استراحة البيان: رفقا ببراءة أطفالنا، يكتبها اليوم: علي عبيد

كم هو جميل ان نرفع من وتيرة الفرح كلما أضفنا الى خانة اعمارنا رقما جديدا حتى تطغى تلك النغمة على ما سواها لنسدل ستارا من النسيان على احداث لم تأت على هوانا فلانمنحها الفرصة كي تترك ندوبا على جدار حياتنا او تحدث شروخا في اعماق نفوسنا, وكم هي محظوظة تلك الفئة من البشر ممن حباها الله مظهرا طفوليا ووجوها لاتنم عن عمرها الحقيقي فتبدو اصغر كثيرا من سنوات عمرها حيث لايحدث فيها عامل الزمن تلك الاخاديد التي يحفرها على وجوه اغلب الناس محيلا نضارة الشباب وزهوه الى تلك المعالم الخريفية التي نحن سائرون اليها كلما ازداد عدد الشموع التي نطفئها شمعة بعد شمعة سنة بعد اخرى, على ان الاكثر حظا من هؤلاء جميعا هم اولئك الذين يحافظون على روح الطفولة ونضارة الشباب داخل نفوسهم مهما تقدمت بهم السن, ذلك ان الطفولة دون شك هي اجمل سنوات العمر واطهرها وانقاها, ولكننا مع الاسف لاندرك ذلك الا بعد ان نجتاز هذه المرحلة من الحياة, وربما تأخر ادراكنا لهذه الحقيقة حتى نصل الى سن الكهولة ونكون قد ودعنا ثلاثة عقود من اعمارنا وبدأنا العقد الرابع, فلانعرف قيمة الطفولة الابعد ان تكون قد لوثتنا مسيرة الحياة وخطت في نفوسنا خدوشا من الصعب اصلاحها واحدثت جراحا من الصعب مداواتها. انظروا معي في ساعات الصباح الباكر وتأملوا هذه الافواج من الطلاب والطالبات من مختلف الاعمار وهي تنطلق الى مدارسها يغالب بعضها النوم في بواكير الصباح, ويصارع بعضها رغبة ملحة في بدء يومه باللعب مستغلا هذه الدقائق القليلة التي تسبق وصول وسيلة المواصلات التي ستقله لمدرسته حتى اذا ما انتظم في فصله لم تفارقه هذه الرغبة في اللهو لتظل مسيطرة على تفكيره في المدرسة والبيت والشارع بينما تتوالى الضغوط من جانب الآباء والامهات والمدرسين في معركة لاتنتهي الا بنهاية العام الدراسي يكسبونها حينا او يعتقدون ذلك, ويخسرونها اغلب الاحيان, أما الاطفال فتعتمل في نفوسهم رغبة عارمة في طي هذه المرحلة طيا متذمرين من الدراسة وقيودها ومن تعليمات الاهل واوامرهم ومن رتابة وملل يكونان محل استغراب منا, ويلح عليهم هاجس الانتهاء من الدراسة وولوج الحياة العملية كي يكون قرارهم بايديهم فيتخلصوا من سيطرة الاهل حتى اذا ما وصلوا الى هذه المرحلة وواجهوا الحياة بمشاكلها وهمومها ومسؤولياتها تمنوا ان لو عاد بهم الزمن الى الوراء فلم يغادروا سن الطفولة وتبدى لهم جمال تلك المرحلة وصفاء جوها ونقاء هوائها, ولكن هيهات للزمن ان يرجع القهقرى, اما هذه الامنيات فتظل محلقة في سماء الاحلام الوردية الجميلة نستعين برذاذها الندي على ري طرق حياتنا المقبلة علها تنبت على جوانبها بعض الورود عسى ان يعطر شذاها أجواءنا وتضفي الوانها الزاهية عليها بهجة تشتاق اليها ارواحنا وتأنس اليها نفوسنا في خريف العمر وبرد شتائه الموحش. اما دورنا في تشكيل شخصيات اطفالنا فهو لاشك رئيسي وهام, فنحن الذين نلعب الدور الحاسم في رسم السمات الاساسية لهؤلاء الابناء منذ ولادتهم وحتى تسليمهم لمعترك الحياة, ولا ادل على ذلك من قول العالم واطسون : (اعطوني اثني عشر طفلا حديثي الولادة وحددوا لي المهنة التي يجب ان يمتهنها كل منهم في المستقبل وانا قادر على تسليمهم وكل واحد منهم اختصاصي في مجاله شرط ان تطلق يدي في ان اربيهم التربية المناسبة وانمطهم التنميط المناسب لاخرج لكم المدرس والطبيب والمهندس والمجرم والمحامي والشخص الهادىء والآخر العنيف) . ولعل اكبر جريمة يقترفها الاهل في حق اطفالهم هي اخراجهم من اجواء الطفولة والزج بهم في عالم الكبار قبل الأوان. هل تذكرون تلك الطفلة الشقراء الجميلة المعجزة (دور) التي قامت ببطولة الفيلم الشهير (اي تي) ذلك الكائن الفضائي الذي يهبط الى الارض فتتعهده مجموعة من الاطفال الذين يقومون بالبطولة الحقيقية في الفيلم ؟ لاشك ان وجهها الملائكي الجميل لايمكن ان يفارق ذاكرة كل من شاهد ذلك الفيلم الاكثر شهرة في تاريخ السينما العالمية. لقد اصبحت (دور) نجمة شهيرة في العمر الذي يدخل فيه الاطفال اولى مراحل الدراسة ولم يكن هذا مستغربا, اذ كانت تنتمي لعائلة من اشهر العائلات الفنية في هوليوود حيث تمت بصلة قرابة لستيفن سبيلبرج منتج ومخرج الفيلم. هذه الطفلة البريئة بعد ان اصبحت شهيرة تركها اهلها تواجه عالم الشهرة وحدها بسبب ادمانهم للمخدرات والكحوليات, فماذا كانت النتيجة؟ لقد انخرطت هي الاخرى في نفس الطريق فأدمنت الكحوليات عندما بلغت السادسة من عمرها .. وفي التاسعة ادمنت المخدرات, وحاولت الانتحار في الرابعة عشرة, وتزوجت ثم طلقت قبل ان تتم التاسعة عشرة. كان هذا هو حصاد الشهرة الذي نالته تلك الطفلة في غياب رعاية الاهل, ولمدة ست سنوات لم تقدم سوى فيلمين بسبب انشغالها الدائم باللهو في الحانات ونوادي الليل .. وبعد كل هذا الضياع قررت (دور) وقد اصبحت شابة جميلة في العشرين ان تهزم حياة العبث فدخلت مصحة للعلاج من الادمان وبدأت تعرف طريقها الى الاستوديوهات من جديد حتى وصل اجرها الى ثمانية عشر مليون فرنك عن الفيلم الواحد وامتلكت شركة انتاج سينمائي خاصة, وتقول الآن انها ليست على استعداد لان تفقد ما حققته مرة اخرى مهما كانت الاغراءات . ولكن من يضمن ذلك؟ ولعل من أسوأ المناظر التي يشاهدها المرء في الحفلات الفنية منظر اولئك الاهل الذين يدفعون ببناتهم الصغيرات ـ وبعضهن لم تتجاوز الخامسة من العمر ـ للرقص على خشبة المسرح او بين صفوف المتفرجين على انغام الموسيقى وغناء المطربين فترى هذه الطفلة البريئة تتمايل متصنعة الغنج والدلال في اكبر جريمة اغتيال لبراءة الطفولة وطهرها ونقائها, اما الاسوأ من ذلك فهو تركيز كاميرات التلفزيون على هذا المشهد ونقله من مختلف الزوايا للناس في البيوت لتعميم الفكرة على جميع الاطفال وربما الاهل ممن لم تتح لهم الفرصة لتلقين بناتهم دروسا في فن الرقص الشرقي وغير الشرقي .. واذا كان الاعلام الغربي ومن سار على نهجه لايجد غضاضة في نقل ماهو أسوأ من ذلك الى داخل البيوت فما هو عذر اعلامنا العربي وهو الذي ابتدع ذلك, خذ مثلا اغاني الفيديو كليب التي لم تتفتق افكار بعض مخرجيها عن شيء سوى اختيار طفل وطفلة وتصويرهما في اوضاع عاطفية حميمة على شواطىء البحار وضفاف الانهار وتحت ظلال الاشجار, ولا استبعد ان يكونوا قد فكروا في الزج بهما الى غرف النوم ضاربين بكل قواعد التربية والقيم والاخلاق عرض الحائط عن قصد حينا وعن جهل في اغلب الاحيان, كأني بهم لم يكفهم ما تفعله افلام الرسوم المتحركة باطفالنا وتلك الافكار الشاذة التي تزرعها في عقولهم بدءا من جعل الصراع للاستخواذ على الانثى هو محور القصة وموضوعها حتى لو كان ابطالها من الحيوانات التي تمثل الغالبية العظمى من ابطال هذه الرسوم, ونتيجة لذلك كله ولغياب البيت والقيم والمبادىء والقدوة الصالحة فلاداعي للاستغراب اذا رأينا طالب ثانوية عامة في السادسة عشرة من عمره يعتدي على ابنة عمه ذات الاعوام الثمانية ثم يعترف بانه قد اقدم على ذلك نتيجة تناوله حبوبا مخدرة وتأثره بالافلام الجنسية التي يشاهدها مع اصدقائه, كما لانستغرب ايضا عندما نقرأ ان 56 قضية قتل اقارب من الدرجة الاولى تم تحريرها خلال ثلاثة اشهر فقط في محافظة واحدة من محافظات احدى الدول العربية 12 قضية منها متهم فيها ابناء بقتل امهاتهم, فما ابناؤنا الا حصاد غرس ايدينا, فلنحسن اختيار التربة ونتعهد ماغرسنا بالرعاية ونحيطه بالعناية حتى نجني منه اطيب الثمر. جاء رجل الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ان ابني هذا ـ واشار الى ولده ـ يعقني . فقال عمر للابن: اما تخاف الله في عقوق والدك, فان من حق الوالد كذا, وحق الوالد كذا, فقال الابن: يا أمير المؤمنين, أما للابن على والده حق؟ قال نعم, حقه عليه ان يستنخب امه لكي لايكون للابن تعيير بها, ويحسن اسمه, ويعلمه القرآن, فقال الابن: فوالله ما استنخب امي وماهي الا سندية اشتراها باربعمائة درهم, ولاحسن اسمي سماني جعلا ولا علمني من كتاب الله آية واحدة. فالتفت عمر الى الاب وقال: تقول ابني عقني فقد عققته قبل ان يعقك, قم عني. تلك كانت حقوق الابناء على الآباء قبل اربعة عشر قرنا حين كان المجتمع بكرا لاتلوث سماءه قنوات فضائية ولاتعبث بعقول ابنائه مواقع (انترنت) ولاينام ويصحو فتيانه على تنهدات فتيات التوابل وتتسابق فتياته على اقتناء صور الـ ( باك ستريت بويز) فانظر كم من حقوق علينا اليوم لأبنائنا كي لا نعقهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات