يرفضه الادباء ويقبلون عليه، الأدب التسجيلي من الواقع الى الابداع

يتأثر الابداع الى حد كبير بالسياق الاجتماعي للمجتمع, وقد يتحول الابداع في احيان كثيرة الى صدى مباشر او مرآة عاكسة للاحداث الاجتماعية والسياسية . وفي هذه الحالة يقوم الاديب بتضمين عمله الابداعي الوقائع والاحداث التي يعيشها البشر ويضم اجزاء كاملة ومنقولة من الواقع مباشرة الى ابداعه, ويطلق النقاد على هذا التنوع (ادب تسجيلي) قد يكون رواية او قصة تاريخية او توثيقية.. وذلك حسب نوع الاجزاء المنقولة, وهذا الادب التسجيلي يقبل عليه العديد من الادباء. كما ارتبطت به اسماء لامعة في دنيا الابداع والثقافة ابرزهم صنع الله ابراهيم وجمال الغيطاني ويوسف القعيد وغيرهم.. ولكن يتفاوت ظهور هذا النوع بينهم, فالبعض يكتفي بنقل معلومات من الابداع ارشيفية او تاريخية, والبعض الاخر يقوم بنقل اجزاء كاملة من التراث او من الواقع اليومي المعاش.. ويظل التساؤل حول ماهية الادب التسجيلي, ولماذا يقبل عليه الادباء, وهل هناك حدود امام الاديب في الاقدام على عملية التسجيل ونقل الوقائع والاحداث مباشرة وهل يسمى ذلك ابداعا؟ (البيان) استطلعت اراء الادباء والنقاد حول تلك التساؤلات. منهج عقلاني الاديب الكبير صنع الله ابراهيم من ابرز الادباء الذين يكتبون ما يسمى بالادب التسجيلي او بمعى ادق يضمنون اعمالهم وقائع ومشاهد تسجيلية وواقعية تؤكد ان المنهج العقلاني الذي حكم مشواره الادبي وطريقة تفكيره من البداية كان سببا في لجوئه لاسلوب التضمين, ونتيجة ثقافته وظروفه السياسية التي مر بها جعلته يفضل التعامل مع العناصر واعادة المادة التي يرغب في الكتابة عنها حيث اختيار الشكل الاقرب للمباشرة واقتحام الموضوع, ويوضح الناقد الادبي ابراهيم فتحي ان هناك مدخلين رئيسيين للتعبير, الاول هو اختيار معادل موضوعي وهذا معناه اختيار شيء يختلف تماما عن الموضوع الاصلي ولكنه يوازيه ويعبر عن نفس الفكرة من خلال توليفة ادبية فنية من عناصر اكثر بساطة.. الثاني يقوم الاديب بالدخول في الموضوع بشكل مباشر لايقتنص منه شرائح ونماذج وقطاعات ولكنه يقدم صورة شاملة عن الموضوع من نفس عناصره الاصلية واستخدام هذا المنهج في الاعمال يجعل الكاتب قريبا من المادة التي سيتناولها في العمل الادبي ومتفهما لابعادها المختلفة وقادرا على تضمنيها في سياق العملية الروائية حتى لايتحول العمل الى ريبورتاج صحفي. اما الناقد الادبي د. مدحت الجيار فيفسر انواع الرواية فيقول: توجد عدة انواع للرواية, الرواية التاريخية وهي التي تستخدم التاريخ كمادة تستفيد من احداثها وشخوصها ولغتها, الا انها لاتلتزم حرفيا بما كان في التاريخ من تفاصيل ومثال على ذلك رواية (الزيني بركات) للاديب جمال الغيطاني, وتوجد رواية توثيقية وهي التي تأخذ مادة التاريخ القديم او الحديث او تتناول حادثة ما وتهتم بدقتها وتفاصيلها وتقديمها كما حدث في سياقها الواقعي وهنا لابد من العودة للمصادر التاريخية المسجلة والالتزام حرفيا بما حدث لنقله مثل بعض اعمال الاديب صنع الله ابراهيم وخاصة (بيروت بيروت) ويمكن ان تكون الرواية تاريخية وتوثيقية في آن واحد. كما توجد رواية السيرة الذاتية وهي تاريخ ذاتي للكاتب ولابد ان يلتزم فيها بصدق التعبير والصراحة عما يكتبه من احداث مرت في حياته, مثل رواية (الايام) لطه حسين ويضيف د. مدحت الجيار ان هذه الانواع الروائية لابد لها من مقدرة عالية على الكتابة, والفيصل في ذلك اننا نحكم عليها من خلال مكوناتها الادبية, ومدى مزج ما يستعين به الكاتب في السياق الابداعي للعمل, اما حدود التعامل مع الوقائع التسجيلية, فهي الالتزام بما حدث بمعنى اذا كان البطل لقي مصرعه على سبيل المثال في احد الاحداث الواقعية, فيجب ان تلتزم الرواية بذلك. كما ان هناك قواعد لاستخدام المادة التسجيلية او الارشيف معترف بها في كل مكان وفي جميع المجالات وحتى المجال الادبي منها ضرورة الاشارة للمصدر الذي يتم النقل منه, وعدم انتزاع الحوادث من سياقها والتأكد من سلامة المتن وعرضه على متون اخرى للتأكد من صحته. الفن يملي شروطه وعلى عكس ما يقوله د. مدحت الجيار يرى الاديب والناقد ادوار الخراط انه ليس هناك حدود مسبقة في الفن واذا كانت هذه الحدود تنطبق على اي مجال آخر, فالفن هو الذي يملي مقتضياته وشروطه وللكاتب والاديب الحق في استخدام المنهج التسجيلي ضمن بنائه السردي والروائي, طالما استطاع ان يقيم هذا البناء على اسس فنية حقيقية. ويضيف: ليس الاعتماد على الوقائع التسجيلية او المعطيات الوثائقية مرفوضا مسبقا المسألة تتوقف على مقدرة الفنان على تضمين الاحداث التسجيلية في شرائح العمل, ليس الروائي فقط وانما الشعر ايضا, ففي الشعر نلاحظ تضمين بعض الشعراء قصائدهم بيانات ومعلومات من بطاقتهم الشخصية ونجد هذا في الشعر الحداثي على وجه التحديد, ليس هناك شيء مسبق المهم هو محصلة البيئة العقلية ومدى القدرة على مزجها في نسيج العمل الابداعي مثلما يحدث في الفن الحديث, حيث تتداخل عناصر مأخوذة من الشارع والحياة اليومية ويتم تسجيلها في العمل الابداعي. السياق الاجتماعي من ناحية اخرى يرى الناقد الادبي عبدالرحمن ابو عوف, ان النص الادبي يؤثر ويتأثر بالسياق الاجتماعي للمجتمع وقد يتحول الى ان يصبح الابداع صدى للاحداث الاجتماعية والسياسة او وعاء يتضمن الوقائع التي يعيشها البشر, والعمل الادبي يتحول الى وثيقة او عمل تسجيلي, عندما يتضمن احداثا مأخوذة من الواقع باشارات زمنية ومكانية, شرط ان تحتوي على معان انسانية. ويؤكد ابو عوف ان القيمة الحقيقية للرواية التسجيلية تكمن في البحث عن شهادة انسان مبدع اراد ان يدرس ويحلل متناقضات واقعه, كما يزيد من قيمة النص انه يلقي على الاحداث الجارية بظلاله ويربطها بأحداث وقعت من قبل وايضا في طرحه التساؤلات بلا اجابة, من شأنها حث وتحفيز القارىء. اما د. احمد الهواري استاذ النقد الادبي بجامعة القاهرة فيرى ان الادب العربي كان اسبق من الادب الغربي في تناوله للوقائع التسجيلية والتاريخية حيث يعود ذلك الى القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر, الا ان ذلك كان مغلفا بالخيال بشكل مفرط على عكس عدد كبير من الروايات الغربية.. فهناك (والترسكوت) رائد الرواية التاريخية, وديكنز وفيكتور هوجو, فهؤلاء الثلاثة قدموا عددا من الروايات التي اعطت صورة حية لمجتمعاتهم وتضحيات شعوبهم في سبيل حركة التطور والحضارة اما الادب العربي وباستثناء مجموعة من الروايات فهو يفتقر الى هذا اللون من الادب وهنا يجب لفت الانتباه الى التركيز من قبل الادباء والمبدعين على تسجيل الوقائع والتاريخ في اعمالهم, حتى لايؤدي ذلك الى حرمان الاجيال من معرفة صور الحياة في الماضي بشكل ابداعي جميل, مما يبث في نفوسهم القدرة والقدوة والتفاؤل والبذل من اجل الوطن.. وتاريخنا العربي مستودع كبير يمكن ان يستمد منه الاديب ويضمن اعماله الوقائع التسجيلية على نحو يحقق الطموحات المأمولة. القاهرة ـ محمد الصادق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات