استراحة البيان: محبة الكتب، يكتبها اليوم جابر عصفور

اعترف أنه تنتابني فرحة أشبه بفرحة الأطفال عندما احصل على كتاب جديد, فرحة تذكرني بفرحة الطفولة حين كان أبي يصحبني لشراء حلة العيد في مدينة المحلة الكبرى التي ولدت فيها, وقضيت سنوات صباي البعيد التي لا أنساها, والعجيب انه حين اصابتني لوثة حب الادب وعشق الثقافة استبدلت بفرحة شراء الاشياء المادية واقتنائها فرحة شراء الجديد من الكتب واقتناء أحدث انجازات المعرفة الانسانية بين دفات الكتب . ورغم ان الزمن قد تغير, وانتقلنا من مرحلة المعرفة التي كان الكتاب وسيلتها الاولى والوحيدة, الى مرحلة المعرفة التي أصبح فيها الكتاب وسيلة من الوسائل, الى جانب مخترعات الانسان المتتابعة, فان عشقي للكتاب ظل باقيا على ما هو عليه, لم ينقص عن ذي قبل, كما لو كان حالي والكتاب هو الحال الذي وصفه الشاعر القديم بقوله: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب الا للحبيب الأول هذا الحبيب الأول, الكتاب, ظللت على اخلاصي لمحبته الى اليوم, أبحث عنه كلما ذهبت الى مكان له علاقة بالثقافة, وقد اشتري الى جانبه ـ في المجمعات الثقافية الضخمة في عواصم العالم المتقدمة ـ الجديد من شرائط الفيديو للأفلام الجيدة, لكنني لا اختار في الاغلب الاعم الا شرائط الافلام المأخوذة عن روايات, اي المأخوذة عن كتب. وما أكثر الحالات التي قادتني فيها شرائط الافلام الى الروايات التي أخذت عنها, والتي اظل ابحث عنها الى ان أجدها, فأضمها الى صدري في حنان لا يعرفه سوى عشاق الكتب, وأتحين الفرصة كي افرغ لها, وأطالعها في فرحة قد تنتهي احيانا بالاحباط, خصوصا حين لا يجد المحب ما كان ينتظره من محبوبه, ويصدم منه بما لم يكن يتوقعه من العطاء. ولكن هذا النوع من الاحباط لم يصرفني قط عن المضي في محبة الكتاب, تماما كما لم يغير الزمن علاقتي به, ولم يمنعني الشيب الذي غزا رأسي من الحفاظ على مشاعر الطفل الذي لا يزال في أعماقي, والذي ينطلق حبوره في بهجة غامرة عندما يرى كتابا جديدا لم يره من قبل. وما أكثر حماقاتي في هذا المجال من وجهة نظر اصحابي وزوجي التي اسلمت امرها الى الله, منذ ان اخذت كل نقوط (النقوط) التي قدمها لنا الأهل عند زواجنا واشتريت بها كتبا جديدة, فرحت بها فرحة الطفل بأحلى هدية نالها. ولم تملك زوجي العزيزة سوى ان تضحك على حركاتي التي كنت أقوم بها وأنا أريها ما اشتريت, ونسيت في سعادتها بسعادتي انني انفقت اغلب ما نملك, ولم يبق معنا الى نهاية الشهر ما يكفينا. لكن من ذا الذي كان يهتم في ذلك الزمن البعيد بالنقود؟! لقد كانت الاشياء سهلة, والحياة ميسورة, يمكن تدبرها بأقل القليل. والشباب لا يعبأ بقلة النقود, على الاقل في ذلك الزمان البعيد, فالأهم لدينا كان حلم ان نحقق ما نريد, وان نستقبل الحياة بدهشة الطفل, وان نبحث عن المعرفة في الكتب التي كنت, ومازلت, اجري اليها كما يجري الاطفال الى هداياهم الجميلة المغرية. واكثر ما تكون فرحتي عندما اكتشف كثرة ما يضيفه الكتاب الجديد الى معرفتي كما وكيفا. وطبعا, تتزايد فرحتي او تتناقص بتزايد قيمة الكتاب او تناقص درجة الانجاز فيه. ولا اذكر انني ندمت ندامة الكسعي يوما على ما انفقت من كثير في شراء كتاب لم يكن فيه ما توقعته, فالمهم عند المحبين من امثالي ليس الكتاب المفرد وانما الكتاب الجمع, فكل كتاب من الكتب هو مفرد بصيغة الجمع لو جاز لي ان استعين بلغة الشاعر ادونيس, وكل جمع يغفر للاقل من افراده كونهم اقل في القيمة من الاغلب الاعم, وحتى عندما اصبحت ممن تهدى اليهم الكتب, وترسل اليهم من زملائهم أو تلامذتهم أو اصحابهم أو الساعين الى رأيهم, فان فرحة الطفل لم تغادر اعماقي قط, ولم استطع ان استبدل بها رزانة النقاد ذوي الوجوه الجهمة والنظارات السميكة والملامح الرصينة التي لا تعرف انفراجة الاسارير التي تعكس فرحة القلب الذي يحتفظ بالطفل في اعماق صاحبه. واحدى عاداتي الحبيبة الى نفسي حتى اليوم ان احتضن ما أحصل عليه من كتب جديدة, وأحملها معي الى المنزل, واختلي بها بعيدا عن العوازل, واتصفحها كتابا كتابا, لأحدد الأهم فالمهم, ما يستحق القراءة العاجلة, وما يمكن تأجيله الى حين ميسرة في الوقت ومشاغل العمل. وعادة أمارس هذا الفعل في حال من التوحد الشعوري, ناسيا كل شيء حولي, وما أكثر ما قمت بتأجيل كتابة واجبة بسبب الانشغال بتعرف كتاب جديد, بل ما أكثر مالم اذهب الى حفلات رسمية وعدت بالذهاب اليها لأن كتابا سرقني وانساني ما حولي. وتقول زوجي ان هذه حالة ادمان تقبلها, ما دمت ابقى في المنزل ولا أغيب عن ناظريها, ولا انشغل بما ينشغل به من هم في سني من الذين تخبطهم نوبة المراهقة الثانية وتطوح بهم الى ما تكرهه الزوجات. وابني ينظر الى حبي للكتب في اشفاق, واحيانا يسألني: ألا تمل يا أبي من هذه الكتب التي زاحمتنا في كل ركن من المنزل؟! ولكن من ذا الذي يمل يا ولدي من المعرفة, او يطيق البعد عن الكتاب وسيلتها التي لا تزال الاولى عندي, والكتاب ـ يا ولدي ـ يزيدنا حبا في المعرفة, ويجعلنا كلما مضينا في التزود منها نزداد شوقا اليها. ويعرف أهلي عني هذا الغرام بالكتب, فلا يهدونني سوى الكتب, ولا اطلب منهم حيث يحلون في كل مكان من العالم سوى ما ينقصني من كتب, او ما اسمع عنه من اخبار هذا الكتاب الجديد او ذاك, ويعرفون كذلك انني لا أهدي من احبه من أصحابي الذين ادركتهم حرفة الثقافة سوى الكتب التي اشعر بأهميتها لهم, ولا أتردد في شرائها حين اذهب الى الخارج, ويكون أول ما أحرص عليه هو التجول بين المكتبات. وهذا ما يدفع صديقي عمرو عبدالسميع الذي يشرف على مكتبة جريدة (الاهرام) في لندن, وصبري حافظ الاستاذ في جامعة لندن, الى ان يكون اول ما يستقبلاني به, حين ازورهما هو اخبار الكتب والمكتبات, ويتركني كلاهما في حالي, لأيام, اجوب مكتبات لندن الكبرى, مكتبة مكتبة, لا أفرغ من (ديلنز) الا لأذهب الى (فويلز) التي لا أغادرها الا وانا استعد لوقت اطول اقضيه في مكتبة (بلاكويل) الجديدة التي لا اتركها الا لأتسكع على مهل في المكتبات التي تبيع الكتب القديمة في (شرنج كروس رود) الذي يعرفه عشاق الكتب من أمثالي. وأظنني لا أعرف من شوارع لندن الكثيرة مثل هذا الشارع الممتد الذي يأخذ اسم (توتنهام كورت) في اتجاه و(شرنج كروس رود) في اتجاه ثان. وكلا الاتجاهين مليء بالمكتبات على الجانبين. يذهب اصحابي عادة الى الشوارع المحيطة لشراء أحدث الازياء في الملبس. واعرف انا طريقي الذي يأخذني من (توتنهام كورت) الى اخر (شرنج كروس رود) ابدأ بالمكتبات الكبيرة, وانتقل منها الى الاصغر فالاصغر, ونقطة الانطلاق في كل حالة الواجهات الزجاجية التي تعرض احدث الاصدارات. ويأتي بعد ذلك نقطة تحديد الموضوعات, ثم الجولة المتمهلة في كل اقسام المكتبة, في السنوات الاولى من العشق, كنت احسب حساب ما عندي من جنيهات معدودة, واستبدل بالشراء متعة النظر والتطلع وتصفح الكتب عندما ينفد ما معي من مال. واحسبني كنت استرجع ما كان يفعله توفيق الحكيم في مذكراته, حين قص تفاصيل حياته في باريس, وكيف كان يذهب الى مكتبة بعينها لبيع الكتب, ويقضي الساعات في مطالعة الكتب التي كان يريد ان يطالعها بلا أجر. واذكر انني بحثت عن هذه المكتبة في احدى زياراتي الى باريس. لم اترك البحث الا بعد ان وجدتها, وفوجئت ان أمثال توفيق الحكيم في شبابه لا يزالون يقومون بما كان يقوم به الى اليوم, ويظلون ممسكين بالكتاب يطالعون فيه, لا يزجرهم احد, ولا يدفعهم احد بالمناكب, بل يتركهم الجميع في سلام كما لو كانوا يؤدون طقسا شعائريا يستحق التوقير والاجلال. صحيح ان احوالي المالية اختلفت اليوم, اصبحت مستورة والحمد لله, لا اعرف الغنى ولا اعرف الحاجة في الوقت نفسه, واستطيع ان اشتري ما أرغب فيه من الكتب باللغة الاجنبية التي اجيدها. وافعل ذلك بمحبة غامرة. واقول لنفسي: ما يأتي من الكتب يذهب الى الكتب, فالكتب تحمل خبرات نكتب عن بعضها, ونحصل مقابل ما نكتب على اجر مادي, والاجدر بنا ان نرجع هذا الاجر المادي الى الاصل الذي جاء منه وهو الكتاب, وعاء المعرفة الكريم الذي يفيض بالعطاء على كل من يطالعه. ولذلك لا اكتفي بالذهاب مرة واحدة الى شارع (شرنج كروس رود) او (توتنهام كورت) فلابد من تكرار الذهاب, وتكرار البحث, ولذة الاكتشاف في كل مرة تبعث في الوعي حماسة التدقيق والاختيار النقدي. وربما كان ذلك ما انتهت اليه خبرة العمر الطويل الذي قضيته مع الكتب, حيث اصبحت قادرا ـ فيما اتخيل ـ على التمييز, من التصفح الأول, بين الكتاب الذي يستحق الحب, ومن ثم الاقتناء, والكتاب الذي لا حاجة للمرء به, اما لأنه خارج دائرة الاهتمام او خارج دائرة القيمة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات