من الملف السياسي: الانفتاح أفسد الذوق العام وأهمل الموهوبين،عبد الناصر لقبني(فيروز مصر)واهتمامه اكسبني الشهرة، بقلم: عفاف راضي

اقتحمت عالم الفن في عهد العمالقة الكبار واستطعت أن أجد لنفسي مساحة خاصة وطريقا إلى قلب الجمهور في فترة توفر فيها الكثير من العوامل المساعدة على الظهور, حيث المنافسة والبحث عن الموهبة والجودة الفنية, بغض النظر عن الشهرة والقيم المادية, ففتحت الأبواب أمام الكثيرين ممن نراهم الآن علامات بارزة في الساحة الغنائية . بداية المشوار والفن في حياتي لم يكن صدفة فأنا أنتمي إلى عائلة فنية معروفة وهي عائلة "راضي" مما كان له التأثير الواضح في توجيهي منذ الطفولة, حيث اشتركت في برامج الأطفال وقدمت بعض الألحان الصغيرة, ثم التحقت بمعهد الكونسرفتوار لدراسة الموسيقى والعزف على البيانو إلى جانب دراستي العادية. وبمرور الوقت تخصصت في الغناء الأوبرالي وشاركت في حفلات الكونسرفتوار حيث اكتشفني الموسيقار بليغ حمدي الذي قدمني في أغنية "ردوا السلام".. بليغ قدمني بشكل جيد.. فشعر الناس املك صوتاً جديد أو كما وصفني النقاد حينذاك بأنني أمتلك صوتاً مسكوناً بالملائكية.. وتحدثت عني الصحافة كثيرا فاستطعت أن أخطو خطوة كبيرة في مشواري الغنائي. الفن والسياسة لكن الخطوة الحقيقية التي أفادتني كانت حين سمعني الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.. فقد كان يمتلك رؤية بعيدة وعميقة للفن, وكان يحرص على وجود مناخ فني واعٍ ينتشر في كل نسمات مصر.. عندما سمعني عبد الناصر لأول مرة في الإذاعة المصرية أخبر المسؤولين ـ وهو ما أكده الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل ـ سمعت صوتا جميلا في الإذاعة هو "فيروز مصر".. ثم أصدر أوامره بالاهتمام بي والوقوف إلى جانبي وتسبب ذلك في نجاحي وشهرتي. وفي الحقيقة لم أهتم بكوني "فيروز" فلكل منا أداء ولون خاص ولكني عرفت أنه لا فرق بين الفن والسياسة فإذا تشوهت صورة الفن يرجع ذلك إلى سوء الصورة الأخرى "السياسية" وعبد الناصر كان يفهم ذلك فبقدر حرصه على تحسين أحوال الوطن بقدر اهتمامه بشؤون الفن والفنانين. بصراحة إنني اعتبر نفسي محظوظة لأنني تواجدت في هذا العصر, حيث كانت كل الأشياء جميلة وحقيقية وأصيلة.. كل الأشياء كانت لها هوية. الزمن الجميل منذ بدايتي اهتم عبد الحليم حافظ بصوتي.. و كان مقتنعا به و تكلم عني بشكل جيد وتعاقد معي لمدة خمس سنوات في شركة صوت الفن.. كما أشركني في معظم حفلاته التي كانت تنظم بشكل جيد وفي مناسبات ملائمة وفترات مستمرة, وكانت وسائل الإعلام تغطيها وتتابعها باهتمام وبصورة رائعة.. أما الآن فقد قل نشاطي لغياب عبد الحليم وغياب كل الزمن الجميل بعدما أصبح المناخ الفني بشكل عام مختلفاً تعتريه عوامل سيئة تدعو للأسف. وهذا التحول لم يحدث فجأة بين يوم وليلة وإنما هو نتاج طبيعي ترتب على هزيمة 67 التي أثرت في الجميع.. ثم جاءت الأزمة الأكبر مع الانفتاح الاقتصادي الذي اجتاح المجتمع في السبعينات وأفسد الذوق العام, فاختفت الأصوات والكلمات والألحان الجيدة, وسادت موجة رديئة غطت على الفن الحقيقي.. موجة كل مقوماتها الرقص والتصفيق والتنطيط دون هدف واضح ومحدد. خارج الدائرة وبالنسبة لي كنت أعمل خارج هذه الدائرة مثلي مثل كل الموهوبين وأصحاب القدرات حتى صرنا من المظلومين في الأرض فوسائل الإعلام تركز على أصحاب موجة التنطيط وتتجاهلنا, واسألوا محمد منير وعلي الحجار و.. و.. أما أنا فقد اهتممت بتثقيف صوتي فحصلت على الماجستير والدكتوراه حتى صار صوتي واعيا لتقنيات اللغة الصوتية, وغنيت كل الألوان العاطفية والدينية والوطنية إضافة إلى الغناء الأوبرالي.. ومازلت أفكر وأحلم بالعثور على حياة فنية جديدة تحمل صيغة متألقة.. حياة تؤمن بالوطن وتخدم قضاياه وترعى الموهوبين وتشطب من قاموسها الزائفين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات