استراحة البيان: (الحاصل شنو) ..!، يكتبها اليوم ظاعن شاهين

أصبح أغلبنا ينام ليصحو على خبر علمي أو طبي جديد, فمن دواء جديد لمعالجة مرض القرن الأيدز إلى آخر للسيطرة على الضغط أو السكري إلى ثالث لمعالجة العجز الجنسي, تتواتر تلك الأخبار بشكل يومي مثير دون ان تدع لنا مساحة للفهم أو الاستيعاب, فما يحدث من تجارب واكتشافات ونتائج وتصنيع وتصدير واستيراد في جميع المجالات يفوق ذاكرة الانسان , خاصة في دول العالم الثالث, الذي أصبح الانسان فيه يدير عينيه يمنة ويسرة, ويردد بصوت هامس.. (الحاصل شنو) كما يقول الأخوة في السودان... المثير أن العلماء بدأوا يفككون شيفرات الانسان المعقدة وأخذوا يشيرون بأصابع الاتهام الى الموروثات الجينية, حيث تحول اغلبنا الى جينات متحركة, فعندما يداهم النسيان الانسان فمرد ذلك جينة مسؤولة عن ذلك التدهور في الذاكرة, وعندما يحاول أحدنا النوم فلا يستطيع ويجد نفسه مشتاقاً ولهاً يردد قول الشاعر: يا من نفت عني لذيذ رقادي مالي, ومالك قد أطلت سهادي فبأي ذنب أم بأية حالة أبعدتني ولقد سكنت فؤادي وصددت عني حين قد ملك الهوى روحي وقلبي والحشا وقيادي فمعنى ذلك ان كيمياء الحب اخذت تتفاعل في المختبر الداخلي لقلب ذاك المشتاق. العلماء يشيرون الى أن نوازع الوله والعشق والاشتياق متأصلة في بعضنا, وأن هناك جينة تتسبب في حدوث هذا الدفق المثير في العواطف الانسانية فتصنع حالة قد تؤدي إلى الهذيان أحيانا, ومثلها تنصهر جينة الكراهية أحياناً فتؤدي بصاحبها الى الحقد على نفسه وعلى الآخرين. هكذا وبفضل التواصل العلمي المتسارع يفسر العلماء ويحللون كثيرا من الظواهر الاجتماعية والانسانية المعقدة والمتداخلة, ولا أدري إن كان هذا العلم الذي يبني نظرياته وعلومه على علم الجينات ويدور في فلكها ميزة للانسان أم وبالا عليه خاصة إذا ما عرفنا ان العلماء الباحثين في هذا المجال اعتمدوا النظرية التفكيكية وهذه النظرية لا علاقة لها لامن قريب أو بعيد بالنقد الأدبي والبنيوية التي تعتمد اشكالا مقاربة للنظرية التفكيكية, اذ تعتمد تلك النظرية على التحليل الروحي للنفس البشرية وتجريد الانسان وتفكيكه من عقده المركبة, وتطهيره داخليا وارجاع كل الشرور والطيبة إلى جينات موروثة تتحكم بشكل أو بآخر في رسم التوجه الذي يمشي عليه الانسان. وهذا يقود إذا ما اعتمد بشكل علمي وأجيز الى ظواهر سلبية كبيرة في المجتمع الانساني, إذ بفضل تلك النظرية, يصبح الانسان غير مسؤول عن تصرفاته, ويتحول المدان إلى مريض, على المجتمع مراعاته, فالرئيس الأمريكي بيل كلينتون يتحول الى انسان مريض حرّضته جينة الخيانة على فعل ذلك, ومثله صدام حسين وهتلر وموسوليني والارهابي كارلوس وغيرهم من الذين عاثوا في الارض فسادا.. وهذا بدوره يفتح بابا للمحامين الذين سيجدون تبريرا لموكليهم من المجرمين والمذنبين, فاذا كان للكذب جينة وللصدق جينة وللأمانة جينة وللخيانة جينة فإن للاجرام جينة في تصور اولئك تحمل على كتفها وزر المجرم وتطهّره من جرمه لأنها هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن تلك الشرور المتأصلة في داخله, وبالتالي تسقط عنه بتلقائية مطلقة ما اقترفت يداه ومادبره عقله من جريمة. لا أدري كيف سيكون العالم إذا ما اصبحت مثل تلك النظرية واقعا معاشا؟ قد يكون هناك تفسير نفسي نتفق عليه جميعا حول اشخاص بعينهم, فنقول ان المعاناة أفرزت عبقريا أو مجنونا, أو نقول ان الحياة البائسة أو الظرف الاجتماعي جعل من شخص ما مجرما.. لكننا لا نستطيع ان نقول ان جينة الجريمة انتصرت فأنجبت مجرما.. عموما يظل الجدل محتدما بين العلماء حول السببية أو من المسؤول عما يحدث ولو كان الأمر يجري بالنظرية التفكيكية التي يؤمن بها البعض لبدأ العلماء في السعي الجدّي لتطويق دنى الشر وتحجيمها وفتح حدود الخير واسعة, وبالتالي ايجاد الانسان السوبر المعجون من جينات الذكاء والفطنة والشجاعة والخير والتدين والفرح والقوة والشباب والحكمة وما إلى ذلك من صفات قد تكون نادرة في هذا الزمن المتواصل بالخبث والخديعة والمتشابك بالمصالح والفساد! ومن هنا قد تنجب البشرية من جديد عنترة آخر وليلى أخرى وشهرزاد جديدة ومتنبياً حديثاً, فيتواصل العالم من جديد مع عبقريات في الفن والأدب والشعر والعلم والموسيقى والعمارة والهندسة, وتعود من جديد ليالٍ أخرى اكثر تشويقاً وإثارة من ليالي ألف ليلة وليلة وأرق عذوبة من ليالي الوصل في الاندلس. يبدو أن المغامرة لم تنته بعد ويبدو أكثر أن الجينات التي يتحدث عنها العلماء أصبحت جينات زمن وليس جينات انسان, والا ما تساءل اغلبنا هنا وهناك بصوت يبدو أنه مسموع.. (الحاصل شنو يا اخوان) !!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات