صامد على مدى قرنين من الزمان، سوق الباشوات للفقراء واصحاب الدخول المحدودة

سوق الباشوات الذي يجاور الأمام الشافعي بمنطقة مصر القديمة.. كان منذ ما يقرب من200عام مقصدا للأثرياء والباشوات فقط.. الذين استهوتهم لعبة المزادات وبيع الأشياء الثمينة وشراء المقتنيات النادرة.. ومع مرور الوقت أصبح لدى تجار السوق كميات هائلة من مقتنيات قصور الباشوات والأثرياء وأصبح لديهم كميات من التحف النادرة والاباجورات والصور النادرة للملك فاروق والملكة ناريمان وبعض ملوك العرب.. وصور نادرة جدا لهتلر ونابليون وعملات قديمة ورقية ومعدنية مثل (الجنيه أبو جملين) وعملات فضية عليها صورة الملك فؤاد والملك فاروق والسلطان حسين.. بجانب الطوابع القديمة النادرة لدول عربية. ومع مرور الزمن تم نقل السوق من منطقة (الأمام الشافعي) الى منطقة ( التونسي) ليتسع السوق ويمتد من أول كوبري التونسي وحتى المجزر الآلي بمنطقة البساتين ويشمل أنواعا غريبة أخرى من التجارة أدخلت على السوق ليصبح غير قاصر على الأثرياء فقط بل أصبح السوق الوحيد في مصر الذي يرضي حاجة الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة واصبح سوقا (للروبابيكيا) بعد أن كان ملتقى الأغنياء عند إنشائه منذ 200 عام في ميدان صلاح الدين بالقلعة. المثير للدهشة أن باعة هذا السوق اغلبهم من المتعلمين والموظفين الذين يعرفون جيدا ماذا يبيعون من عملات نادرة وصور وتحف وطوابع. وان كان هناك الكثير من الباعة البلطجية. والمترددون على السوق اما من أصحاب المزاج العالي والهواية أو فقراء ومحدودي دخل..! والبعض يذهب لاقتناء تحفة بسعر مناسب أو صورة للملك فلان أو علان. وهذا السوق يقام ليوم واحد فقط في الأسبوع (يوم الجمعة) ويقام أحيانا يوم الأحد في المواسم والأعياد. وأغلب تجار السوق ليسوا باعة متجولين أو أصحاب أكشاك أو محلات وإنما يفترشون الرصيف ببضاعتهم بمساحات غير متساوية لكل فرد طبقا لطبيعة بضاعته. والمثير أن كل تاجر أو بائع له مساحته المحددة لا يستطيع أحد التعدي عليها و يأتي الىها كل أسبوع ويدفع عنها (كارت) لمراقب الحي يتراوح سعره ما بين نصف جنيه الى جنيهين حسب حجم وطبيعة تجارته ويحصل على (كارت) أو (تذكرة) تؤكد حقه في الوقوف والبيع. روبابيكيا موروثة ويؤكد أحد البائعين بأنه يقف في هذا المكان منذ عشرين عاما وتوارث المهنة عن والده بعد أن استهوته تجارة الصور النادرة خاصة للملك (فاروق) والملكة (ناريمان) بخلاف بيع بعض الملابس القديمة من مخلفات الحرب العالمية الثانية وهي نادرة جدا كالأحذية والقبعات والنياشين.. وأيضا عملات نادرة للعصور القديمة ذات الشكل الثماني والعملات (المثقوبة) والجنيه المصري القديم أبو جملين وجنيهات عليها صورة الملك فؤاد وأخرى للملك فاروق والسلطان حسين وعملات عربية للملك فيصل وغيرها.. وصور لملوك وأفراد عرب وأجانب مثل الصور النادرة (لنابليون) وهتلر, وجرامافون موسيقي قديم وراديوهات إنجليزية وألمانية الصنع ذات احجام كبيرة وتتميز بأشكالها النادرة وهي تستهوي مهندسي الديكور ومن يحبون اقتناء الأشياء النادرة لوضعها بالمنازل كتحفة أو للتكوينات الديكورية الحديثة بالفنادق والقرى السياحية.. ويأتي العديد للبحث عن هذه النوعيات وبصفة خاصة أهل الفن والفنانين حيث يستخدمونها في ديكورات الأعمال السينمائية والتلفزيونية والمسرحية أيضا.. ونفس الحال بالنسبة للعملات والصور النادرة. وهناك بعض التجار يأتون للحصول على كميات من هذه الأنواع لعرضها بمناطق الجذب السياحي.. وعلى الرصيف يعرض أحد الباعة صورة نادرة لنابليون ويؤكد أنه حصل عليها من أحد المزادات بخمسة جنيهات فقط ويعرضها للبيع بسعر لن يقل عن ثلاثين جنيها أو أكثر!.. وبجوار هذا البائع يقف شاب أمامه منضدة خشبية صغيرة عليها مجموعات هائلة من الطوابع مرتبة وكاتالوجات وألبومات تضم العديد منها وعلب بلاستيك بداخلها العديد من الطوابع من جميع الأشكال والأحجام. ويؤكد بأن مهنته أصبحت منقرضة والطلب عليها قليل وأصبحت هواية محدودة بعد انتشار الألعاب الالكترونية والقصص والكتب والمجلات.. ولذلك أسعى لتجارة الكتب القديمة بجانب الطوابع.. وهنا تنتهي منطقة الأثرياء وهواة جمع المقتنيات النادرة.. وأصحاب المزاج الفني.. لينتشر على طول الرصيف بائعون بالعشرات يملأون السوق ويتزاحم عليهم العملاء والزبائن لشراء احتياجاتهم من البضائع الرخيصة والمستعملة.. وفي جزء من السوق يقف العديد من العائلات يتزاحمون أمام أحد بائعي الموبيليات المستعملة .. كل منهم يسعى لخطف قطعة أو المساومة مع البائع على أخرى وهناك العديد من قطع الموبيليا المستعملة التي جمعها التجار من بائعي (الروبابيكيا) الذين يلفون على المنازل وينادون لشراء القديم من دواليب أو حجرات كاملة أو كراسي ثم يقومون بتجديدها وصيانتها وتلميعها كما يؤكد ذلك عم سيد أحد الزبائن ويقول ان ابنه (هشام) سيتزوج وأسعار الموبيليا كما تعرفون.. نار!.. حتى لو اشتريت بالتقسيط لن أستطيع السداد فأنا عامل بسيط ومرتبي بسيط ولذلك ألجأ إلى هذا السوق لشراء مستلزماتنا.. وهنا يمكن أن أجد حجرة نوم خشبية مستعملة متينة ولكنها نظيفة أيضا يتراوح سعرها ما بين 200 إلى 500 جنيه.. بل يمكن شراء المراتب القطنية والوسائد أيضا.. وهناك من يبيع الأنتريهات المستعملة وكراسي السفرة والمناضد والصالونات.. وكلها تباع كما هي وكل شيء وله سعره.. والزبون الشاطر يمكنه الحصول على قطعة موبيليا نظيفة ومتينة وقد تكون من الخشب الزان.. حصل عليها التاجر من اصحاب أحد المنازل الكبيرة الذين يقومون بتغيير ديكوراتهم كل فترة وأيضا موبيلياتهم!.. وأضاف عم سيد أنه قام أيضا بتجهيز ابنته من هنا وأشترى لها (الشوك) و(السكاكين) و(الملاعق) وأباجورات ومرايات وتماثيل بأسعار زهيدة بل وقطع سجاجيد وقطع موكيت مستعملة.. حتى الملابس متوفرة هنا وبكثرة وكلها بالطبع مستعملة سواء للسيدات أو الرجال أو الأطفال.. ويساعدنا ذلك على تجهيز بناتنا في حدود إمكانياتنا المادية. تجارة مربحة وأمام كمية كبيرة من الفساتين الحريمي وملابس الأطفال وقف شاب أكد أنه خريج جديد من الجامعة ولم يجد العمل الذي تمناه فاتجه للعمل في مجال تجارة الملابس المستعملة وكان هذا السوق المنفذ الوحيد لترويج تجارته وأنه حصل عليه بصعوبة عن طريق أحد أقاربه! .. وهي تجارة مربحة حيث يقوم بشراء كميات كبيرة من الملابس المستعملة من بعض التجار ويقوم بغسلها وكيها ووضعها في أكياس بلاستيكية ثم يبيعها لمن يريد وبأسعار زهيدة سواء فساتين أو بلوزات أو قمصان أو بنطلونات.. وهناك بعض المصانع نتعامل معها ونشتري منها المنتجات التي بها غلطات (ديفوهات) أو درجة ثانية في الصنع وتباع كمنتجات جديدة للزبائن وبأسعار بسيطة وأغلبها منتجات قطنية تباع من خمسة جنيهات إلى سبعة جنيهات فقط!!.. مقارنة بسعرها بالمحلات الكبيرة حيث تباع بما لا يقل عن 25 جنيها للقطعة الواحدة. والسوق مليء بتجار هذه الملابس! وتدخل الحاجة سميرة أبو العز في الحديث وتقول: أبني يريد الزواج وانا اريد مساعدته واسعاده في حدود استطاعتي وفهو يريد تلفزيون والإمكانيات لا تسمح وهنا بالسوق تجار يبيعون كميات هائلة الملون منه والأبيض وأسود من جميع الأحجام والماركات وأغلبها يعمل بصورة جيدة والأسعار معقولة ولكن يجب فحصه جيدا ولذلك حضر معي شقيقي جمال ليتأكد من حالة التلفزيون هل هو سليم أم لا!! والجهاز الذي حصلت عليه ماركة مشهورة وملون واشتريته بـ 350 جنيها وإذا ذهبت لأشتري جديدا لن يقل سعره عن 1500 جنيه!! ومرورا بتجار التلفزيونات وأجهزة الكاسيت والاستريو وقف بعض الصبية يبيعون شرائط فيديو بخمسة جنيهات للشريط الواحد ومادته سليمة عربي وأجنبي وبعلبته وشرائط كاسيت بـ 5.2 جنيه فقط جديدة !.. ورفض أحدهم أن يتهم هو وزملاؤه بسرقة هذه الشرائط ويقول انه يحصل عليها من أندية الفيديو التي تقوم كل فترة بإحلال وتجديد لبضاعتها بعد أن ينتهي موسم رواجها.. أو أندية الفيديو التي تصفي بضاعتها التي يشتريها منها. أما شرائط الكاسيت فهي ليست بحق في حالة جيدة وتعد درجة ثانية من منتجات شركات الكاسيت أو بمعنى أدق بها عيب بسيط ونقوم ببيعها بهذا الثمن ولكنها بالطبع جديدة!.. يشتريها من لا يستطيع دفع سبعة جنيهات في الشريط الواحد.. وبذلك نكون قد ساعدنا صاحب الدخل المحدود أن يسمع ويستمتع بأحدث الاغنيات لعمرو دياب وهشام عباس ومصطفى قمر ونوال الزغبي ووائل كفوري. أما التجارة الممنوعة والمرغوبة في نفس الوقت هي تجارة الأدوية المستعملة! التي يحصل عليها هؤلاء الباعة من مخلفات المنازل ويقومون بفرزها وعرضها للبيع وهناك العديد من الزبائن يتلهفون ويلهثون وراء هؤلاء الباعة يبحثون عنهم في كل مكان وهم قليلون للغاية وإذا أراد احد أن يجدهم عليه الذهاب للسوق في وقت مبكر وتجدهم يفترشون الأرض ويعرضون الأدوية وشرائط الأقراص المتنوعة وزجاجات كاملة أو ناقصة لأدوية (الكحة) وغيرها.. ويقول عم بهنسي انه لا يعرف أسماء هذه العلب وكل ما يفعله شراءها من تجار (الزرايب)الذين يجمعون القمامة ومخلفات المنازل ونفرزها ونعرضها للزبائن وعليهم أن يأخذوا ما يريدون وبالطبع الزبون بيدور على الدواء الذي يريده ويعرفه وأي سعر يعرضه علينا يرضينا فأحيانا كثيرة أبيع الدواء بجنيه أو أثنين على الأكثر.. ويقول أحد الزبائن أنه كون مجموعة هائلة من الأدوية واصبح لديه صيدلية بالمنزل من خلال هذا السوق وهو يتأكد من كل علبة يشتريها ومدى نظافتها وأنها مغلفة جيدا أو شريط أخذ منه قرص أو قرصين فقط والباقي محفوظ! وأكد بأنه يعرف جيدا الدواء الذي يشتريه من السوق بعد أن اشتراه من قبل من الصيدليات وبسعر كبير وبذلك يكون قد أشترى الدواء الذي يحتاجه وبسعر زهيد.. ويؤكد أن الزبائن تنتظر هذا البائع أسبوعيا لشراء الدواء الذي يبحثون عنه وبإمكانياتهم المحدودة!.. فمثلا (فولتارين) الخاص بالروماتيزم الشريط منه بالسوق يصل سعره إلى 50 قرشا أما في الصيدليات فيصل سعره إلى 12 جنيها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات