استراحة البيان: صاحب الثروة ودرس الاخلاص، يكتبها اليوم سعيد حمدان

افتتح معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي خلال الايام الماضية معرضا لمجموعة صور تتحدث عن المدارس والطلاب خلال فترة الستينات والسبعينات. معرض تاريخي مهم يحكي تطور حال المؤسسة والانسان في مسيرة التعليم بالدولة, حضر هذا المعرض كما بينت التغطيات الاعلامية جمع غفير, وكثير من الناس اسعدهم ان يتعرفوا على آبائهم او اخوانهم او انفسهم في صور التقطت لهم في فترات عمرية جميلة . اللقطة المختلفة في هذا المعرض التي اكتب عنها هي لحظة الافتتاح, عندما وقف راعي الحفل امام الشريط الملون, بجانبه وقف صاحب المحفل. بدى للضيوف الغرباء انه شخص ضل طريقه, او وقف خطأ في هذا الموقع المتميز, انه شخص من غير (بشت) او بدلة او رسميات تناسب هذا الاحتفال, شخص عادي المظهر يحمل على كتفه (كاميرا) ثقيلة! اشكال من عدسات كاميرات الصحف والفيديو الشخصية والتلفزيون ومن مختلف وسائل الاعلام المحلية والدولية كانت مدعوة وحاضرة المناسبة, ومع ذلك حضر صاحب المعرض والكاميرا الخاصة على كتفه, ووقف معها في لحظة التأريخ. نور علي هو هذا الشخص المهم, صاحب المحفل الذي ظهر في صورة غير مألوفة. من يعرف نور يعلم ان تصرفه طبيعي عندما وقف مع كاميرته ليصوره الاخرون. فالكاميرا عند نور رفيق درب وسلاح ومصدر رزق وهي ايضا حياته وهوايته الوحيدة واحلامه وعشقه القديم الثابت. عندما جاء الى هذه الارض في نهاية الخمسينات, في عز شبابه, كان امامه خيار ان يعمل في تجارة الذهب التي يعرف اصولها من جذوره العائلية, وللذهب انذاك مجد وبريق, في ارض بور يسكنها انسان احلامه واسعة وبعيدة. وخيار اخر هو ان يمارس هوايته, يصور ويخسر. افلام وعدسات وتحميض وطباعة, في زمن كانت فيه الكاميرا جهازا غريبا عجيبا مكلفا, وفي مكان لايعرف هذا الفن ولاكيفية التعامل مع مستلزماته. اختار نور التعب والخسارة على الذهب, كان يصور اي شيء, ويتحرك مابين الصحراء والبحر كما اهل المنطقة, يعيش مثلهم, ويأكل مثلهم, وفي العشرة احب وطنهم مثلهم. تبدل الحياة, وازدهار دولة النعيم والحضارة, جعلت من نور غنيا مشهورا بعد عمر الجفاف والتعب, لكنه يردد دائما انه خسران, فمن جاء بعده من الاجانب, والتقط صورا معدودة وفي مناطق محددة, ملك ان يستثمرها ويصبح أغنى منه, اما هو ـ ويتحدث بثقة ـ يملك ثروة لاتقدر ولاتعوض, فهي ضخمة, منوعة, في ايام وازمان مختلفة, ومن غرب البلاد الى جنوبها, كل بقعة لها صور, وكل مناسبة لها توثيق عنده, والمدنية عندما بدأت تزحف كان يتعقبها ويصور تبدل الحال في المكان الذي حلت فيه بشكل موسمي. هذه الثروة ـ يقول عنها نور ـ لا يوجد من يهتم بها ويقدرها, رغم انها نادرة وعزيزة, لانها الذاكرة الشمولية الوحيدة المتبقية لتاريخ هذا الوطن. نور اليوم مثل الامس البعيد, كما جاء متحمسا لايزال يملك هذه الطاقة. الدهر اخذ منه اشياء غالية مثل الصحة والشباب, لكن عزيمته لاتزال اقوى من عوامل الزمن. تجده صباحا في دبي وبعد العصر بابوظبي, واذا كان توقيت احتفال ما سيقام في المساء بالشارقة, ستجد (نور) حاضرا كعادته في كل مكان, وفي مختلف المناسبات, يصور ويفرح برؤية الناس له. يخلص حتى وهو في هذه السن لهذه الرفيقة. اخلاص مشحون بالحب المجنون في عمق مقداره وطول بقائه, والخوف على تاريخها عنده. نور ثروة.. ودرس في الحياة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات