنه, وثمة قائمة أخرى بالبرنامج الموسيقي المصاحب, كل طبق توازيه قطعة موسيقية خاصة, يعزفها فريق الموسيقى الملكية برئاسة الملازم أول مصطفى عوف. سبحان الله.. ما هي رحلة تلك الأوراق؟ لقد عثرت عليها في الخمسينات, تقريبا عام تسعة وخمسين, واحتفظت بها, وتنقلت معي عبر مراحل العمر المختلفة. لقد انتهى العصر الملكي وعمري في السابعة, وكانت صورة الملك شبه أسطورية في أذهان أولاد حارتي, وكثيرا ما كنا نتحدث عنه من خلال ما نسمعه عن آبائنا, أو ما يصوره خيالنا, أذكر حديثا عن قوته الأسطورية, وحتمية انتصاره على تشرشل إذا ما اشتبكا في عراك كذلك الذي يحدث أحيانا في الجمالية. وكان طعامه محورا لأحاديثنا, فمن ذلك تأكيدنا أنه يأكل اللحم يوميا, وأنه يستطيع التهام خروف بأكمله, وأن الطباخين يسلقون الديك الرومي لفترة طويلة حتى يشغل كوبا صغيرا يتناوله على الريق, وأن ذلك ينعكس على قوته الجنسية (ثبت تاريخيا أن هذه النقطة بالذات كانت من أضعف مكوناته, وأحد أسباب اختلاله, يراجع في ذلك كتاب الدكتورة لطيفة سالم عنه, وكتاب الأستاذ محمد عودة عنه). كانت صورته في خيالنا مرتبطة بتصورات الطفولة, وإمكانيات عالمنا, وعندما قامت ثورة يوليو, سمعت أن أحد القرويين الذين يجيئون من الريف لحضور مولد سيدي مرزوق يقول: (يا بوي.. دول لما دخلوا قصر عابدين لقوا العسل الأسود زلع.. زلع) كل خيال نتاج ما يعرفه. لكني لا خيالي, هذا القروي المجهول عندنا الآن, كان يمكنه تخيل قوائم الطعام تلك التي عثرت عليها في أكوام الورق القديم المعد للف المخلل والسمك والحلاوة الطحينية والجبن الفلامنك .. الخ. أي القوائم أختار؟ فليكن يوم السبت الثالث من مارس سنة 1945 كنت جنينا ابن سبعة شهور, فلا أتأمل ما تناوله جلالة الملك طبقا لقائمة الغداء, وما أصغي إليه من موسيقى. كلمة غداء مكتوبة بالخط الديواني, يليها مشهيات مصرية بوف بوريك (يعني فطائر باللحم البقري) فخذ حمل محمر خضر منوعة على الطريقة الشرقية ديكة محمرة بالرشاد (لا أعرف ما هو الرشاد) سلاطة مشكلة أرز طاس كباب كنافة بالقشدة فالوذج الوحدة العربية فواكه هذا ما تناوله جلالته في الغداء, وفيما يلي ما استمع إليه مارش الأهرام للدوري أغنية مصرية مليكي أنا عبدك لمحمد عثمان أغنية مصرية من الشرق محمد عبد الوهاب أغنية مصرية افرح يا قلبي القصبجي أغنية مصرية سمع الملوك غباشي أغنية مصرية إليها محمد عبد الوهاب أغنية مصرية حب الوطن عبده الحامولي طبعا قائمة الطعام غنية, ولكن قائمة الموسيقى المصاحبة تثير الإعجاب والتقدير, كلها موسيقى مصرية صميمة, ومن هو غباشي هذا؟ اعترف أنني لم أسمع به, ولا أدري مما تتكون فالوذج الوحدة العربية, وما الذي جمع اسم الحلوى على التعبير السياسي؟ لابد أن جلالته استمتع كثيرا, طعام جيد, أبهة ملكية, موسيقى رائعة, ولابد أنه تمدد قليلا بعد الغداء, وربما أغمض, ربما مارس الرياضة, لقد أصبح ما جرى ذلك اليوم مصير هذا الطعام وتحولاته, لكن .. هل كان يعلم جلالته وهو يجلس في القاعة الملكية بقصر عابدين, أحد أفخم قصور العالم حتى الآن, هل كان يعلم وهو يتأمل قائمة الطعام, أو عندما كان يتذوق مفرداتها, أنها سوف تتخذ تلك الرحلة العجيبة, وتنتهي إلى دكان عم الحاج دياب تاجر الورق في حارة الوطاويط بالجمالية, وأن طفلا سيعثر عليها, ويحتفظ بها, وينشرها بعد حوالي أربعين عاما؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات