استراحة البيان: نسائيات، يكتبها اليوم جابر عصفور

قادتني قدماي بعد أن انهكهما السير, آخر مرة تجولت فيها باحثا عن الكتب الجديدة في مكتبات شارع (شرنج كروس رود) في لندن, الى مكتبة ترفع شعارات حركات التحرر النسائي. ولم أكن رأيت هذه المكتبة من قبل في زياراتي السابقة, فدخلت اليها بعد ان القيت نظرة سريعة على العناوين الموضوعة وراء زجاج الواجهة الصغيرة , وبعد ان لمحت على اغلفة بعض الكتب الاسماء التي اعرف منها كيت ميليت, وبيتي فريدمان, وجوليا كرستيفا, وهيلين سيكسوس وغيرهن من كاتبات الحركة النسائية. وكانت المكتبة واحدة من المكتبات الجديدة التي اخذت تشيع في العالم الاوروبي الامريكي, والتي تتخصص في كتب ومطبوعات ومنشورات وهدايا وشرائط وافلام الحركة النسائية التي اصبحت تضم تيارات متعددة تنادي بالمعقول واللامعقول من الافكار الخاصة بحرية المرأة على كل المستويات. ولاحظت بعد جولة سريعة ان المكتبة تضم كل ما يتصل بحركات تحرير المرأة, وان اقسامها تتوزع حسب موضوعات دالة, فهناك قسم للفكر النسائي, لمحت فيه كتابا مهما بالعنوان نفسه, كتبته روزماري تونج, عرفت منه فيما بعد ان النزعة النسائية تضم تيارات ليبرالية وماركسية ووجودية وبنيوية ومابعد حداثية وغير ذلك من تيارات, كما لو كانت هذه النزعة في تنوعها الوجه الآخر للفكر الذكوري الذي يتنوع في التيارات نفسها, لكن في تعصبه للهيمنة الذكورية التي لا تزال تفرضها الثقافة السائدة. وانطباعي الى الآن ان تيارات الفكر النسائي تبدأ من التيارات المعروفة, خصوصا المحدث منها, وتنطلق في اتجاهات مغايرة لتؤكد حضور المرأة المقموعة, فكرا وابداعا, بأكثر من معنى. هذه الاتجاهات المغايرة يمكن النظر اليها في زاوية من زواياها, بوصفها رد فعل للتطرف الذكوري الذي لا يزال موجودا في تياراتنا الفكرية المتعصبة, وهي تيارات تدفع الحركة النسوية الى اتخاذ ردود افعال مضادة في تطرفها, وذلك من منطلق ان لكل فعل رد فعل, مساو له في القوة ومخالف في الاتجاه, وربما كانت اكثر ردود الافعال تطرفا في الحركة النسوية هي ما يطلق عليه اسم (النسوية الجذرية) , وهي منزع متطرف يدعو الى الاستغناء الكامل عن الرجال في كل شيء نعم في كل شيء (واللبيب بالاشارة يفهم). والى جانب قسم (الفكر النسائي) وجدت قسما آخر استوقفني هو قسم (النقد الادبي النسائي) وقد سبق لي ان ترجمت فصلا عن هذا النقد في المدخل الذي كتبه رامان سلدن تحت عنوان (دليل القارىء الى النظرية الادبية المعاصرة) وتقوم الاطروحة الاساسية لهذا النقد على ان النقد الادبي بحكم ممارسة الرجال له في الاغلب الاعم اصبح مجالا للهيمنة الذكورية, مجالا يضع قيم الرجل وعقليته موضع الصدارة في نظرته الى الادب, وذلك على نحو جعل من عدساته المستخدمة في التحليل والتفسير والتقييم عدسات ذكورية, لا ترى الأدب إلا من منظور الهيمنة الذكورية, حتى لو استخدمت هذه العدسات ناقدات متحمسات لقضية المرأة ولا سبيل الى تخليص النقد الادبي من هذه الهيمنة الذكورية التي تفرض نفسها عليه الا بتأسيس نقد مضاد لهذه الهيمنة, نقد يعمل على تقويضها في الوقت الذي يؤسس لمنظور جديد, هو منظور المرأة التي تصوغ ابداعها المستقل كما تصوغ فكرها المستقل الذي يفضي ـ بالضرورة ـ الى نقد نسائي متحرر من هيمنة النقاد الذكور من امثالنا. والحق انني اهتممت بهذا النقد النسوى او النسائي منذ سنوات غير قليلة, ووجدت لدى بعض ناقداته تفسيرات ونظرات نقدية كاشفة, بل وجدت في كتبه مجموعة من الافكار المقنعة التي تسهم في تحريرنا ـ نحن الرجال ـ من تعصبنا الذكوري, وتفتح اعيننا على جوانب نسائية في الاعمال الادبية لم نكن نلحظها من قبل, واذكر في هذا المجال كتاب (النقد الادبي النسائي) الذي حررته كل من جايل جرين وكوبليا كان, وقد صدر الكتاب سنة 1985 في سلسلة (نبرات جديدة) وقد اعدت المحررتان مقدمة كاشفة للكتاب بعنوان (الدراسة النسائية والبناء الاجتماعي للمرأة) وكانت المقدمة خير دليل للموضوعات التي اسهمت بها في الكتاب كاتبات من طراز سيدني كابلان, ونيللي فيرمان, وكورا كابلان, وبوني زمرمان وغيرهن من الكاتبات اللاتي يصلن (النقد النسائي) بالكتابة الهامشية للأقلية النسائية المقموعة من الرجل بحكم الجنس أو العرق أو كليهما معا. ويبدو أن المعلومات التي استقيتها من هذا الكتاب وأمثاله كانت عونا لي على حسن اختيار الكتب الممثلة للنقد النسائي, وقد فرحت عندما رأيت الطبعة الاولى من كتاب (النظرية النسائية الادبية) الذي صدر سنة 1986. وهو كتاب حررته ميري ايجلتون, واظنها زوجة الناقد البريطاني الشهير تيري ايجلتون الذي ترجمت منذ سنوات بعيدة كتابه عن (الماركسية والنقد الادبي) وقد ضاع مني هذا الكتاب فيما ضاع من كتب, واغلب الظن ان واحدة من تلامذتي استعارته ونسيت ان ترده لي ومن يدري؟! لعل تلميذا مهتماً بالنقد النسائي هو الذي اخذه. المهم ان فرحتي سرعان ما خالطتها الدهشة, عندما وجدت حجم الكتب التي صدرت عن النقد النسائي قد تضاعف مرات ومرات في السنوات الاخيرة. وان هذا النقد اصبحت له مقررات خاصة في الجامعات. واصبحت له مجلات ودوريات خاصة اشتريت بعضها من هذ المكتبة. وطبعا, لم يفتني التوقف على القسم الخاص بدراسات الهوية الجنسية, او دراسات (النوع) كما يترجم مترجمو الامم المتحدة المصطلح الانجليزي Gender, وهي ترجمة افضل على كل حال من ترجمة (الجنوسة) التي شاعت عند بعض الكاتبات, ولكنني مازلت افضل عليها ترجمة (الهوية الجنسية) لان المصطلح الانجليزي لايشير الى النوع بمعناها الحرفي, وانما يشير الى الهوية الجنسية, التي يمكن ان يكتسبها الرجل أو المرأة في الفعل الاجتماعي الذي تتحدد به الصفة الغالبة على الكائن الذي يريد ان يتسم بالذكورة او الانوثة او الخنوثة. ويمكن تعريف المصطلح بوجه عام من حيث دلالته على التمييز الثقافي بين الذكر والانثى, ومن حيث اشارته الى ممارسة اجتماعية ذات طابع ثقافي, تجاوز المعنى الضيق للجنس الى الصفة الجنسية المكتسبة بواسطة هذه الممارسة. وقد لفت نظري تزايد الدراسات الحديثة في هذا الجزء, سواء حول انوثة الذكر, أو ذكورة الأنثى, أو الخصائص الذكورية للغة, اذ تنحو اللغة التي نستخدمها منحنى ذكوريا بارزا بسبب هيمنة الرجال على استخدام اللغة التي تعكس هذه الهيمنة في مفرداتها وعلاقاتها, ووجدت الكثير من الدراسات التي تتناول الجوانب الثقافية والاجتماعية لمعنى الهوية الجنسية, وإلى جانبها دراسات تصل الفكر بالنقد الادبي, خصوصا في منطقة علم الجمال, وهي منطقة لم تتكشف لي الا عندما حملت معي من هذا القسم كتاب كريستين باترسبي بعنوان (الهوية الجنسية والعبقرية: نحو علم جمال نسائي) وقد قلت لنفسي بعد ان تصفحت الكتاب: حتى علم الجمال؟ وقد خرجت من هذه المكتبة محملا بالكتب التي اشتريتها, ولن اتحدث عن الثمن الكبير الذي دفعته فيها حتى لا اغضب من في منزلي, ولم اكتف بذلك بل اشتريت اثنين من شرائط افلام الروائية التي تصنعها المنتسبات إلى الحركة النسائية, متوليات الاخراج والتصوير والكتابة وتمثيل الادوار الرئيسية بالطبع, وقد اخترت هذين الفيلمين عينة اطالعها, اذا اعجبتني بحثت عن المزيد, وقد شاهدت كلا الفيلمين, ولم اعجب بهما, ربما لغلو نزعة التحيز النسائية المضادة لنزعة التحيز الذكورية الطاغية, فالمعالجة النسائية في الفيلمين لم تخرج عن دائرة ردود الافعال التي تظل مقيدة بالاندفاعة المضادة التي لا تؤسس لنفسها نزعة مستقلة, وقلت لنفسي بعد المشاهدة: ان ردود الافعال المغالية في الحركة النسائية الاوربية تفضي بها في كثير من الاحيان إلى تقمس عفريت مضاد للعفاريت التي تحاول طردها, الامر الذي ينتهي بها إلى استبدال عفريت بغيره.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات